الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: مشروع إصلاح الأُمة أزمة فهم.. أم أزمة تغيير (4)
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب:
مشروع إصلاح الأُمة
أزمة فهم.. أم أزمة تغيير
(4)
الدين الإسلامي باعتبار جوهره هو في الحقيقة إصلاح وتصحيح لما اعترى الأديان السماوية من تحريف وتعطيل أفضى إلى أنواع من الفساد كالظلم العقدي - الذي تمثل في إلزام الناس التوسط برجال الدين في عباداتهم وإشعارهم بالخطيئة الأزلية التي ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، والظلم الاجتماعي والسياسي، فالإسلام هو في حقيقته حركة - إن صح التعبير - إصلاحية وتصحيحية تفوق حركة لوثر وكالفن بمراحل.
الإسلام يصحّح نفسه وتاريخه وأمته وأتباعه بنفسه، وهو يفوق في قدرته الإصلاحية والتصحيحية التجارب التاريخية «لوثر وكالفن» بل ويستغني عنها، فهو لا يحتاج لها. إن هذا الخطاب تحت حكم معادلة الإصلاح وفعل عودها الأبدي لا يمكنه أن يقارب الإصلاح كتجربة تحدث في التاريخ المعاش، وأن ينظر إلى الدين نفسه «الإسلام» تجربة في التاريخ معاشةً، وهي بقدر ما تُصلِح تحتاج إلى من يُصلحها، وهي تحتاج إلى شيء خارجها، كي يقرأها ويُصلح تجربتها. لا يمكن لهذا الخطاب أن يقبل بهذا الخارج، فالإصلاح عملية داخلية، والداخل والخارج يتحددان بحسب طبيعة الصلة بأول الأمة، فاتصال التماهي هو الداخل، وغيره من اتصالات منفصلةً أو متمايزةً أو متصلةً من وجه ومنفصلة من وجه، هو الخارج.
وهذا الداخل هو ما يمثله علماء الأمة ومفكروها إن الدّين نسبت إليه أمور هي في الحقيقة ليست منه في شيء على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، لذا كانت الدعوة من علماء هذه الأمة ومفكريها إلى الإصلاح الديني أو تجديد الخطاب الديني، ويقصد بذلك أمران: الإصلاح في الدين، والإصلاح بالدين.
إن هذه الدعوة من علماء الأمة ومفكريها، لا تحدد فقط من هم المصلحون الذين يمكنهم أن يملكوا شرعية الإصلاح، بل تكشف بشكل ضمني، شرط الإصلاح الذي هو عبارة عن إقامة صلة تماه بالأصل، يقيمها المصلح بتعديل ما اعوج وتصحيح ما بُلي، هكذا بهذا الشرط نضمن العمل وفق معادلة الإصلاح وفعلها»(1).
أيها السادة، أعود إلى ما بدأت به، أي على كلّ ما تقدم، حريٌ بنا أن تستأنف أطروحتنا الفكرية نماذج التشخيص والتقييم منارات العمل والتدبير، مثالات الإصلاح والتغيير.. فلا فائدة مثمرة أن تنفع بعقلية الآراء الماضوية والأبنية الذهنية الخرافية أو القوالب المعرفية المتحجرة أو الثنائيات العقلية الماكرة الخادعة أو بعقلية الأدلة المعاصرة، وربما نحتاج الى مسار جديد من الفكر الحضاري الحداثوي المقاصدي، والفعل التواصلي المنتج والمتألق بل التعامل مع الواقع العملي وصولاً إلى مشروع التغيير لا مشروع الفهم كما أكد على ذلك كارل ماركس وقبله مالك بن أنس، لأنَّ المشاريع الاصلاحية والأيديولوجيات الثورية التي عاشتها الأُمة بالتجربة والمعايشة الميدانية مشاريع تقود الإنسان وتغيّر العالَم لكونها باتت تغيَّر تحولات وتيارات ومكونات مهما كان موقعها الإستراتيجي والتاريخي سواء أكان حاكماً لشعبٍ أو قائداً لأُمةٍ أو رئيساً لحزب أو أميراً لقبيلةٍ....؛ كل ذلك يطرح على بساط البحث تساؤلاً مثيراً: لماذا كان الانبياء على مر التاريخ أفقياً وعمودياً، كما أكد على ذلك محمد باقر الصدر أصلب الثوار على الساحة التاريخية؟ لماذا كانوا على الساحة التاريخية فوق كلّ مساومة، فوق كلّ مهادنة، فوق كلّ تملمّل يمنةً أو يسرة؟ لماذا كانوا هكذا؟ لماذا إنهار كثير من الطواغيت السياسيين والاقتصاديين والنظريين والاقتصادين.. ولم نسمع أَنَّ نبياً من أنبياء التوحيد إنهار أَو تملمّل أو إنحرف يمنةً أو يسرةً عن الرسالة التي بيده، وعن الكتاب الذي يحمله من السماء؟ لأنَّ المثل الأعلى المنفصل عنه الذي هو فوقه اعطاه نفحةً موضوعيةً من الشعور بالمسؤولية التغييرية الثورية، وهذا الشعور بالمسؤولية تجسد في كلّ كيانه، في كلّ مشاعره وأفكاره وعواطفه.
واخيراً.. نختم هذه الأضاءات والتأملات في تفسير بنية فهم معرفة الثقافة الدينية في النص القرآني والنبوي بهذا الدعاء المبارك:
«اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم والعن اعداء الحق والعدل والحرية والكلمة الملتزمة.
اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأقربائنا وأصدقائنا وجيراننا، ولمن له الحق علينا، ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان الذين أنالوا في الأدوار الخطيرة للأمة العزة والمنعة والامان.
اللهم ارفع درجات علمائنا القرآنيين، وفقهائنا المجاهدين، واساتذتنا الرساليين، ووعاظنا العاملين.
اللهم زد في درجات شهدائنا، الذين رفعوا بدمائهم المتوهجة اعلاء كلمة التوحيد والرسالة في «بدر» وفي «عاشوراء»، ونتمنى ان نكون على سيرتهم الاستشهادية عن قريب ان شاء الله تعالى، لأنا مؤمنون، ولأنا موقنون برحمتك يا أرحم الراحمين، فانك افضل من دعي، وأحسن من أجاب.
اللهم انا نرغب اليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة آمين يارب العالمين».
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الهوامش
(1) علي أحمد الديري، خارج الطائفة، ط: الأولى، شباط ٢٠١١م، مدارك، ص: 308 وما بعدها.

