الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: مشروع إصلاح الأُمة أزمة فهم.. أم أزمة تغيير (2)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: مشروع إصلاح الأُمة أزمة فهم.. أم أزمة تغيير (2)

الفقيه المرجع 

احمد الحسني البغدادي

يكتب:

مشروع إصلاح الأُمة

أزمة فهم.. أم أزمة تغيير

(2)

 

وثانياً: أنَّ الداعي الى الله تعالى إذا لم يكن لديه قوة تدعم الحق الإسلامي وتنفذه من خلال الجند والسلاح والمال والجاه فسرعان ما تتورى رسالته الدعوية عن عالم الوجود. وربما ما يؤكد تواجد هذه المعادلة في عمق خطابنا الإسلامي النهضوي ومفهومنا للإصلاح هو أنَّه يتحكم حتى في إفرازات مفهومنا للتطوير، فالتطوير بمثابة الخطاب الإصلاحي لا يتجاوز موضوعاً من الموضوعات، ولا يخرج عليها، ولا يبتدع شيئاً من الأشياء، فهو إستئناف حالة أصابها التسيب والضياع والابتلاء.

وهنا عندي مقارنة بين الفكر والتنظير الأُوروبي - الغربي القائم على أُس تجاوز القضايا الماضوية، وغيبوبة المعايير الثابتة للتطوير على جبهة الدّين أو على جبهة الفلسفة أنها فضائح الغائب بأوصاف الشاهد وفضائح الخطاب الفلسفي الذي لا يمكنه الحديث عن حقيقة القضايا والأشياء إلا بعد إحباط وجوده من الحسبان! لأنَّ منطلقات مفاهيم التطوير والتجديد في التصور الإسلامي والفكر الاسلامي تعني العودة من جديد الى الأصول واحيائها في حياة المسلمين بما يمكن ما إندرس وتُقّوم ما إنحرف منها. ومواجهة الحوادث والوقائع المتطورة من خلال فهمنا وإستئناف قراءتنا للأوامر والنواهي الآلهية الدؤوبة بلا انقطاع الى يوم يبعثون. 

وهذا ما يجعل من التطوير والإصلاح، وعملية الإصلاح منطلق مفاهيم لا تتجاوز أن تكون معالجة لحالة تعود من جديد الى حالتها الأولى والى منبعها الأصيل ذلك كله في سبيل حل إشكالياتنا الراهنة والمعاصرة وينبغي الإنكفاف عن حديث مبادرات الإصلاح بالتطرق العرضي والهامشي لأهمية إصلاح وتجديد فكر الأُمة المسلمة كرجوع أبدي من حالة الإبتلاء والامتحان أو حالة الانفراج والانفتاح، ومن هنا أنا أرى أنَّ إصلاح الأُمة مُقدم على إصلاح الدّين لن يتعكر لو لم يدخل فقهاء السلطان به من خلال التلاعب في خطاباته الدينية وبتأويلات قديمة وتفسيرات ميتة، فالخطاب الديني لايتغيَّر من حالته الراهنة كتأويل إذا لم تكن هناك نيةٌ صادقةٌ ومعبرةٌ في تأويلهِ بطريقةٍ مُحدثة تتجاوز عملية الإستنباط التراثي التقليدي، ومن ثمَّ بانت الضرورة الملحة ما يجعل ممارسة العودة التي تنجزه معادلة عملية الإصلاح والتغيير أو التجديد والتطوير لا عودةً أبديةً عقيمة، هي أنها ممارسة لا تقيم صلة مغايرة مع أصل الموضوع، ولا يبادر لتحويل الأصل بل تقيم هذه الممارسة وصل تماهٍ مع الأصل، ليضمن ديمومة بقاءه ووجوده فيه، وبذلك يتحول الأصل إلى مرجعية سلطة لا إنفكاك منها، وتكتمل ركائز هذه السلطة حين تتبلور ممارسة العودة الأبدية، أي الأصل، ليست هي مجرد إحياء لماضٍ لن يعود الا جموداً وانغلاقاً أو تزّمتاً وتعصباً أو تطرفاً وإرهاباً، فلذا المطلوب بخلع مواصفات أبدية راسخة عليه وقائمة على صوغ تركيبة مفهومية جديدة للعلاقة الجدلية بين الروح والمادة وبين الذات والعالَم وبين النظرية والتطبيق وبين الحس والهوية وبين الحتمية والحرية وبين الحضور والغياب وبين الماضي والحاضر وبين الزمن والممارسة وبين الانتاج والتحديث. 

إن ممارسة القراءة تبقى مرهونة لما تنجزه ممارسة العوّدة، لهذا نجد القراءة ليست ممارسة فهم ومعرفة ودراية، بقدر ما هي اصلاح وتطوير وتجديد مؤطر بسلطة العودة الى الأصل والناطق الرسمي باسم الأصل والتطابق وفق سلطة الأصل. اقرأ باسم الأصل فمن الطبيعي أنَّ الأصل أُس القراءة هي كشف بلاء إجتاح الأصل، لا كشف بلا أصل، لكي يسترد إستثماره، لا تصحيح بلا الأصل ذاته والعودة بصحة الأصل من أجل يسترد صحته وعافيته، لا تصحيح الأصل ذاته.

من هنا، يمارس الأصل مخاتلته وعماه على فعل العّودة الأبدية التي ينهض بها الخطاب  الاصلاحي النهضوي حين يتخذ الأصل صيغاً وسياقات عامة لأول الأُمة القرآن العظيم.. الشريعة الخاتمة.. السلف الصالح.. صدر الاسلام. 

ومن هنا، تتحقق غيبوبة سيناريو التمثيل التاريخي الذي حمل هذه القضايا وجسّدها على أرض الواقع، وحين توجد هذه القضايا في نماذج قامات شاخصة أو مراحل متعددة، فأنها تستحيل نماذج عامة مجردة من خلفياتها الدنيوية، وذلك بسبب قوة حضور التمسك بالتقديس، ولهذا يستحيل عليها ومضافها الملازم لها «الاصلاح النهضوي»، بتخيلات وتعميمات لا تنظير عقلاني وعقلائي وفكري لها التى بُنيتْ عليها التشكيلات الدينية والمؤسسات الكهنوتية الرسمية والتي لا تنتج سوى أصولية أخطر من الأصوليات القائمة، أي الإقصاء والانغلاق والتطرف والعنف الدموي في زمن الفتنة الكبرى حالياً حتى كأننا حين نصرح إصلاح الأُمة لا نعتمد على شيءٍ من هذه الاشياء والقضايا!..

ومن هنا، تنكشف لنا أنَّ معادلة عملية الإصلاح النهضوي التي أكد عليها مالك بن أنس «اتصال أول الأمة بآخر الأمة اتصال تماه، وقد حال هذا التماهي دون تحول أول الأمة تاريخاً، يمتد مسافة عن آخر الأمة، أي لم يتحول أول الأمة موضوعاً تاريخياً لآخر الأمة، تراه وفق تحولاتها التاريخية والمعرفية، بل آخر الأمة ظل موضوعاً لأول الأمة، ولأن الأول غائب ولا يمكن إلا أن نتخيله، لذلك ظلت الأمة موضوعاً متخيلاً تنتجه أول الأمة، لقد ظل آخر الأمة موضوعاً محموله لا يتغير، وهل يتغير أول الأمة؟!..

لذلك لم يتحول الإصلاح في تجربتنا تحديثاً، فهو محكوم بمعادلة لا تتغير ولا تتحدث تحديثاً يتيح لعقول آخر الأمة أن تحمل على أول الأمة (باعتبارها موضوعاً) ما يحدث في زمن آخر الأمة، بل حدث العكس، تم تركيب صورة مثالية ثابتة لأول الأمة وصارت الصورة حملاً ثقيلاً على آخر الأمة. حين يحين وضع هذا الحمل تبدأ لحظة الإصلاح (بمعنى التحديث) ما يحدث في كل عملية إصلاح في تجربتنا، هو العودة إلى هذا الحمل، وكأنه الأمانة التي حملها الله الإنسان في الأرض.

الإصلاح يتحول تحديثاً حين يكفّ أول الأمة عن أن يكون محمولاً لآخر الأمة، حين يكفّ أول الأمة عن أن يكون قيمة حاكمة على آخر الأمة، حين يكفّ عن أن يكون أفضل القرون. الإصلاح يتحول تحديثاً حين يحمل آخر الأمة على أول الأمة، كي ينتج فهمه الحديث لأولها، وذلك بأن يكون أول الأمة موضوع إصلاح، فلن يصلح آخر الأمة إلا بإصلاح أول الأمة، وهذا يعني أن نقلب مقولة الإمام مالك، طالما هو غير معصوم كما يقول الشيخ منصور الهجلة - إمام وخطيب جامع أبو بكر الصديق بالرياض - ونجعلها على النحو التالي: لن يصلح أول هذه الأمة إلا بما صلح به آخرها.

وهذا القلب يقتضي، أن يكفّ الإصلاح عن أن ينظر إلى أول الأمة بوصفه مشروع استعادة، وينظر إليه بوصفه مشروع فهم. وهذا يؤدي إلى قلب قضية الإصلاح، فالقضية لم تعد قضية أول الأمة، بل قضية آخر الأمة.

ندخل مرحلة التحديث، حين تكف معادلة الإصلاح الأبدية عن العمل في خطابات آخر الأمة، فأول الأمة ليس مقياساً تعدل وفق استقامته الأشياء، لأنه ليس مقياساً لكل الأشياء، فالإنسان بتحولاته وتجاربه، هو مقياس ما يحضر من الأشياء ويحدث (آخر الأمة)، وما يغيب ويمضي (أول الأمة)»(1). هذا اولاً. 

وثانياً: إنَّ الاصلاح السياسوي لا يقدر أن يبادر بإنجاز الإصلاح الديني مهما تطورت مفاهيم التعددية الشورية وإدارة الحياة العامة. او ما يسمى بــ«الديمقراطية الليبرالية»، إلى أبعد الحدود. فالاصلاح الديني من خلال عملية الاستقراء وحساب الاحتمال يُنقب في مسافات شاسعة ليست في أزمنة قصيرة في الوقت الذي نجد أنَّ السياسوي مفروض عليه بأزمنة ليست بطويلة ومسافات قريبة.

إِنَّ الاصلاح السياسوي يعمل على آخر الأُمة ويستثمر أول الأُمة. إذن؛ الاصلاح السياسوي مشروع تغيير وتطوير ولم يكن مطلقاً مشروع فهم و دراية. 

من هنا، مشاريع التغيير من حيث المبدأ تُحيط بسلطة السياسة الخشنة حصرياً، بَيَّدَ أنها لا تُحبط بسلطات الفهم والدراية، بل أنها تستغلها بذريعة لتحقيق ما تتبناه من مشاريع التغيير والتطوير.

 إذن، لابد حتماً أن تعرف لقد حكم الاصلاح السياسوي تجربتنا الميدانية، ولن تحقق مشروع إصلاح ديني، باعتبار أنَّ الاصلاح بقي يعمل بأول الأُمة، ويعمل في هذا الرافد الأول بَيَّدَ أنه لا يعمل عليه إطلاقا. 

 

الهوامش

(1) علي أحمد الديري، خارج الطائفة، ط: الأولى، شباط ٢٠١١م، مدارك، ص: 304 وما بعدها

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0