الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب إغتصاب العقول الحلقة الثانية
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب
إغتصاب العقول
الحلقة الثانية
نحن هنا، أَمام ظاهرة تحالف معرفي استراتيجي مع المؤسسة السلفية الماضوية الرسمية.. والاحزاب الاسلامية والاسلاموية المماهية مع المشروع الاميركي في المنطقة، ودعم العملية السياسية الجارية في العراق في سبيل تحقيق مآربها المشتركة لقاء ما يعللون به على الانسان العراقي المقهور المحروم من أوهام الخلاص، ودرء الشر، أو تغير المصير، وتشجيع سلطة الاحزاب والتيارات في مجتمعنا المتخلف، مثل: رعاية طقسنة الشعائر الحسينية المتخلفة.. ورعاية المرجعية «الدينية» التي تتلبس لباساً «مقدساً»، حتى يعم الجهل وتتأصل الاستاتيكية، والخرافة والشعوذة بشكل تطمس الواقع الحداثوي الاسلامي في الوحل اللاسق في الطين.. وتصرف المجتمع عن المواجهة الفاعلة والموضوعية والعقلنة له. وهو ما يصون سلطة الاحتلال(1) والاحزاب مكانتهم ويحول الانظار عنهم كمسؤولين اساسيين. عما يصيب المجتمع من تخلف ورجعية وتسيب وضياع، أو ما يلم به من دماء ودمار وبوار من هذه التحالفات التنسيقية بين الاحتلال والاحزاب والسلفية تأصل الهيمنة الخرافية والنزعة الماضوية على المصير في نفسية المجتمع المتخلف، لكن تبلغ مرتبة الإِيمان الذي لا يتزعزع، والعقيدة التي لا تمس، ويشجع على هذا الأمر ما تحاط به ممارسة هذه الاطروحة السلفية التقليدية الماضوية من طابع ديني يجعلها تدخل في اطار «المقدس» الذي ينبغي وجوباً الإِيمان به دون حوارات ومناكفات الذي يتحول تساؤل القال والقيل حوله الى علامات استفهام بــ «العصمة» والمساس بــ«المقدس» كله.
حدث ذلك لأنها لا ذات بتفسير قطعي لنصوص الدّين لا يقبل الانفتاح على تعاقب الازمنة وتغير الامكنة، وأذلت نفسها لذلك التفسير المغلق أكثر من خضوعها للقيمة المعرفية والثقافية والروحية والوجدانية للنصوص الدينية الأصيلة، فراحت تقدس سرداً خيالاً طوباوياً عن ماضيها العتيق تصورات صوابه، وسكتت على ضروب الاختلاف في التاريخ القديم، وأعدته خروجاً عن الاتجاه المستقيم. وهناك محاولة لألباس طقسنة الشعائر والتقاليد والمعتقدات التخريفية لباساً دينياً مقدساً يجعلها تصل بالنهاية الى الاعماق في نفسية الانسان المقهور، ويشدها في معتقده مما يعمق هيمنتها عليه وتصل الخرافة الى تعطيل النقد والنقد الذاتي، والعقلنة الموضوعية للواقع في المواجهة له مشكلة عويصة فعلية أمام الفكر والتنظير، وسبباً قوياً في هيمنة التخلف، وتعميق الجهل بالعناوين الثانوية، والحيل الشرعية هي المبرر لذلك، فالتشنيع والتسقيط والتجريم والموت الاسود والأحمر لأي انسان حداثوي تقدمي إسلامي بريء كبراءة الذئب من دم يوسف لا مانع فيه، بل يصل الأمر الى الوجوب بعض الاحايين اذا توقف الأمر على حفظ الطقسنة والتقاليد والاعراف والعادات بصيغها المتداولة، بل يجب أن تتضخم وتغرق في وحل تخلفها وانحطاطها واجتراريتها التكرارية، وتكرس ثقافة التحجر، بل يجب التعامل معها معاملة الجزميات، القطعيات، اليقينيات، حينما يعبأ ويغذى الانسان المتخلف من حيث المبدأ بامثال هذه التقاليد والعادات والاعراف الشاذة، ويكون بعد ذلك مثاراً للسخرية والتندر، بسبب نزعته السلفية البالية التي تضع العرف المجتمعي كقاعدة للسلوك وكمعيار للنظرة الى الأمور بدل التطلع الى القضايا والاشياء التقدمية الآنية منها والمستقبلية، وتزداد إمكانية التأويل المتعدد الأوجه والمتناقض المسارات.. ترى السلفية اذا ضاقت بهم الحقيقة من عبارات الختام القائلة «والله العِالم»(2). وهي ذات النزعة الاحيائية التقليدية المتحجرة شدة وضعفاً بمقدار تخلف الجماعات والاقوام وبشكل مطرد، وتتجذر السلفية في الاعماق من وجهة ذاتية بمقدار الشعور بالتقصير على مواجهة تحديات الطبيعة وأهوالها، وقوى الثورة المضادة المتسلطة وخطورتها على الصعد كافة، هذا اولاً. للبحث صلة.
الهوامش
(1) وبالمناسبة هناك قصة ذات مغزى رويت لي لا بد من ذكرها: ﻓﻲ نيودلهي عاﺻﻤﺔ الهند، ﻛﺎﻥ ﺳﻔﻴﺮ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ ﻳﻤﺮ ﺑﺴﻴﺎﺭﺗﻪ ﻣﻊ ﻗﻨﺼﻞ ﻣﻤﻠﻜته....ﻭﻓﺠﺄﺓ.. ﺭﺃﻯ ﺷﺎﺑﺎ ﻫﻨﺪﻳﺎً ﺟﺎﻣﻌﻴﺎً ﻳﺮﻛﻞ ﺑﻘﺮﺓ برجله.. ﻓﺄﻣﺮ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺳﺎﺋﻘﻪ بأن ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺑﺴﺮﻋﺔ، ﻭﺗﺮﺟّﻞ السفير ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻣُﺴﺮﻋﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ «ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ»، ﻳﺪﻓﻊ ﻋﻨﻬﺎ ذلك ﺍﻟﺸﺎﺏ ﺻﺎﺭﺧﺎً ﻓﻲ ﻭﺟﻬﻪ، ﻭﻳﻤﺴﺢ ﻋﻠﻰ ﺟﺴﺪﻫﺎ ﻃﻠﺒﺎ للصفح ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ، ﻭﺳﻂ ﺩﻫﺸﺔ ﺍﻟﻤﺎﺭﺓ، ﺍﻟﺬﻳﻦ اﺟﺘﻤﻌﻮﺍ ﺑﻌﺪ ﺳﻤﺎﻉ ﺻﺮﺍخ السفير، ﻭﻭﺳﻂ ﺫﻫﻮﻝ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﻳﻦ.... ثم اﻏﺘﺴﻞ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﺑﺒﻮﻝ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ ﻭﻣﺴﺢ ﺑﻪ ﻭﺟﻬﻪ، ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺭﺓ إﻻ ﺃﻥ سجدوا ﺗﻘﺪﻳﺮﺍً للبقرة التي ﺳﺠﺪ لها ﺍﻟﻐﺮﻳﺐ.
ثم بعد ذلك أحضرﻮﺍ اﻟﺸﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﺭكل البقرة ﻟﻴﺴﺤﻘﻮﻩ أﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ اﻧﺘﻘﺎﻣﺎ ﻟﻘﺪسية ﻣﻘﺎﻣﻬﺎ ﻭﺭﻓﻌﺔ ﺟﻼﻟﻬﺎ!..
ثم عاد السفير الى سيارته ﺑﺮﺑﻄﺘﻪ ﻭﻗﻤﻴﺼﻪ ﺍﻟﻤُﺒﻠﻞ ﺑﺒﻮﻝ البقرة ﻭﺷﻌﺮﻩ ﺍﻟﻤﻨﺜﻮﺭ.. ﻋﺎﺩ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﻟﻴﺮﻛﺐ ﺳﻴﺎﺭﺓ اﻟﺴﻔﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻘﻨﺼﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﺎﺩﺭﻩ باﻟﺴﺆﺍﻝ ﻋﻦ ﺳﺒﺐ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ، ﻭﻫﻞ ﻫﻮ ﻣﻘﺘﻨﻊ ﺣﻘﺎ ﺑﻌﻘﻴﺪﺓ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺍﻟﺒﻘﺮ ؟!..
فأجاب ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ إجابة تعكس عبقرية الطغيان على العقول، حيث قال:
إن قيام ﺍﻟﺸﺎﺏ بركل البقرة هو ﺻﺤﻮﺓ للعقول، ﻭﺭﻛﻠﺔ ﻟﻠﻌﻘﻴﺪﺓ الهشة، ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺮﻳﺪﻫﺎ أن تستمر، ﻭﻟﻮ ﺳﻤﺤﻨﺎ ﻟﻠﻬﻨﻮﺩ ﺑﺮﻛﻞ ﺍﻟﻌﻘﺎﺋﺪ.. ﻟﺘﻘﺪﻣﺖ ﺍﻟﻬﻨﺪ ﺧﻤﺴﻴﻦ ﻋﺎﻣﺎ ﺇﻟﻰ الأمام.. ﺣﻴﻨئذ ﺳﻨﺨﺴﺮ ﻭﺟﻮﺩﻧﺎ ﻭﻣﺼﺎﻟﺤﻨﺎ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ، ﻓﻮﺍﺟﺒﻨﺎ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﻲ ﻫﻨﺎ.. أﻥ ﻻ ﻧﺴﻤﺢ ﺑﺬﻟﻚ ﺃﺑﺪﺍ.. ﻷﻧﻨﺎ ﻧُﺪﺭﻙ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﻭﺍﻟﺨﺮﺍﻓﺔ والتعصب الديني والمذهبي ﻭﺳﻔﺎﻫﺔ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ.. ﻫﻲ ﺟﻴﻮﺷﻨﺎ التي نعتمد عليها ﻓﻲ ﺗﺴﺨﻴﺮ ﺍلمجتمعات...
فهل عرفنا لماذا الغرب يُدعم الجهل والخرافة والتعصب الديني والمذهبي في عالمنا العربي والإسلامي ؟!..
* هذا هو فن إغتصاب العقول!..
(2) راجع بالتفصيل الفصل الخامس: «معرفة القرآن بين التأويل والتفسير» في كتابنا: «القرآن والرأي الآخر»، ط: الرسمية الاولى، 1436هـ - 2014م، من منشورات مكتبة الامام المجاهد السيد البغدادي العامة، ص: 83 وما بعدها.