الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب حداثات أَخرى (4)
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب
حداثات أَخرى
(4)
هذا الحديث المسهب بالتحديد (رغم طابعه التقليدي) راح هنا مع فكر ما بعد الحداثة القائمة على أُس المدرسة التفكيكية وفق إِحلال ذهنية الأَنسنة المتفتحة محلها، ولا أزعم أن معاصرنا ساق أُطروحة مبانيه وفق مقولاته عِبْرَ دراسته وقياس أَفكاره عليها، وهذا يخالف سرعة تحولاته الحداثوية ولغته التنظيرية يتعامل معها بطريقةٍ تساؤوليةٍ تشكيكيـــــــة على مسلك شيـــــــــخ المشككين المفسِّر الرازي(1)، بالمعنى الديكارتي مهما حاول قدر دائرة المستطاع أن يكشف نهجه الجديد ونسقه المتعارف عِبْرَ مقولات الحداثة وما بعدها، والقاء محاضراته وفق ما نشيت هذه المصطلحات ألا وأن تخمر حصيلة مخيلته اليمينية القديمة لا يزال يحكم تصوراته وأسلوب طرحه، و(ربما) أن هذا الضمور ليس مقصوداً بِقَدَّر ما هو يُعَبِّر عن الخلل المنهجي، ويعبر عن هواجس من حقيقة الإلتباس لديه، والحذر والحيطة والخشية من طرح رأي صريح يتحدى الممنوع عن بعض مبانيه الجديدة التي ترافقها مقولة الحداثة بل وما بعدها كذلك ذات المنشأ والتاريخ الغربيين؛ ولهذا خرجتُ بقناعة مفادها:
إِنَّ كل إثارة هذه الإشكالات أو التساؤلات لا يجيب عليها بل يشكك فيها في سبيل أن يرمي حجراً كبيراً في المياه الراكدة، ويكسر هذا الجمود في إثارة عقول قامات فقهاء الحوزات «العلمية» التي تؤكدُ في أَدبیاتها أنَّ مدرسة أهل بيت الرسول محمد قادرة على حلّ كلّ تساؤلٍ أو إشكالٍ، وهنا يزعم (ما معناه) وإن كنت شخصياً أُجبت عن الكثير من هذه أو تلك، وإن كان البعض منها لا أجد لها جواباً (الآن) لا أخدش الخطوط الحمراء داخل هذا الكيان الحوزوي. بل أنَّ البعض من هذه التساؤلات أو الإشكالات التي طرحتها موجودةٌ عندي، وبعضها لا أجد لها جواباً شافيا بالفعل لا بالقوة، كما يقول المناطقة. من هنا، من حقك أن تعترض عليَّ وتقول إذن، لماذا تطرح تلك الإشكالات أو التساؤلات أو الردود؟!..
وأُجيب في منتهى الصراحة «تحدياً» لهذا الاستعلاء والفوقية التي تتصفُ بها المرجعيات الدينية العليا.
إذن؛ لابد حتماً أن تعرف لقد أصابتني خيبة أملٍ من توجههِ وتأثرهِ بالقراءات المعاصرة التي ظهرت على الساحة الفرنسية حصرياً من القامات والتيارات الأيديولوجيات المتصارعة المستمدة من الفلسفة البنيوية أو القراءات المتعارضة التأويلية ودروبها المتعددة حول «الكتاب المقدس» ذلك كله في مجال اللغة واللسانيات؛ ولهذا إنطلق معاصرنا بقراءةٍ معاصرةٍ وبثرثرةٍ طفوليةٍ تتماهى مع الطروحات الفلسفية واللغوية عندهم بشكلٍ متسرع بلا تبني مباشر لها بل بطريقة التغلغل الهادئ مع كل المناكفات والصراعات المحتدمة في التعابير والمصطلحات التي يسوقها والتي تبنى الى التماهي بسبب الطفرة الطفولية بمعطيات الحداثة الغربية - الاوروبية، بل (ربما) بعد الحداثة كذلك بلا قراءة متأنية نقدية في أجواء بيئتها ومهدها قبل التعرض لتفنيدها من قبل مفكري الإسلام المتنورين(2)، وكثير غيرهم من خارج الدائرة الاسلامية. للبحث صلة
الهوامش
(1) بسبب هذا التوجه أوصى تلاميذه وعارفي فضله أن يدفنوه ليلاً، وأن لا يخبروا أحداً على موضع مرقده لثلا تنبشه بعض قوى ثورة المتشددين وتمثل به !(المؤلف).
(2) من هنا؛ ينبغي التنبيه والتحذير بما كتبه الأخ الشيخ الدكتور طلال الحسن في كتابه المشروع الإصلاحي للتراث الديني دراسة نقدية لمبانيه وتطبيقاته الجديدة، ط: بيروت ٢٠٢٣م، ص: ٢٨٩ وما بعدها، حيث ذهب قائلاً: «ينطلق السيّد الأُستاذ [كمال الحيدري] في أُولى محاضرته من إيحاءات كتاب (مدخل التنوير الأوروبي) للكاتب السوري الدكتور هاشم صالح، الذي انطلق من سؤال حول سرِّ خلاص أوروبا من الطائفية الظلامية، حيث يقول: «كان السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه عليَّ هو التالي: كيف تحررت أُوروبا من اللاهوت الظلامي للقرون الوسطى، هذا اللاهوت الذي يُقَسّم إلى طوائف ومذاهب متناحرةٍ، ويمنع تحقيق الوحدة الوطنية؟ كيف تخلصت أُوروبا من براثن هذا الإخطبوط الذي يتمتّع بالمشروعية التاريخية بل بالقداسة «الإلهية» وكيف انتقلت الى الفهم الحديث والمستنير للدين» مدخل التنوير الأوروبي، ص ٧٢ وما بعدها.
فالأوروبيون من ظلامية الطائفية في القرون الوسطى الحداثة والتنوير الفكري، ومن خلال هذه الفكرة الموجزة يصل إلى أهدافه المتعلق بالتراث الديني الإسلامي في العالم العربي والإسلامي ليطبّق عليه نفس الفكرة السابقة الظلامية والحل بالتنوير، حيث يقول:
«إنَّ أزمة الوعي الإسلامي مع نفسه ومع الحداثة الفكرية والفلسفية لا تختلف في شيء عن أزمة الوعي المسيحي الأوروبي مع ذاته ومع نفس الحداثة... ولذلك كان من المفيد جداً أن تطلع على كيفية حصول الأزمة الأُولى قبل ثلاثة قرون، وكيف حلّها مفكرو أُوروبا بعد معاركَ هائجةٍ سجَّلتها كُتب التاريخ بأحرف من النور»، مصدر سابق : ٩ وما بعدها.
الى أن يقول: «الفرق الوحيد بين التنويريين الأوروبيين والتنويريين العرب أو المسلمين هو أنَّ الأوليين نجحوا في المعركة وحسموها، في حين أنَّ الثانين، أي: نحن جميعاً، لا نزال نتخبَّط فيها، ولا يُتوقَّع أن نصل الى نتيجة ملموسة في المدى البعيد المنظور، ولكننا سائرون على الطريق»، مصدر سابق.
يذكر من دون أن يُبيَّن أنَّ التنوير الاوروبي لم يكن تطويراً للفكر الديني وإنّما هو القضاء عليه قضاءً مُبرماً بمعنى عزله عن الحياة وتحكيم منهج ومعطيات العلم التجريبي الماديّ، الذي أنتج صراعات أشد تعقيداً من مافيا مُجرمةٍ على الصعد كافة ماسونية وضيعة تحطمت فيها القيم الالهية والإنسانية معاً، حتى بلغ تخبط المجتمع الأوروبي أن يشرَّع بوضعيته الى كلِّ ما يسقط القيم الإنسانية والأخلاقية من قبيل المثلية بعد أن إطفأت في المجتمع الأوروبي بشكل عام مقتضیات الفطرة السليمة. فالطائفية بغيضة، ولكن هل الحل التنويري لها سيكون على غرار الحل التنويري الاوروبي؟ فقوله:
«ولكنا سائرون على الطريق»، يشير بوضوح الى تطويق الدّين الإسلامي في مساجده کما طوقت أُوروبا المسيحية في الكنائس بمعنى قطع جذور الحياة عن الدين، ولذلك فهو يقول بنحو من التفاؤل والأمل بزوال الإسلام أو الفكر الديني من الوسط العربي والإسلامي:
«والشي الأساسي في التجربة الأوروبية هو أنّها تُقدم للمثقف العربي في هذه الظروف المُدلهمّة عزاء ما بعده عزاء، فهي تُثبت أن تخوض المعركة من أجل تنوير العقول مُمكننٌ، وأنَّ النجاح فيها الممُكنة أيضاً، وبالتالي فالرؤية الجديدة للدّين والعالَم، أو للعلاقة بين الدّين والمجتمع، أو بين الدّين والسياسة، يُمكن أَن ينتصر على الرؤية القديمة، حتى لو كانت راسخة الجذور في العقلية الجماعية منذ مئات السنين»، مصدر سابق. إِنَّهُ يُبشِّرنا بالقضاء على الفكر الديني الإسلامي ومحاصرته في المساجد، فهم من باب يدعون للحُرِّية والتنوير، وباب يدعون الى قمع الدّين الإسلامي، وهنا يوصينا السيد الأُستاذ [الحيدري] بضرورة اقتناء هذا الكتاب! حيث يقول:
«هذا الكتاب أَنا بودِّي الأعزة بأيِّ شكلٍ من الأشكالٍ يحصلون على نسخة منه ويطالعوه، سأُبيِّن أهمية هذا الكتاب»، تأملات في الحداثة وما بعد الحداثة «المحاضرة الأولى»، مصدر سابق.