كلمة الجمعة جدل المنحى المقاصدي بين السلبيات والايجابيات (2) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 7 ربيع الآخر 1448هـ
كلمة الجمعة
جدل المنحى المقاصدي
بين السلبيات والايجابيات
(2)
بسمه تعالى
الذهن التعبدي في دائرة الاستغراق التوقيفي
هذه هي المطبة الثانية حيال انطلاقة عجلة الفقه المقاصدي أن هو التعبد على الذهنية الفقهية الى حد تصبح معه الشريعة العملية مجرد جمود فقهي على اكثر من صعيد في سبيل اعطاء التبريرات التقليدية اللا موضوعية، التي قطعت الطريق عن الوصول الى معرفة المنظومة المقاصدية، التي تشبث بها الكثير من رواد النزعة الدينية التعبدية هو عدم قدرة العقل بما هو عقل من تشخيص ملاكات الاحكام والتوصيات وعللها بصورة قطعية، لذا ورد في بعض المصادر الى فلسفة حكم او علة له، فالمقصود من ذلك حكمة ذلك الحكم وجزء علّته لا علته التامة وملاكه الكامل، هذا اولاً..
وثانياً: ان المناطات الظنية والعلل لا ثمرة فيها، بل ولا يسوغ الركون اليها، لما دلّ على ان الظن لا يغني عن الحق شيئاً، أجل، فنلجأ الى المناطات الظنية المعتبرة، التي نص الشارع عليها.
بَيْدَ أن فكرة اطروحة التعبد الشرعي صحيحة لا شائبة فيها لا من قريب ولا من بعيد، ولا تقبل الرفض فيما اذا كانت في اطار العبادات، وتشخيص مصاديقها كالصلاة والصيام والحج وغيرها.. لان العبادة من حيث المبدأ هي الحكم العبادي، وهي المبدأ التشريعي الفوقي الاعلى لا محال، وكان على العقل الانساني أن يمتثلها ويطبقها سواءٌ كان يدرك مدلول حكمتها الغيبية، او لا يدركها.
وهذا هو القدر المتيقن لما دلّ «ان دين الله لا يصاب بالعقول»، حيث يقصد بالدّين، الذي يخضع للتعبد كالعبادات مما لا مجال لأدراك ملاكاته، لا الدين الذي ينطلق من امضاء الطريقة العقلائية كالعبادات وغيرها.
ولهذا يناط وجودها بأمر الشارع المقدس، فهو مصدرها وبه قوامها.
ولهذا انعقد الرأي السائد بين فقهاء «المذاهب الاسلامية»، المختلفة على انها من الامور التوقيفية، ونعني بالتوقيفية طريق الوحي، وان الاصل فيها الشجب، حتى يثبت الاستئذان من الشارع، ومن تعبد الله تعالى في امر من الامور على أنه حكمه الفوقي الاعلى بلا استئذان منه تعالى، فقد ابدع وامضى في التيه بلا دليل، وللمولى تعالى ان يحتج عليه اذا لم يعمل بمقتضى القواعد والاصول، التي جعلها له، لأنها منجزة للتكليف بحقه.
بَيْدَ ان تعميم فكرة الاطروحة التعبدية الى كل الحقول الفقهية كالمعاملات والسياسات حصراً غير صحيح على ما أرى، ولا دليل عليها، فليس هي من اختراعات الشارع المقدس، وليس لها حقيقة شرعية، وانما هي تقاليد وعادات مجتمعية موروثة. وقد قلمّ او طعمّ البعض الآخر في نطاق المصلحة، واذا كانت معالم الخطوط المبدئية العامة في روافد العبادات هي التعبد، فان معالم الخطوط الاساسية العامة في حقول المعاملات مالم يثبت خلافها، انه لا يوجد تعبد، ولذا شريطة ان تتنازل، وفقاً للأدلة القائمة العليا من الشريعة، ووفقاً لمقاصدها، وما نعرفه من مناطاتها وملاكاتها، وفقاً لنظرية الزمان والمكان، التي ارست قواعد التغيير والتبديل في الموضوعات لتكون قضية تبدل الاحكام هي في واقع الحقيقة تبدل الموضوعات، ومن هنا صرحنا بان الاحكام تتغير تبعاً للظروف والمتغيرات المستجدة، التي تنال موضوعات هذه الاحكام.
قد تعترض ان الاحكام لا تتغير مطلقاً، وان حلال محمد حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة، لكن ثبوتية الاحكام شيء، وثبوتية الموضوعات وعدم تغير مواقع الموضوعات شيء آخر.
ولهذا نهض بعض الفقهاء الى حل هذه الاشكالية من خلال المناهج والنظريات الفقهية على أُس ادخال الحيثيات الزمانية والمكانية في استنباط الاحكام الاسلامية.
وقد اكد على هذا المنهج الفقهي أُستاذي السيد القائد المؤسس (ت 1409هـ)، (رغم كونه منهجاً تجديدياً تطورياً قائماً على نظرية الزمان والمكان كنمط جديد في الفقه الاسلامي)، انه يستمد روافده واطروحاته من منهج فقهائنا الاعاظم رضوان الله عليهم اجمعين، الذي اكد على ضرورة الاستفادة منه في ممارسة العملية الاستنباطية، وضرورة ديمومته، لأنه منهج في منتهى الاصالة، حيث كتب قائلاً:
«اما فيما يتعلق في منهجية الدراسة، والبحث التحقيقي في الحوزات الدينية، فإنني مؤمن بالفقه الاصيل، واساليبه العريقة، ومسلكية اجتهاد كتاب الجواهر الاستدلالي، ولا اجيز التخلف عنه، فالاجتهاد بهذه الكيفية صحيح، ولكن هذا لا يعني ان الفقه الاسلامي جامد غير قادر على الاستيعاب، فالزمان والمكان عنصران اساسيان مصيريّان في الاجتهاد.
فالقضية التي لها حكم معين في السابق، ربما تستلزم حكما جديداً – ظاهريا – لوقوعها في ظل المعادلات الحاكمة على سياسات نظام ما، واقتصاده ونظمه الاجتماعية، أي ان المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجعل نفس موضوع القضية الاولى، الذي ينطبق في الظاهر مع موضوع القضية الثانية موضوعاً جديداً يستلزم حكماًَ جديداً».
هذا من جهة، ومن جهة اخرى يبدو أنه لم يكن السيد الاستاذ القائد هو الاول والاخير من تبنى قضية ادخال حقلي الزمان والمكان كأطروحة مستحدثة في الفقه الاسلامي بحيث يقال انه قد اوجد شيئاً جديداً في العملية الاستنباطية.
اجل.. انفرد عن غيره من الوسط الفقهي ببناء الاسس والمباني لنظرية عنصري الازمنة والامكنة، ومواكبة المنهج الفقهي لقضايا التطور والحداثة الاسلامية، واصدار الحكم على هذا الأُس، لا سيما بعد اتساع عمل الفقيه في البحث الفقهي، وعدم جموده على الفاظ النص التشريعي، وعدم اختيار النظرة الفقهية التقليدية المتحجرة السائدة الجوفاء، التي كونتها الظروف السياسية الضاغطة في العصور الغابرة.
فالفقهاء القدامى قد تبنوا منهج عنصري الزمان والمكان في بعض الاحكام الشرعية، وهذا يظهر عن مدى التأصيل في المباحث الفقهية من قبلهم، وعدم جمودهم على حرفية النصوص الحديثية المطهرة.
فمرتكزات المنهج الفقهي للسيد الاستاذ القائد وان كانت تستبطن تطوير النظرة الفقهية للأوساط الفقهية من خلال ادخال حقلي الزمان والمكان الا انها تؤكد وتصر على المنهجية المتداولة مع بعض التطوير والتجديد.
الدين التعبدي في دائرة ملاكين
صرحَ أحد المعاصرين، وهو تصريح جدير بالذكر:
«صحيح ان الدّين تعبد، ولكن ذلك في دائرة العبادات لا في المعاملات... اما المعاملات فالأصل الاولي فيها كون ملاكاتها واضحة، وعلى هذا كانت طريقة الفقهاء القدماء يفتشون عن الملاك ويوسّعون [دائرة] الحكم، ويضيّقونها على ضوء الملاك، ولا يقفون عند النص بشكل حرفي».
ومن هنا.. نرى ان التصريح بعدم امكان ادراك الملاك بشكل مطلق هو تصريح غير موضوعي، لأنا اذا لم نقدر على إدراك تشخيص الملاك في الاحكام التوقيفية كالعبادات وغيرها، فبمقدورنا ان ندرك تشخيص الملاك في المعاملات والسياسات، وفي هذين الحقلين، أي في المعاملات والسياسات يمكن هنا تأمين حركية الفقيه وتطوره، خصوصاً اذا كانت السلطة بقيادة الفقيه، ويمكن نظم القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الاسلامي المعاصر من غير مشاكل بنيوية حقيقية.
لكن، الاشكالية في ذلك هي الاستغراق في ظاهرة التعبد التوقيفي، والتجاوب مع الفقه برؤية التعبد المحض، فقد صاغ «فتاوى» لا تنسجم مع روح الشريعة ومقاصدها الكلية في عملية الاستنباط والاجتهاد مثل: «كراهة التزويج» من بعض الاقوام كالزنوج والاكراد.
ما اود ان أُسجله في هذا السياق «ان ظاهرة التعبّد ثبتت في كل الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء والمرسلون، كل في زمنه، فإنّه إذا ثبت أنّ هذا هو حكم الله فيجب العمل على وفقه وإن لم تعرف علّته، حيث إنّ العباد مكلّفون بأعمال على وفق الشريعة حسب ما ثبت من أدلة وجوب العمل والطاعة.
وايضاً: تثبت ظاهرة التعبد في الاستئجار، وكلّ مورد يجب فيه العمل، ففي موارد السادة والعبيد، وفي موارد المستأجر والأجير إذا ثبت وجوب العمل على وفق ما أراده السيّد، وعلى وفق ما أراده المستأجر، فيجب على العبد وعلى المستأجَر العمل ولو لم يعرف العلّة من هذا العمل الذي أُمر به.
ولا تجب هذه الظاهرة في غير ما تقدم من الموارد كالصديق بالنسبة لصديقه، فإنه إذا أمره بعمل ولم يعرف الصديق علّة هذا العمل، فلا يجب عليه العمل، بل يرى إنّ هذا العمل بلا مبرّر وغير عقلائي.
ثمّ، إنّه في هذه الصورة حتى لو عرف الصديق علّة العمل، الا أنه لا يكون ملزماً بالعمل لا يجب عليه العمل خارجاً، فالنكتة الأساسية في عدم لزوم العمل على وفق الامر حيث لا يعرف علّة هذا الامر هو عدم الإلزام في العمل، والخروج عن حد العبودية والتبعيّة، التي توجب العمل إذا ثبت الامر.
ولا بأس بالتنبيه هنا الى رعايا الدول إذا ثبت وجوب العمل على وفق ما تقنّنه الدولة لرعاياها، فيجب عليهم العمل وفق الأوامر الصادرة من الدولة، وإن لم يعرفوا علّة هذا الحكم، وهو معنى التعبّد».
«وبالرغم من كل ما سبق تبقى عند بعض العلماء والدارسين تساؤلات واستشكالات لا يجدون منها مخرجاً سوى القول أن الامر تعبدي محض، ولا مدخل فيه للعقول، مثل عدد الركعات واختلافها من صلاة لأخرى، ومثل جعل الصيام في شهر معين، ومثل كون اشواط الطواف والسعي في الحج سبعة لا أكثر ولا اقل، وكذلك الجمرات، ومثل مقادير الكفارات والزكوات، وعدد النساء المعتدات، وكذلك الأنصبة المقدرة في المواريث، والأعداد المحددة في عقوبات الجلد من اربعين وثمانين ومائة.
احمد الحسني البغدادي
النجف الاشرف
7 ربيع الآخر 1448هـ
لا توجد تعليقات
أضف تعليقك
قيم هذا المقال
المزيد في بيانات
-
كلمة الجمعة جدل المنحى المقاصدي بين السلبيات والايجابيات (1) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 29 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة ديمومة النزعة الذكورية صناعة الفقه أم تقاليد جاهلية؟ (3) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 8 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة ديمومة النزعة الذكورية صناعة الفقه أم تقاليد جاهلية؟ (2) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 8 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة ديمومة النزعة الذكورية صناعة الفقه أم تقاليد جاهلية؟ (1) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 8 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 1 ربيع الاول 1448هـ
-
كلمة الجمعة لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 24 صفر 1448هـ

