كلمة الجمعة لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 16 جمادي الاول 1447هـ
كلمة الجمعة
بسمه تعالى
ان الصراع بين مدرستي: «الاعتدال» و«التطرف» في منظومة الخطاب الديني ليس نزاعاً وصراعاً محتدماً في الأيديولوجيا، بل هو نزاع وصراع في الدرجة باعتبار أن كلاً من خطاب المدرستين يعتمد على «التكفير» و«التضليل» وسيلة لقمع الخصم أيديولوجيا من لدن المعتدلين، وتصفيته جسدياً من لدن المتطرفين.
إن التخلف بأشكاله المختلفة يولد التطرف المذهبي وبالتالي تحجبه عن كشف الحقيقة الاسلامية الضائعة، كما أنه لا يقرأ الحديث النبوي الشريف بطريقة عقلائية وعقلانية، بل بطريقة مزاجية تلوي عنق الحديث بما ينسجم مع مسبقاته. فضلاً عن ممارسة الانتقائية في الاستشهاد بالاحاديث النبوية ليختار منها ما يختار، ويترك منها ما يترك.. ليتلائم مع اطروحاته ومتبنياته، ورفض النظر عن بقيتها، كما نشاهد ذلك في تعاطي الفرق مع تلك الموضوعات والاشياء. وفي هذا السياق يهيمن العقل المنفعل على العقل الفاعل، وتغيب الموازين العلمية، وتبتعد عن العقلنة الموضوعية، وتأصيل مفهوم التلوين، ويعني به القراءة المغرضة للنصوص الحديثية التشريعية تستخفي فيه التوجيهات الأيديولوجية تحت شعار الموضوعية العلمية والحيادية المعرفية، مضافاً ميتافيزيقياً (Metaphysics) سرمديا.
ومن هنا، نشاهد أن بعض الموضوعات الفقهية والعقدية ليست أحكاماً على نحو القضية الحقيقية، لأنها سياقات تاريخية على نحو القضية الخارجية، وبخاصة في مجال الكم الهائل من الفتاوى المعلبة الجاهزة، التي لا تنسجم مع الشريعة العملية الخاتمة بوصفها غريبة، تغفل في كثير من الاحيان عن مقاصد الشريعة، وتتعارض مع القيم الانسانوية، وتعصف بطموحات الانسان، وتجدد تطلعاته نحو العدل والانعتاق، وتحويله الى تابع وخانع لسلطة دينية ذات مرجعيات أيديولوجية وطموحات سياسوية، تستخدم الدين القيم لخدمة مصالحها البراغماتية Pragmatism))، بل وتتعالى بفوقية عن المساءلة والنقد والمحاسبة والعقلنة. إنها نبت دخيل!..
الحل الوحيد الفريد هو في استئصالها من التربة، ولا مجال الى ذلك إلا الفأس. واذا إردنا حقاً تحرير الانسان المتخلف لأنجاز خلاصه، فينبغي علينا أولاً وقبل كل شيء تحرير عقله الذي تعرض ظلماً وعدواناً للقهر على مرّ العصور، فأصبح خاضعاً خانعاً تابعاً مقلداً لا مستقلاً. وهذا من إفرازات العقل المنفعل بتقليد السلف، ومن ثم أصبح سجيناً في سجون محكمة متعددة الأصناف والاسوار والمتاريس، بل ولا يعي سجنه، أي لا يدري أنه سجين أصلاً، لأن ولد وعاش في هذا السجن المترامي الأطراف وسيموت فيه قهراً.
احمد الحسني البغدادي
النجف الاشرف
16 جمادي الاول 1447هـ