عرض لكتاب العمامة والعرش "المرجعية" و"السياسة" لآية الله العظمى احمد الحسني البغدادي.. الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي
"عرض لكتاب العمامة والعرش "المرجعية" و"السياسة
لآية الله العظمى احمد الحسني البغدادي
الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي
يُمثّل كتاب "العمامة والعرش: "المرجعية" و"السياسة" لآية الله العظمى أحمد الحسني البغدادي (الصادر في النجف الأشرف، الطبعة الأولى ٢٠٢٦)
بالحديث عن كتاب «العمامة والعرش: المرجعية والسياسة» لمرجع الدين آية الله العظمى السيد أحمد الحسني البغدادي (والذي صدرت طبعته الأولى حديثاً في عام 2026) فإن مضامين الكتاب تختلف جذرياً بناءً على مواقف وفكر السيد البغدادي الوطنية العروبية المعروفة...
كيفية تناول هذا الكتاب للسلطة السياسية وعلاقتها بالمرجعية والسياسة:
1. الخط الوطني المناهض للاحتلال والعملية السياسية بعد 2003
السيد أحمد الحسني البغدادي يُعرف في الساحة العراقية بأنه من المرجعيات القليلة التي اتخذت موقفاً راديكالياً (جذرياً) ضد الغزو الأمريكي عام 2003. هو يرفض بالكامل العملية السياسية التي أفرزها الاحتلال. لذلك عندما يناقش في كتابه جدلية "العمامة والعرش" (أي المرجعية والسلطة السياسية)، فهو ينقد بشدة المرجعيات أو القوى السياسية "الدينية" التي تعاونت مع الاحتلال وسارت في مشروعه بعد عام 2003.
2. النظرة للنظام العراقي " (1968 - 2003) مقارنةً بما بعده
من خلال المنظور الفكري والسياسي للسيد البغدادي:
التأكيد على عروبة العراق وإسلاميته: يرى البغدادي أن المعركة الأساسية هي ضد الاستعمار والصهيونية والمشاريع التفتيتية (الطائفية والعرقية).
المقارنة مع إفرازات الاحتلال: في أدبيات التيار الذي يمثله السيد البغدادي، يُنظر إلى فترة ما قبل 2003 (رغم أي خلافات فقهية أو سياسية داخلية مع السلطة حينها) على أنها كانت تمثل "دولة ذات سيادة ومؤسسات" وذات صبغة عروبية مواجهة للمشاريع الغربية، مقارنةً بحالة التشظي والفساد والمحاصصة الطائفية التي جاءت بعد سقوط النظام السابق.
الكتاب يركز على المنظور السلبي الذي تتبناه أحزاب السلطة الحالية وإن نقده موجه للنهج السياسي لمرجعيات وساسة "عراق ما بعد 2003" الذين يرى أنهم انخرطوا في عملية سياسية صممها المحتل.
ركز كتاب السيد أحمد الحسني البغدادي نقده الجريء على "عمائم السياسة" التي برزت بعد عام 2003 وتماهت مع الاحتلال الأمريكي. لان فكر المؤلف يُصنف تاريخياً وسياسياً في خانة المناهضة الشديدة للوضع الحالي والدفاع عن وحدة العراق وعروبته.
السبب في ذلك يعود إلى النطاق التاريخي والموضوعي للكتاب نفسه:
التركيز التاريخي: الكتاب يركز بالدرجة الأولى على فترة العهد الملكي في العراق (1921 - 1958) وتحديداً حِراك عام 1920 (ثورة العشرين) وتأسيس الدولة العراقية الحديثة، والصراع السياسي والاجتماعي بين المرجعيات الدينية في النجف والكاظمية من جهة، والبلاد الخاضعة للانتداب البريطاني ثم الحكم الملكي من جهة أخرى.
طبيعة العرض ركزنا في العرض على مناقشة جدلية "الدين والسياسة" وكيف أسهمت المرجعيات الدينية (العمامة) والنظام الملكي (العرش) في تشكيل الهوية الوطنية العراقية في النصف الأول من القرن العشرين
لذلك العرض يُعنى بالتوثيق التاريخي والتحليل الأكاديمي لنشأة الدولة العراقية المبكرة
يمثل الكتاب وثيقة فكرية وتاريخية بالغة الأهمية كونه ينطلق من رؤية نقدية "انبعاثية علمية" من داخل منظومة الحوزة الدينية نفسها.
يقع الكتاب في 279 صفحة ..وينقسم إلى مدخل وثلاثة فصول رئيسية ترسم جدلية العلاقة بين "الفقيه والسلطان" في الساحة العراقية منذ تأسيس الدولة الملكية عام 1921م.
العرض التحليلي لأبرز محاور ومضامين هذا الكتاب المهم:
1. الإطار المنهجي والمنطلق الفكري للكتاب
يُبين المؤلف في مقدمته أن الكتاب ليس تأريخاً محضاً أو دراسة اجتماعية تقليدية، بل هو محاكمة نقدية تعتمد على الشهادة الميدانية والمعايشة الوجدانية والذاكرة الشخصية للمؤلف.
تفكيك "العصمة المصنوعة": يهاجم الكتاب الخطاب التمجيدي الإطلاقي الذي أضفى نوعاً من "العصمة الثانوية" على الرموز المرجعية، مؤكداً أن البشر يخطئون ويصيبون، ولا عصمة إلا لله ولأنبيائه وأئمته في التشريع فقط.
نقد الواقع الحوزوي: يطرح الكاتب مفردات حادة ومكاشفات حول قضايا الاختراق، والتضليل، والصراع المالي المشبوه، والخضوع للسلطات السياسيّة، بهدف تنوير القارئ وكسر السرديات التقليدية السائدة.
2. البنية الهيكلية والمحاور التحليلية للفصول
المدخل: منظومة المؤسسة الدينية الشيعية الرسمية في العراق
يُسلط هذا القسم الضوء على الأزمات المزمنة داخل الحوزة، ومن أبرزها:
الأزمة المالية والاختراق: مناقشة الأموال الحوزوية وتأثيرها على القرار المستقل، مستشهداً بملفات تاريخية مثل دور شركة "أوكيـد" الإنجليزية تاريخياً في مصادر مال الحوزة.
إشكالية التبعية المنهجية: نقد القراءات العلمانية والمستشرقة للحالة الدينية، وتوضيح الخلل في تعامل بعض الباحثين (أمثال فاضل الربيعي ورشيد الخيون) مع الرسائل والوثائق التاريخية للحوزة.
الفصل الأول: مرجعية السيد الحكيم (ملابسات تاريخية ومتبنيات انتقائية)
يتناول المؤلف بالتحليل النقدي الحقبة الخاصة بمرجعية السيد محسن الحكيم، مركّزاً على:
الاصطفافات والمواقف السياسية: قراءة علاقة هذه المرجعية بالمنظومة الملكية والشاهنشاهية في إيران.
الصراع الداخلي والتعريب: يسرد الكتاب كيف طُلِب من الإمام الحسني البغدادي (الجد) التدخل لانتزاع المرجعية من "الهيمنة الفارسية" في النجف لصالح "الحوزة العربية"، وهو ما أثار حساسيات وتنافسيات حادة داخل الأوساط الحوزوية حينها.
الموقف من الفكر الآخر: دراسة كواليس تحريم الشيوعية واستغلال هذا التحريم سياسياً وقومياً.
الفصل الثاني: مرجعية السيد الخوئي (أهداف مشتركة وفوارق)
ينتقد هذا الفصل بشدة ما يسميه المؤلف "المرجعية الخضوعية أو الاستسلامية"، ويشمل التحليل:
هندسة الترشيح: كشف الأسرار والظروف التي دفعت بالسيد الخوئي إلى صدارة المشهد المرجعي.
توظيف السلطة للمرجعية: يُحلل الكاتب سياسة نظام صدام حسين في الانتقاء والتعامل مع "المرجعية الإيرانية" كأداة يسهل تحجيمها والضغط عليها وتهديدها بالتهجير، مقارنة بالمرجعيات العربية الوطنية التي كانت تشكل هاجساً للنظام نظراً لصلابتها وعروبتها.
عزلة المرجعية: نقد ظاهرة "الحجاب والوكلاء" التي تفصل المرجع عن المعاناة الحقيقية للشعب.
الفصل الثالث: مرجعية السيد البغدادي (ضحية السلطتين والحوزتين)
يُركز هذا الفصل على السيرة الجهادية والعلمية للإمام المجاهد السيد البغدادي (الجد)، مستعرضاً:
مواجهة المستعمر والسلطة: توثيق مواقفه الصلبة ضد الاحتلال البريطاني (في معارك الشعيبة والكوت ومؤتمر كربلاء) ومقاومته لمدّ نفوذ الشاه الإيراني.
الحياة التقشفية ونكران الذات: يستشهد المؤلف بشهادات لشخصيات عاصرت الإمام البغدادي (مثل شبيب المالكي ود. شعبان) تؤكد رفضه القاطع للهدايا أو المساعدات الرسمية، وعيشه حياة زاهدة بعيدة عن الجاه والمال.
الأعلمية المظلومة: استعراض وثائق وحوارات فقهية (مع الشيخ ضياء الدين العراقي والشيخ النائيني) تثبت التفوق العلمي والأعلمية الفقهية للسيد البغدادي، والتي تعرّضت للتعتيم والتغييب بفعل "ثقافة الحذف" والاصطفافات والمخصصات المالية.
3. الأبعاد التحليلية والاستنتاجات
يخلص الكتاب إلى تقديم أطروحة فقهية تأسيسية استباقية تطالب بـ:
تصحيح وعي الأمة: ضرورة كسر التعتيم السلطوي وصناعة وعي حركي يربط المرجعية بـ "اللسان والقومية" والالتصاق المباشر بقضايا المجتمع (مستشهداً بالآيات القرآنية التي توجب إرسال الرسل بلسان قومهم ليبيّنوا لهم).
استقلالية القرار الحوزوي: التحرر من التمويل الخارجي المشبوه (سواء كان مخصصات إيرانية أو عراقية) لضمان اتخاذ مواقف سياسية شجاعة تصب في مصلحة قضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها القضية الفلسطينية والوحدة الإسلامية.
تفعيل دور المرجعية الميداني: التحول نحو "مرجعية انبعاثية ثورية" تمارس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصدق، وتتصدى للطغيان والاحتلال وأدواته، بدلاً من الانكفاء خلف الجدران.
يُعد كتاب "العمامة والعرش" صرخة نقدية جريئة ومراجعة تاريخية جذرية لملف المرجعية الدينية الشيعية في العراق. إنه محاولة جادة لإعادة قراءة الماضي برؤية وثائقية مغايرة، بهدف صياغة أفق جديد لمرجعية دينية مستقبلية تلتحم بهموم الناس وتتحمل مسؤوليتها التاريخية والوطنية.

