الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: تطبيقات في اطار الفقه العام (4)
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب:
تطبيقات في اطار الفقه العام
(4)
سابعاً: الموضوعات الخارجية
وهي ما علق الشارع المقدس منظومة احكامها بها، وارجع تشخيص بعض المفاهيم على المصاديق الى نظر العرف المجتمعي، أي العرف الذي يراد به معرفة حكم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على صعيد الشبهة الحكمية.
وذلك من قبيل:
جعل الشارع المقدس مفهوم الغناء المطرب موضوعاً للحرمة، فاذا شك في صوت من الاصوات بحيث يكون هذا المعيار متفقاً عليه، ويصبح بإمكان المرء ان يعرف، هل هذا من مصاديق الصوت مما يطرب أو لا؟ فيترك تحديده الى العرف المجتمعي، فاذا كان بناء العرف على كل صوت من الاصوات شك في موضوعه بانه غناء.. فهذا اذن غناء محرم.. فهذا البناء العرفي العقلاني، أو العقلائي في اطاره الحقيقي حجة ارتضاها الشارع للكشف عن مناطه وملاكه الواقعي.. وهذا البناء لا يرجع الى شأن الاجتهاد والفقاهة، وان ظهر لي أخيراً ان العرف العام المتأخر (لا العرف في عصر التشريع) غير منضبط بحيث يوجب رفع الاشتباه في كل المصاديق .
وبعبارة أدق وأعمق: ان الاختلاف بين المعيار والملاك. وان احدهما يؤطر بمرحلة الثبوت، والآخر في مرحلة الاثبات.
وان لدينا مشكلة فيما يخص الغناء سواء كان في الملاك الثبوتي ام في الملاك الاثباتي. فعلى فرض انا توصلنا (كما سبق قد بينّا) الى نتيجة بشأن حقيقة الغناء المطرب باي ملاك يمكننا تعين الحالات المشكوكة بها عندما تغدو في صدد الاثبات؟..
من هنا.. يرى الوسط الفقهي حداً معياراً للمطرب، فقد بيّن السيد الاستاذ القائد معنى المطرب فأطر ضوابطه بقوله: انه الصوت، الذي اذا سمعه الشخص تصدر منه حركات لم تكن ليأتي بها، لو كان أَمام شخص ذي منزلة رفيعة مهابة.
اذن.. فهو أطر هنا ضوابط هذا المفهوم، فضلاً عن ذلك ان هذا الصوت مطرب او غير مطرب، بحيث يكون هذا المعيار متفقاً عليه، ويصار بإمكان الانسان ان يعرف، هل أنَّ هذا الصوت مما يطرب أو لا يطرب؟.
وحسبنا هنا تعقيباً: (على كل ما طرحته سلفاً على اختلاف هذا التشخيص بين الغناء المطرب او عدمه) على كلام مفصل يدقق ويوازن ويحاكم ويعارض لأُستاذنا الامام المجاهد رضوان الله عليه في موسوعته التحصيلية الاسلامية، حيث كتب يقول:
«الكلام في الغناء موضعين:
الاول: في مفهومه وموضوعه، وهذا هو الذي يلزم مزيد الاعتناء في تنقيحه وتشخيصه، والاقوال في ذلك كثيرة بعد اتفاقها على اتخاذ معناه، والحق عندنا هو أنه مفهوم عرفي يرجع فيه الى فهم العرف والتشكيك في صدقه أحياناً، وان كان مسلّماً إلا ان ذلك لا يكون دليلاً لإخراجه عن سائر المفاهيم العرفية، التي لا زال الشك ملازماً لأكثر أفرادها.
وبالجملة، من نظر في الأدلة وفي هذا اللفظ قطع بما ذكرناه، وقطع بعدم تصرف الشارع فيه تصرفاً موجباً لمراجعته، وإن أبيت عن ذلك فلا شك في كون القدر المتيقن من معناه هو الصوت المرجع المطرب، فدعوى صدقه على الأعم مدفوعة بالقطع بعدمها تارةً والشك فيها أخرى.
وإن شئت توضيح الحال فنقول في تعريفه: هو الصوت المطرب المرجّع فيه، وبتعبير أوضح هو الصوت الموجب لزيادة الفرح او الحزن على خلاف العادة بنحو يصدر منه المنافي العقلائي كالرقص والتصفيق ونحوهما، بل لا يعتبر وقوع المنافي المذكور، بل ما يُعَّدُ سبباً للإشراف عليه عرفاً على نحو كان ترتبه عليه أمراً نوعياً.
الثاني: في حكمه وهو التحريم، وهو الذي عليه الإمامية، فراجع كتبنا تجد الأدلة وافية به، بل ترقى بعضهم إلى دلالة العقل عليه، ولكن الحق خلافه.
فما ينسب لبعضهم من نفي تحريمه لذاته وإنما يحرم لمقارناته من اللهو والكذب ونحوهما لا وجه له، بل يراد أن منشأ تحريمه هو اشتماله عليها فهو قائل بتحريمه حينئذٍ لا نافٍ له، وكيف كان فلا ريب في شذوذه وسقوطه بين الإمامية بعد إطباقهم على تحريمه، وقيام ضرورتهم عليه، فضلاً عن قيام النصوص المعتبرة عليه، بل المتواترة. وأما استثناء بعض اقسامه عند بعضهم، فليس خلافاً في أصل تحريمه وإن توهم، وهنا أمور:
الاول: الترجيع له معنيان.
المعنى الاول: تحسين الصوت وترقيقه، وهذا حلال، وعليه يحمل ما ورد في ترجيع القرآن.
المعنى الثاني: مدّ الصوت كما في الألف آ آ آ وهذا هو المأخوذ في تعريف الغناء.
الثاني: الطرب مرةً يطلق على شدة السرور، وأخرى على شدة الحزن.
الثالث: ليس من الغناء ما يستعمله النساء من الهلهولة، بل ليس منه ما يستعمل في مقام الهوسة وتهييج الرجال للقتال، بل ليس منه ما كان لمناغات الاطفال، بل ولا ما يستعمله البناؤون وقت بنائهم، والملاحون وقت ملاحتهم»(1).
الهوامش
(1) التحصيل في اوقات التعطيل، محمد الحسني البغدادي، ط: الاولى، 1433هـ - 2012م، منشورات مكتبة الامام المجاهد السيد البغدادي العامة، 3/141، 4/418.

