الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: تطبيقات في اطار الفقه العام (2)
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب:
تطبيقات في اطار الفقه العام
(2)
ثالثاً: تغيير شيب الصحابة
أصدر رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمراً بتغيير شيب أصحابه المقاتلين، ونفهم من ذلك انه لم يكن أمراً نهائياً، وحكماً تشريعياً، كما يتصور البعض من فقهائنا، وانما أتخذ صلى الله عليه وآله وسلم هذا القرار لإدخال الرهبة والهيبة في صفوف الجيش المشرك المحارب، حيث كان بين صفوف المسلمين مقاتلون كهول وشيوخ قد أبيضت لحاهم شيباً، وحينما يراهم العدو اللدود بهذه الكيفية تقوى عزيمته واصراره بديمومة كسب المعركة الفاصلة، ولهذا امر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه من المهاجرين والانصار بــ «الخضاب» كإجراء تنظيمي محدد.
رابعاً: اسدال حنك العمامة
صدرت احاديث تأمر بــ«التحنك» توجب اسدال حنك العمامة، لا في اداء فريضة الصلاة اليومية فقط.
مثل ما رواه الشيخ الصدوق (ت 381هـ) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه، قال:
«الفرق بين المسلمين والمشركين التلحّي بالعمائم»(1).
والتلحّي هو ادارة العمامة تحت الحنك والاقتعاظ شدّها من غير ادارة، وسنة التلحي متروكة في هذه الازمنة المعاصرة، مثل قصر الثياب في عصر التشريع غدت من لباس الشهرة المشجوب اسلامياً.
فالتلحّي كان من السنن المأثورة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ارادها شعاراً لامته المرحومة في حيال لباس المشركين، وكانت من الامور المتعارف عليها، والمعروفة بين الامة مثلها مثل لباس الثياب القصيرة، التي ورد استحبابها في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والائمة الهداة.
بيد ان الصدوق علق على الرواية في شرحها لها بما يوحي ان مع مرور الزمن استدعي التبديل والتغيير في هذه السنة، حيث ذهب قائلاً:
«ذلك في اول الاسلام وابتدائه، وقد نقل عنه صلى الله عليه وآله انه امر بالتلحي، ونهى عن الاقتعاظ»(2).
وقد تمسك البعض في الوسط الفقهي المحافظ بــ«الجمود»، على ما صدر من روايات، في حين خالف هذا المبنى الفيض الكاشاني (ت 1091هـ)، (على الرغم من كونه فقيهاً محافظاً ذي نزعة اخبارية لم يشأ مخالفة الشهرة والاحتياط) غير ان الوسط الفقهي زعم بان الحكم يسري على نحو القضية الحقيقية، وليس على نحو القضية الخارجية، بيد اني ارى ان الوسط الفقهي قد غفل أن هذا الامر صدر لبيان الوضع الخارجي، بمعنى انه لمعارضة المشركين في حينها، الذين كانوا يتحنكون ويربطون حنك العمامة الى الاعلى، بل يشدون العمامة على رؤوسهم من غير ادارة، وهو ما يسمى بــ «الاقتعاظ».
إذن.. من هنا نكتشف ان اصدار الامر بــ«التحنك» يبدو أنه من قبيل المعارضة للجماعات المشركة، حتى لا يتمسك الانسان المسلم المكلف بشعار لا اسلامي، وبالتالي يغدو من لباس الشهرة المحرم.
الهوامش
(1) من لا يحضره الفقيه، محمد بن علي بن بابويه، تحقيق: علي اكبر الغفاري، ط: 1، 1404هـ، منشورات جماعة المدرسين، قم - ايران، 1/260، 821، 10/745.
(2) المصدر السابق، 1/206.

