كلمة الجمعة جدل المنحى المقاصدي بين السلبيات والايجابيات (4) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 21 ربيع الآخر 1448هـ
كلمة الجمعة
جدل المنحى المقاصدي
بين السلبيات والايجابيات
(4)
بسمه تعالى
الدين التعبدي في دائرة ملاكين
صرحَ أحد المعاصرين، وهو تصريح جدير بالذكر:
«صحيح ان الدّين تعبد، ولكن ذلك في دائرة العبادات لا في المعاملات... اما المعاملات فالأصل الاولي فيها كون ملاكاتها واضحة، وعلى هذا كانت طريقة الفقهاء القدماء يفتشون عن الملاك ويوسّعون [دائرة] الحكم، ويضيّقونها على ضوء الملاك، ولا يقفون عند النص بشكل حرفي».
ومن هنا.. نرى ان التصريح بعدم امكان ادراك الملاك بشكل مطلق هو تصريح غير موضوعي، لأنا اذا لم نقدر على إدراك تشخيص الملاك في الاحكام التوقيفية كالعبادات وغيرها، فبمقدورنا ان ندرك تشخيص الملاك في المعاملات والسياسات، وفي هذين الحقلين، أي في المعاملات والسياسات يمكن هنا تأمين حركية الفقيه وتطوره، خصوصاً اذا كانت السلطة بقيادة الفقيه، ويمكن نظم القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الاسلامي المعاصر من غير مشاكل بنيوية حقيقية.
لكن، الاشكالية في ذلك هي الاستغراق في ظاهرة التعبد التوقيفي، والتجاوب مع الفقه برؤية التعبد المحض، فقد صاغ «فتاوى» لا تنسجم مع روح الشريعة ومقاصدها الكلية في عملية الاستنباط والاجتهاد مثل: «كراهة التزويج» من بعض الاقوام كالزنوج والاكراد.
ما اود ان أُسجله في هذا السياق «ان ظاهرة التعبّد ثبتت في كل الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، كل في زمنه، فإنّه إذا ثبت أنّ هذا هو حكم الله فيجب العمل على وفقه وإن لم تعرف علّته، حيث إنّ العباد مكلّفون بأعمال على وفق الشريعة حسب ما ثبت من أدلة وجوب العمل والطاعة.
وايضاً: تثبت ظاهرة التعبد في الاستئجار، وكلّ مورد يجب فيه العمل، ففي موارد السادة والعبيد، وفي موارد المستأجر والأجير إذا ثبت وجوب العمل على وفق ما أراده السيّد، وعلى وفق ما أراده المستأجر، فيجب على العبد وعلى المستأجَر العمل ولو لم يعرف العلّة من هذا العمل الذي أُمر به.
ولا تجب هذه الظاهرة في غير ما تقدم من الموارد كالصديق بالنسبة لصديقه، فإنه إذا أمره بعمل ولم يعرف الصديق علّة هذا العمل، فلا يجب عليه العمل، بل يرى إنّ هذا العمل بلا مبرّر وغير عقلائي.
ثمّ، إنّه في هذه الصورة حتى لو عرف الصديق علّة العمل، الا أنه لا يكون ملزماً بالعمل لا يجب عليه العمل خارجاً، فالنكتة الأساسية في عدم لزوم العمل على وفق الامر حيث لا يعرف علّة هذا الامر هو عدم الإلزام في العمل، والخروج عن حد العبودية والتبعيّة، التي توجب العمل إذا ثبت الامر.
ولا بأس بالتنبيه هنا الى رعايا الدول إذا ثبت وجوب العمل على وفق ما تقنّنه الدولة لرعاياها، فيجب عليهم العمل وفق الأوامر الصادرة من الدولة، وإن لم يعرفوا علّة هذا الحكم، وهو معنى التعبّد».
«وبالرغم من كل ما سبق تبقى عند بعض العلماء والدارسين تساؤلات واستشكالات لا يجدون منها مخرجاً سوى القول أن الامر تعبدي محض، ولا مدخل فيه للعقول، مثل عدد الركعات واختلافها من صلاة لأخرى، ومثل جعل الصيام في شهر معين، ومثل كون اشواط الطواف والسعي في الحج سبعة لا أكثر ولا اقل، وكذلك الجمرات، ومثل مقادير الكفارات والزكوات، وعدد النساء المعتدات، وكذلك الأنصبة المقدرة في المواريث، والأعداد المحددة في عقوبات الجلد من اربعين وثمانين ومائة.
احمد الحسني البغدادي
النجف الاشرف
21 ربيع الآخر 1448هـ
لا توجد تعليقات
أضف تعليقك
قيم هذا المقال
المزيد في بيانات
-
كلمة الجمعة جدل المنحى المقاصدي بين السلبيات والايجابيات (3) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 14 ربيع الآخر 1448هـ
-
كلمة الجمعة جدل المنحى المقاصدي بين السلبيات والايجابيات (2) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 7 ربيع الآخر 1448هـ
-
كلمة الجمعة جدل المنحى المقاصدي بين السلبيات والايجابيات (1) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 29 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة ديمومة النزعة الذكورية صناعة الفقه أم تقاليد جاهلية؟ (3) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 8 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة ديمومة النزعة الذكورية صناعة الفقه أم تقاليد جاهلية؟ (2) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 8 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة ديمومة النزعة الذكورية صناعة الفقه أم تقاليد جاهلية؟ (1) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 8 ربيع الاول 1448هـ

