الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: تطبيقات في اطار الفقه العام (6)
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب:
تطبيقات في اطار الفقه العام
(6)
عاشراً: تسعيرة السلع والمواد
اذا وقع الانسان المسلم في الحيرة والاضطراب والشدة والعسر بسبب ما يحتكره طواغيت الثروة والمال من سلع وبضائع ولم تعرض في سوق المسلمين، وجب على ولي الامر اجبارهم على بيع سلعهم وبضائعهم.
قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ــ مما قال له جبرائيل:
«اطلعت في النار، فرأيت وادياً في جهنم يغلي، فقلت: يا ملك لمن هذا؟.. فقال: لثلاثة: المحتكرين، والمدمنين الخمر، والقوادين»(1).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام الى مالك الأشتر:
«فامنع من الاحتكار فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل واسعاً لا يجحف بالفريق ين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك ايّاه فنكل وعاقب في غير إِسراف»(2).
ورد في الحديث الصادقي:
«نفذ الطعام في عهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فاتاه المسلمون، فقالوا: يا رسول الله! قد نفذ الطعام، ولم يبقَ منه شيء إلا عند فلان، فأمره ببيعه. قال: فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:
يا فلان ان المسلمين ذكروا ان الطعام قد نفذ الا شيئاً عندك، فأخرجه وبعهُ...» (3).
ان اجبار الانسان المحتكر على بيع سلعته وبضاعته امر مسلم به، اكدت عليه النصوص الحديثية الصحيحة، والملاكات العقلية، وقد افتى بذلك الوسط الفقهي من قبيل: الشيخ المفيد في مقنعته 95، والشيخ الطوسي في نهايته 374، وفي مبسوطه 2/195، والشهيد الاول في دروسه 382، والمحقق الحلي في شرائعه 2/21، والعلامة الحلي في قواعده 1/122، وابن ادريس الحلي في سرائره 1/212، والشيخ البحراني في حدائقه 18/46، والمحقق النجفي في جواهره 25/685، وأُستاذنا الاكبر في هدايته 2/225، والشيخ الانصاري في مكاسبه 213، حيث ذهب الاخير يقول:
« الظاهر عدم الخلاف ــ كما قيل ــ في اجبار المحتكر على البيع ــ حتى القول بالكراهة ــ بل عن المهذب البارع بالإجماع، وعن التنقيح ــ كما في الحدائق ــ عدم الخلاف فيه، وهو دليل المخرج عن قاعدة عدم الاجبار غير واجب، ولذا ذكرنا ان ظاهر ادلة الاجبار تدل على التحريم، لان الزام غير اللازم خلاف القاعدة». هذا اولا.
وثانياً: قد نقل عن الشيخ الانصاري في مكاسبه الفقهية في شأن تسعير السلعة بما يراه ولي الامر.. عن كتاب المقنعة: ان لولي الامر ان يسعر بما يراه من المصلحة العامة، ونقل كذلك الشيخ الانصاري عن العلامة الحلي: ان لولي الامر ان يسعر على المحتكر، ان اجحف في الثمن، لنفي الضرر.
وقال المحقق النجفي في جواهره:
«نعم، لا يبعد رد المحتكر مع الاجحاف في الثمن، كما عن ابن حمزة، والفاضل، والشهيد الثاني، وغيرهم لنفي الضرر، لأنه لولا ذلك لانتفى فائدة الاجبار، إذ يجوز ان يطلب المحتكر يقدر الناس على بذله ويضر بحالهم، والغرض رفع الضرر».
ان الاحتكار من ناحية المبدأ من اعظم المحرمات الاسلامية واخطرها على الطبقات العاملة والشغيلة والجماهير العفيفة المستضعفة، وعليه يجب تحديد بيع السلع والبضائع في سبيل المصلحة العامة.
اما حول اشكالية البعض في الوسط الفقهي بان تنفيذ اوامر ولي الامر سارية على اجبار الانسان المحتكر للسلع، التي يمتلكها ويبيعها دون تحديد التسعيرة. فهذا خلاف الشرع والعقل والوجدان والضمير ــ على ما ارى ــ ما دام الهدف الاسمى واحد، وهو دفع المفسدة.
قالوا: ان في احدى السنوات العجاف انقطع الطعام عن مدينة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان الناس كل الناس يشترون طعامهم يوماً بيوم، فسأل: جعفر بن محمد الصادق عليه السلام بعض مواليه:
«كم عندنا من طعام؟
قال: قلت: عندما يكفينا أشهراً كثيرةً.
قال: أخرجه وبعه.
قال: قلت له: وليس بالمدينة طعام.
قال: بعه، فلما بعته، قال:
اشتر مع الناس يوماً بيوم.
وقال: يا معتب اجعل قوت عيالي نصفاً شعيراً، ونصفاً حنطةً، فان الله يعلم أني واجد أن اطعمهم الحنطة على وجهها، ولكني أحببت أن يراني الله قد أحسنت تقدير المعيشة»(4).
وفي رواية اخرى:
«ان اهل المدينة اصابهم قحط، حتى ان الرجل الموسر كان يخلط الحنطة بالشعير ويأكله، ويشتري ببعض الطعام، وكان عند أبي عبد الله عليه السلام طعاماً جيداً، قد اشتراه في بداية السنة.
فقال لبعض مواليه: اشتر لنا شعيراً، فاخلطه بهذا الطعام، أبعه، فانا نكره أن نأكل جيداً، ويأكل الناس رديئاً»(5).
وقال الامام الصادق عليه السلام:
«ربح المؤمن على المؤمن رباً»(6).
وقال الامام الصادق عليه السلام:.
«ربح المؤمن على المؤمن ربا، الا ان يشتري بأكثر من مئة درهم فاربح عليه قوت يومك، او يشتريه للتجارة، فأربحوا عليهم وارفقوا بهم»(7).
ان عد تحريم الربح ما في ذلك ريب من منظار الاوساط الفقهية شريطة لا حيف، ولا اجحاف، ولا ظلامة ــ كما ورد في النصوص الحديثية التشريعية ــ ولاسيما في معاملة المضطرين الى تلك الحاجات الضرورية الملحة من السلع والاطعمة وغيرهما*. للبحث صلة.
الهوامش
(1) وسائل الشيعة في احكام الشريعة، محمد بن الحسن بن الحر العاملي، ط: 1391هـ، بيروت، لبنان، 12/314.
(2) المصدر السابق، 12/315.
(3) المصدر السابق، 12/317.
(4) المصدر السابق، 12/322.
(5) المصدر السابق، 12/321.
(6) المصدر السابق، 12/ 293.
(7) المصدر السابق، 12/293.
* انظر بتوسع كتابنا: التفسير القرآني للاقتصاد، ط: الرسمية الاولى، 14 ربيع الاول 1435هـ - 15 كانون الثاني 2014م، منشورات مكتبة الامام المجاهد السيد البغدادي العامة .

