رسالة الدكتور عصام الحسيني الياسري الى سماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي
رسالة الدكتور عصام الحسيني الياسري
الى سماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة آية الله السيد المجاهد احمد الحسني البغدادي دام ظله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حمداً لله كعدد حبات الرمل، وحمداً له بعدد ورقات الشجر، ونشكره ونثني عليه بعدد زخات المطر، نحمده حمداً كثيراً وكما حمد هو نفسه وكما هو حق حمده، ونشكره شكراً جزيلاً متصلاً على ما انعم علينا من جزيل نعمائه وعلى ما اسبغ علينا من الوان عطائه.
مولاي يامولاي اية فرحة غامرة تصيبني، واية سعادة هائلة تغمرني، وانا أقرأ رسالة احد اخواني الثقاة ويبشرني بخير وصولكم الكريم الى ارض سوريا المعطاء.
وليتك يامولاي الكريم.. وليتك ياحبيب الفؤاد.. وليتك ياقرة العين بقربي لترى مقدار سعادتي بهذا الخبر، وليتك ايها الليث الهمام ترى مقدار سروري الذي ليس كأثره اليوم اثر.. فلقد والله اثلجت بشرى وصولك الى سوريا قلبي، وهدأت بنجاتك يامولاي خواطري، وارتاحت بخلاصك من تلك المحن التي كنت فيها اساريري.. ولعمرك يامولاي لازلت منذ يوم خرجت من العراق في عظيم الاسى وشديد الالم وهاجز الاحزان، حتى سمعت اليوم بخبرك السار هذا.. فشكراً لله ان يحفظ لنا نفسك الكريمة.. وشكراً له ان ابقاءك لنا ذخراً.. وشكراً له تعالى ان رزقنا التواصل معك.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ سورة فاطر، 35.
سيدي ماذا اقول لك وكيف أَبدأ معك؟ وكيف تستطيع كلماتي ان تلج الى بحرك الزاخر المليء؟ ماذا اشرح لك يامولاي؟ وماذا اصف لك؟ وكيف تستطيع عبارتي المظلمة ان تظهر في عالمك المضيء؟.
وحق لنا ان نرثى كحالنا اذا اصبحنا نخاطبك بالرسائل والمكاتيب، واين منا تلك الايام والاوقات الجميلة، التي كنا فيها نحاورك ونجاذبك الحديث؟ واين نحن من تلك اللحظات المعطاءة، التي كنا نستضيء فيها بنور علمك وغزير فهمك؟ فآه، آه على تلك الايام، وآه من شدة الوجل اليها وكثير الشوق لها، وآه من هذا الدهر الذي لم يبقِ لنا إلا الذكريات، وآه من هذا الزمن الذي لم يجد علينا الا بالآهات، فالحمد لله على ما كان
وعلى ما سيكون، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.. وإن كنت يامولاي احاول جاهداً ان اُعبر لك عن ما في قلبي لما نحن فيه الآن، فانا ياسيدي في اشد حالات التأمل لمعرفة اخبارك التفصيلية وخصوصاً اخبار عائلتك الكريمة، وهل هي لاتزال في العراق، واين هم الآن؟ وهل هم معك الآن، ام ماذا بالله عليك؟.
وانا اعلم ان بالنسبة الى أخوتك السادة السيد علي والسيد حيدر انهم موجودون. في العراق، وانهم بخير وسلامة، ولكني لم اعرف عن عائلتك شيء.. فهل اثلجت صدري عن خبرهم؟ وشيء آخر استعلمك عنه يامولاي وهو عن خبر فارس أبو صيبع الجشعمي فهل هو معك ام لا؟ وما هي اخباره؟ وكيف صار وكيف اصبح؟.
مولاي سماحة السيد المجاهد
واعلم اني بأشد حالات الشوق والترقب لسماع خبرك، فاين ذهبت؟ وكيف حدث ما حدث؟ وكيف تداعت الامور في تلك اللحظات الحرجة الى تلك النتيجة؟ وكيف و كيف؟ وكيف و كيف؟ وليتني في هذه العجالة استطيع ان اسرد ما حدث بالنسبة لي، ولكني انتظر منك الأذن، وانتظر منك الافصاح بذلك لأشرح لك ما حدث لي والى ما صرت فيه، فلقد كنت دائما يامولاي مشروعاً لمقاسمة الهموم لكل الشباب من امثالي، وكنت باستمرار ترجماناً لكل مشاعرنا الرسالية، حتى لكأنك كنت عندنا تتحدث فانك تتحدث بألسنتنا جميعاً، ولن اذنت لي بوسيلة من الوسائل فاني سأبعث لك رسالة اشرح بها ما حدث معي.
مولاي سماحة السيد المجاهد
لا ننسى يا مولاي انك كنت معلمنا الاول والاخير.
علمتنا كيف ننظر للحياة بفطنة وكياسة وذكاء..
وعلمتنا ان لا ننخدع بالأسماء الرنانة، والهياكل الجميلة، والاجساد الفخمة، بقدر ما ننظر بإعجاب الى الجوهر الاصيل والمعادن الحقيقة..
وعلمتنا ان الدين الحق هو بالثورة على الواقع الفاسد وهو دين رفض الانحطاط..
وعلمتنا ان الاسلام الحقيقي هو اسلام الحرية الا مع الله هو اسلام الاصلاح والتغيير الرسالي، هو اسلام صنع المستقبل الافضل والأجمل والأكمل.
وعلمتنا ان الحب الاختياري هو لله.. وان العمل الحقيقي هو مع الله.. وليس لأي شيء آخر من حطام الدنيا.
وعلمتنا ان المحافظة على قيم الانسان ومبادئه الاساسية هي المحافظة الحقة..
وعلمتنا ان العبودية الحقة لله بإطاعة لأوامره، حتى لو كانت على حساب الحياة المرفهة، التي تطمع انفسنا دائماً اليها وان العبودية الحقة هي بمجاهدة الأرباب المزيفين كافة ممن يريدون تغيير الفطرة السليمة للبشر واستعبادهم واذلالهم.
وعلمتنا ياسيدي ان الغنى الحقيقي هو بالغنى عن ما بأيدي الظالمين والمنحرفين، وان الغنى هو غنى النفس، وان الفقر الحقيقي هو بتمني ما في ايديهم والاسراع الى موائدهم وابتغاء العطايا منهم. ولئن كنت يامولاي لم تدرسنا الفقه النظري، فقد وجهتنا نحو الفقه العملي، ولئن كنت يامولاي لم تعلمنا الإيمان المدون على الورق، فلقد علمتنا الإيمان المدون في القلوب.
واعلم يامولاي ان كلماتك لاتزال الى اليوم ترن في اسماعنا وتتوهج في عقولنا وافهامنا لأنها لما صدرت فانما صدرت من قلب نابض بالإيمان والصدق، ولقد عرفت كلماتك ايها السيد الجليل كيف تدق ابواب قلوبنا المغلفة بدين الخطايا والذنوب، ولقد استطاعت مقالتك ان تحرك فينا بعض من مشاعر الغيرة على اسلامنا الضائع، وقد تمكنتْ صرخاتك في آذاننا ان تجعلنا نصحو للمطالبة بما ضاع منا من الحق السليم، وكم كان من الصعب علينا نحن المشوشة أفكارنا ان نتمسك بخطك الذي هو كخط محمد وآل محمد، والذي هو كقبض الجمر او أشد بذلك.. وكم كان من الصعب علينا نحن «المؤلفة قلوبنا» لمسمى الإيمان ان نقتنع بأفكارك، التي هي بالنسبة الينا كالدِّين الجديد؟ وكم كان من الصعب علينا نحن اتباع الزيغ والأهواء ان نبصر الحق في لحن الهدى، الذي كنت تنشده وتدق بأوتاره القدسية الفدية وبالرغم كل الإحاطة، التي كنا نحوطك بها يامولاي فثق اننا لم نكن نتمسك حق الاتباع؟ وكيف لمثلنا ان يتشرف باتباع مثلك حق الأتباع؟.. وكيف نتبعك يامولاي ونحن نستكثر من انفسنا أن نبيت ولو ليلة واحدة في غير فرشنا الوثيرة؟.. وكيف نتبعك يامولاي ولازلنا نرتعش من خدوش الجسد، وتسيل عزائمنا مع سيلان قطرات الدماء؟! وعندما كنا نرتجف باستمرار كالشياه المغلوبة على امرها، كنت انت كالليث الكاسر ترفض الإنحاء للضلالة، وتمتنع عن وضع يدك الكريمة في يد ائمة السفالة.. وعندما كنا نخاف ان تتخطفنا الطير من كل مكان وننزوي في حفر الارض، كنت أنت تقف على قمم الجبال تصرخ في جموعهم الحاشدة أَلا لعنة الله على الظالمين، ولعنة الله على المنحرفين، ولعنة الله على المستكبرين، وعندما كنا نخاف ان ننشئ الكلمة الملتزمة، ونطرح الفكرة الصادقة، ونخشى من تبعات المواجهة الحقه.. كنت انت تعلو بصوتك، وتصرخ بقولك الذي يقظ مضاجعهم ويسلب النوم من جفونهم، واستللت ياسيدي سيفك عليهم، واعلنت يامولاي حربك ضدهم، قد يتصوروا انهم طردوك، وقد يفهموا انهم نفوك، وقد فرحوا انهم إستراحوا منك، ولكن هيهات ان تنفك عنهم، وهيهات منك ان تقارهم على ظلمهم للعباد، وهيهات للسانك ان يسكت عن افعالهم، ولم تحاربهم ياسيدي الا بدعوتك لكفاهم هزيمة لأنك دعاءك سيكون دعاء مجاهد لا دعاء متكاسل او خانع او جبان، ولو لم تحاربهم ياسيدي الا بكلماتك لكفاهم انغماسا في الرذيلة لان كلماتك وحي صادق من هدي الحرية، الذي يخشونه ويخافون منه اشد الخوف، وهكذا كنت يامولاي معلمنا الكبير.
علمتنا ان نصبر على الرزيا والانواء، وان لا ننحني للبلايا والخطوب، وان نشد على الخطب بالخطب، وان نلتمس المعابر في شائك الدرب، وان نستلحم الضربة بالضربة، وان نشعل النار تحت اقدام الاشرار، وان نصقل بالإصرار معاول الثوار، وان نلوي ازمة الصعاب، وان نترك اللهاث وراء اكاذيب المستكبرين ووعود السراب.
علمتنا ان نقول الحق وننطق بالصدق، وان نجل من اطاع الله ولو كان عبداً حبشيا، وان نحتقر من عصاه ولو كان سيداً قريشياً.
وعلمتنا ان نقول لا للاستكبار ولا للاستعباد الانسان، وان نقول لا للكذب ولا للدجل ولا للمظاهر الخادعة.
وعلمتنا ايضا ان نحتقر تقية الجبناء، وان نذر الرماد في عيون السفهاء، وان نصرخ في معاشر المتزلفين بئس ما سولت لكم انفسكم وفي العذاب انتم مشتركون، وان نقول لهم ان الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس انفسهم يظلمون.. ووقفت ياسيدي بكل شموخ الاسلام وعزته ومنعته قويا صلباً لا تميلك اللفحات الهجيل، ولا يهز هزك تتابع الأعاصير، وصمدت ياسيدي بكل الجرأَة والشجاعة، لا تخفيك رنات السلاسل والقيود، ولا تثني من عزمك قاصفت الرعود.. وهيهات ياسيدي لطغيانهم ان يثني منك العزائم.. وهيهات لتجبرهم ان يلوي منك الاعناق.. وهيهات ايها الصنديد ان يستذلوك او يلعبوا منك الكبرياء، وقد انفلت من قيود الخوف منهم لتقتحم الخطر، وانطلقت لتكسير تلك الاطواق، التي لطالما قيدوا بها رقاب البشر، وصببت عليهم كلماتك وافكارك الرسالية كوابل من زخ المطر، فلم يجدوا معك الا ان يحاولوا ان يغتالوك في ظلمة من الليل البهيم، ولم يجدوا معك سبيلا سوى ان يخرجوك من وطنك، وتناسوا انهم اخرجوا من قبلك ابراهيم وموسى والحسن والحسين، وتناسوا انهم اخرجوا من قبلك الكثير من الائمة الصالحين والدعاة المصلحين، ولم يكن ذلك ليجديهم ولم يكن ذلك لينفعهم، بل ذلك مدعاة لتسريع السقوط والانهيار فيهم، وكان ذلك مدعاة لانغماسهم في اوحال الهزيمة.
ولله درك مولاي سماحة السيد والحمد لله على الطافه، التي شاءت لمسيرتك الرسالية ان تستمر، فاذا وصلك كتابي هذا ياسيدي فاعلم اني باقٍ على العهد لا احول ولا أُغير ولا أبدل ولا اتبدل، ول أتطمئن ياسيدي اني لا يمكن ان احمل في قلبي اتجاهك شيء من المرارة نتيجة ما حدث... معاذ الله وحاشا لله لان ما جرى هو بعين الله وبنظره تعالى، وما جرى لا دخل لإنسان فيه وهو لا يعدو سوى ان يكون خدشة في الطريق نحو تحقيق الرسالة، ووعكة في الصراط، الذي كنت تقودنا فيه نحو الجنة.. فالحمد لله على ما كان وما جرى وعلى ما سيكون وما سيجري. وسيأتيك بكتابي هذا ياسيدي احد اخواننا الطيبين، وهو اهل لأن يحمل منك رسالة او كتاب اليّ، او اي خبر عنك فيشهد الله اني في اشد الشوق الى اي شيء منك، وعذرا ياسيدي ان كان في كلماتي هذه شيء من الركاكة، وعذراً ان ألم بها لون من الفهاهة، فقد والله قلبت بشرى نجاتك موازيني، ولم اعد استطيع الانتظار لتدبر كلماتي، فتقبل كتابي هذا على ما فيه، وأعذر يامولاي صاحبه لعل الله يهديه، والحمد لله اولا واخرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولدكم البار
عصام الحسيني الياسري
الاحد ٢٩ ربيع الاخر 1419هـ
لا توجد تعليقات
أضف تعليقك
قيم هذا المقال
المزيد في اطلالات
-
أحمد الحسني البغدادي حين يتعلق الأَمر بالوطن والدين لا تأخذه في الحق لومة لائم وقفة مع الكتاب المثير للجدل العمامة والعرش "المرجعية" و"السياسة".. الاستاذ عماد الخفاجي
-
منبر الثورة وفقاهة المواجهة: آية الله أحمد الحسني البغدادي صوت النجف الثائر.. الاستاذ الدكتور عبد الرزاق محمد الدليمي
-
عرض لكتاب العمامة والعرش "المرجعية" و"السياسة" لآية الله العظمى احمد الحسني البغدادي.. الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

