الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: مشروع إصلاح الأُمة أزمة فهم.. أم أزمة تغيير (3)
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب:
مشروع إصلاح الأُمة
أزمة فهم.. أم أزمة تغيير
(3)
نحن لن نجد بالمعايشة الميدانية واللمسة الوجدانية مَن يصلح أول الأُمة، فهذا الأمر بقي مقدساً وغدت مشاريع الإصلاح النهضوي مشاريع لآخر الأُمة، في حين يحتاج إصلاح أول الأُمة مشروع فهم ودراية. وهذا بخلاف أصلاح آخر الأُمة، فهو مشروع تغيير السلطة الخشية أو الناعمة، وتغيير السلطتين يحتاج الى قوة المقدّس، والأخير يقوى كلّما توارى وغاب الفهم وتوارت وغابت الدراية، اي كلما توارى وغاب العمل على أول الأُمة. ومن هنا، لابد حتماً أن تعرف أنَّ الإصلاح السياسوي قصف مبادرات الاصلاح الدينية ومنجزاتها، وعرقل تجربتها الجينية التي انطلقت في زمن النهضة التغييرية على أيدي جمال الدّين الأفغاني وطلابه الذي يُعّدُ من أبرز هذا الإتجاه النهضوي، بَيَّدَ أنها أي محاولات الإصلاح الديني أُحبطت أو أفرغ رافدها الإصلاحي أو أصبح الإصلاح غائماً فوق صفائح متجذرة وصلبة من البنى الدينية التقليدية القائمة على تراث مُقدس بما هو حُزمة سلبيات ناستولوجية Nostgia «ماضوية»، والذي يمكن أن يتحوّل حديثاً من قبل التنظير اليساري الذي لم تُشخص أفكاره ممارسة التمثلات الدينية، ولم يتسع مشروعه للفهم والدراية بقدر إتساعه وتوسعة مساحته لممارسة التغيير. وكذا من قبل التنظير القومي بتقديسه للعقلية العربية العصبوية الأَنوية بكل تناقضاتها الصارخة وإحالته للتاريخ كأسطورة مجدٍ تليد، والتغني بالأمجاد البطولية الزائفة، والإفتخار بمنجزات لم تشارك في صنعها بل ولا حتى تشخيص منجزات، ولا يمكن بحال تفنيدها بالمرة. وكذا من قبل التيار الإسلاموي والإسلامي بنزعته القديمة غير الحديثة، وتقديسه للنص الديني الذي يُهيمن على المفاهيم الإسلامية في ثقافتنا الدينية بسبب اختلاف الرؤى والمتبنيات في واقعنا المعرفي من رافد، وبسبب تعدد التأويلات الاجتهادية في التراث من رافد آخر بل ومروراً بالمُنظرّين الثوريين والمثقفين العالَميين. فالعالم قد تغيّر على نحو مذهل ، بَيَّدَ أنهُ ليس كما أراد له الدعاة الإسلاميين وهواة النهضة الإصلاحية بل الذي حصل هو أنَّ العالَم قد تغيّر بعكس ما طمح له رواد الأفكار الكبرى. هنا نرى ابتكر الأصل عبر هذه الواجهات إبتكارات مستفيضة من خلال القديم والحديث، والثابت والمتحول، والأصيل والدخيل، والمستقيم والمنحرف، وأول الأُمة وآخر الأُمة. وبهذه الواجهات بقي عنصر الإصلاح تحت مظلة الارتهان لممارسة العّودة الأبدية، وتحت هذه المظلة تجسدت ممارسة الأصل، وبقيت الحاجة الملحة أليه أكثر بكثير من الحاجة الملحة إلى الإصلاح ذاته.
من هنا، نكتشف أنَّ المشروع السياسوي مشروع ذرائعي برغماتي، وهو لا يبادر مطلقاً الى عناصر العملية التغييرية المنشودة وتحرير الفكر من أُطر العقل المدرسي وقوالبه الخانقة أو ابتكار صيغة للعلاقة بالوجود سوى سلطة القوة الخشنة أو الناعمة، لكي يحقق هذا الأمر بسياسةٍ برغماتيةٍ أشمل فأنها تظنُ أنها هي البديل الشرعي الوحيد، وعلى أنها حافظة أصول أوائل الأُمة، إلا أنَّ هول المشكلة العويصة تكمن في أنَّ أُطروحة هذا المشروع قدم مفهوماً للإصلاح وفق منطقه النفعي الذرائعي، ووفق آلياته اللامعقولة والبنى الباطنية أو الممارسات المعتمة والعائمة التي أفسدت كل شيءٍ في حياتنا العربية والإسلامية، إذن فالإصلاح هو ما يُمكّن عنفوان القوة السياسية من أن تهيمن على تسيير زمام السلطة، ولاشيء يمكنها للوصول أكثر من أن تغدو الناطق الرسمي باسم المحافظة على الأصل وصيانته مما ألحقه به الآخرون من الوقوع في مستنقع الخطوط المنحنية والتي لا تنتهي من الخصوم التاريخيين الألداء الذين يتم تجنيدهم بلا إنقطاع لكي تستمر فصول المؤامرة التي تحمل مِن وزْرَ ما تعانيه الأُمة اليوم من أعراض التزّمت والتعصب أو التفكك والضياع أو من مظاهر التوحش الدموي والتأخر المجتمعي. ولا نحن ننكر أنه في ظل قوى الثورة المضادة يمكن أن تظهر قامات تدعو الى التغيير والتحديث، ولكن لا يمكن في ظل هذه القوى المضادة أن تقوم نهضة إصلاحية، أجل طالما عطلت الكم الهائل من منطلقات الإصلاح النهضوي، وهل يمكن من الضرورة بمكان أن نبدأ بالإصلاح السياسي قبل الحديث عن أي مفردة إصلاحية أُخرى؟!..
هكذا يكون الإصلاح مشاريع عراك فيما بينها لا مشاريع فهم ودراية وإدراك متعدد المنطلقات على الصعد كافة.
وهكذا يحدد مفهوم معنى الإصلاح وفق مشاريع القوى المضادة التي تعمل بها.
بعد هذا العرض الشمولي والمعمق أرجو من القارئ الكريم أن لا يتملّمل حين نستل موضوعاً مطولاً نسبياً وهو «خطاب الإصلاح الديني مدخل قسري للحضارة لمنصور الهجلة»، والمنشور في جريدة الرياض، أَنموذجاً للكيفية التي تلعب فيها معادلة الإصلاح وفعل عودها الأبدي في خطاباتنا عن الإصلاح بعد أحداث 11 سبتمبر.
خطاب «الهجلة» بالمواصفات الإعلامية والسياسية خطاب «معتدل» «وسطي» «علمي» «نموذجي» بعيد عن التطرف الذي تدينه السلطات السياسية بعد أحداث 11 سبتمبر. فهذا الخطاب يحيل إلى الأنثروبولوجيا، ويستشهد بمؤرخي الحضارات، ويبدو أنه على اطلاع جيد بتاريخ الإصلاح الديني المسيحي، كما أنه يؤكد أهمية الإصلاح، وينتقد السلفية التقليدية التي لا تفصل بين التاريخ والنص المقدس، اقتداء بمقولة الإمام مالك «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».
لقد وضعتُ مواصفات «معتدل» «وسطي» «علمي» «نموذجي» بين أقواس، لأشير إلى التباسها ونسبيتها واشتباهها لدرجة تجعلني أشك فيها أكثر مما أتيقن ، فهي لا تحيل إلى المعنى نفسه في كل خطاب، وهي لا تحيل إلى مواصفات معيارية حين نستخدمها لوصف خطابات مختلفة لذلك فمؤشرات الاعتدال والوسطية والعلمية والنموذجية التي تبدو في أي خطاب، هي أقرب إلى المراوغة والمواربة، منها إلى الدلالة القاطعة على طبيعة الخطاب الذي تظهر فيه. فكيف تبدو المؤشرات الإصلاحية في خطاب الهجلة؟..
مشكلة هذا الخطاب أنه يستخدم الإصلاح بالتباسات تفقده القدرة على أن يكتسب طاقة مغايرة، يمكنها أن تُحرّك الأوضاع المستقرة حول هذا المفهوم أو حول آثاره، مفهوم الإصلاح في هذا الخطاب لا يغير من صفرية الحوار في مستواه المعرفي لا الإعلامي، حول الإصلاح، الإصلاح في هذا الخطاب لا يغادر مكانه من الاستعمال العادي إلى الاستعمال الجدلي المناسب لما يشهده العالم اليوم من أحداث، أي أنه لا يغادر درجة الصفر من الجدل، التي كان مستقراً فيها، فالإصلاح غير مرتبط في هذا الخطاب، على الرغم من أن الإصلاح صار في الحقل الثقافي والإعلامي والسياسي موضوعاً جدلياً، الإصلاح يستخدم في هذا الخطاب للمحافظة على السكون، وعدم الإزعاج لأية حركة تهدد مصالح القوى الرمزية والمادية التي يستمد منها هذا الخطاب مفهومه للإصلاح.
بعد أحداث 11 سبتمبر، لم يُعَّدُ الإصلاح في درجة الصفر من الجدل، بل صار موضوعاً تتوزعه قوى متعدّدة ومتغايرة، وتقاربه حقول مختلفة، لم يُعَّدُ شأناً خاصاً بأصحاب المشاريع السياسية، ولا بأصحاب الأفكار الأيديولوجية، ولا يحتكره أهل الاختصاصات المعرفية، أو أهل الاختصاصات الدينية.
خطاب الهجلة في هذا السياق ليس هو في درجة الصفر من الجدل، فهو يبني خطابه ويسوق حججه ويقيم تأويلاته ضمنياً، ضمن درجات جدل هذه الخطابات المختلفة حول الإصلاح، إلا أن مقاربته لموضوع الإصلاح نفسه، لم تتحرك درجة عن المقاربات التبريرية أو التمجيدية الدينية قبل أن يصبح الإصلاح موضوع الساعة، بمعنى أنه لم يقارب هذا الموضوع بإشكالية جديدة أو فرضية جديدة أو تساؤل جديد أو نموذج تفسيري جديد أو زاوية جديدة، أو مفهوم جديد. خطاب الهجلة محكوم بمعادلة الإصلاح الأبدية، وهذه المعادلة تجعل من الإصلاح عملية داخلية، لا تحتاج أبداً إلى الخارج، ولا يؤثر فيها الخارج، بل هو عملية دينية يقوم بها الدين نفسه والقائمون عليه. للبحث صلة.

