كلمة الجمعة لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 19 ذو الحجة 1447هـ
كلمة الجمعة
التحايل على الشريعة
بسمه تعالى
ان دخول مفهوم الحيل الى منظومتنا الفقهية من قبل الفقيه، والعمل بها لم يقف عند هذا الحد بل تعداه الى موضوعات اخرى في منتهى الخطورة لا تنطبق على أُس القواعد الاسلامية، فقد يصل الامر الى التحايل على روح المقاصد الشرعية ذاتها، وعلى هذا العرض نطرح مثالا في مسألة انحصار الربا المعاوضي والقرضي في بيع المثلي من المكيل والموزون بجنسه نفسه كالفضة بالفضة، والحنطة بالحنطة، وغيرهما.. يعد قرض الثمن والمثمن في الزيادة العينية من الربا المحرم بالنص والاجماع.
اذن.. كل ما صدق عليه عنوان الربا فهو حرام على نهج القضايا الحقيقية وليس على نهج القضايا الخارجية.
أجل.. وللخلاص من هذا القرض المحرم حاول البعض من الوسط الفقهي اضافة بضاعة مغايرة لا قيمة لها الى مبلغ من المال يقدمها للدائن ويتقاضى منه مبلغاً اكثر من قبيل: ان يضيف الى خمسة ألاف دينار عراقي علبة سكاير يقدمها للدائن ويستوفيها بمبلغ يقدر بعشرة ألاف دينار بعد عام او عامين، وبهذه العملية الشكلانية الصورية لا ينطبق تعريف الربا اساساً على هذه المعاملة بلحاظ العنوان، الذي قد يختلف بين مورد وآخر مع وحدة المعنى.
ولكن، يرد على هذا الاستدلال من حيث القصد والمضمون، وإرادة المتعاملين في هذه الموارد ان المعاملة ربوية، لا يختلف اثنان من فقهاء الامة في تحريمها.
اذن.. فعلبة السكاير لا يمكن بحال اعتبارها عوضاً للزيادة، تقاضاها الدائن، ولهذا يصار اجراء هذه الحيلة احتيالاً على مقاصد الشريعة، بل اتهاماً لها بالقصور والتقصير، وفي ضوء ذلك لابد من شجب التحايل القائم على اساس الشكلانية، التي لا تعبر عن القصد الجدي للعنوان الجديد، الذي هو موضوع للحيلة، وصدقاً نقول ان الفقيه المبدع لا يعمد الى التحليل او التحريم الا اعتماداً على المباني، التي قام بتنقيحها بعد ان تغدو مقاصد الشريعة قد شكلت ركناً أساسياً في تنقيح المسألة وبلورتها، ومن هنا لا يمكن بحال ان يُسّوغَ الربا بحيلة شكلانية صورية، تنفي المعاملة شكلانيتها وصوريتها الربوية من خلال ان يقصد فيها الانسان المسلم المكلف شيئاً، وينشئ بالمعاملة شيئاً آخر، لان مسألة الوفاء بالعقد تفرض وجود التزام عقدي حقيقي خاضع للحاجة الانسانوية بحيث ينطلق منها في التزاماته مع الآخر، والا فهذه الحيلة تؤكد المضمون الربوي للمعاملة، مما يفرض التأمل بما ورد من احاديث تشريعية على هذه الشاكلة، وحملها على المواقع الاضطرارية الملحة، التي تنافي الجدية، وقد صدرت عن مدرسة آل البيت الطاهر عدة نصوص تشريعية في المسائل الربوية على طريق الحيل الشرعية، ففي الحديث الباقري الصحيح رداً على سؤال وجه له عليه السلام:
«في حديث قال: فقلت له: أشتري ألف درهم وديناراً بألفي درهم؟..
فقال: لا بأس بذلك إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني، فكان يقول هذا، فيقولون: إنه الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعطِ ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعطِ ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال» وسائل الشيعة، 12/467.
وفي حديث باقري صحيح آخر قال:
«كان محمد بن المنكدر يقول: لابي عليه السلام: يا أبا جعفر رحمك الله، والله إنا لنعلم انك لو اخذت ديناراً، والصرف بثمانية عشر، قدرت في المدينة على ان تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، وما هذا إلاّ فرار، فكان ابي يقول:
صدقت والله، ولكنه فرار من باطل الى حق» وسائل الشيعة، 12/467.
وهكذا، نستكشف من هذين النصين التشريعيين أن المسألة كانت محل اعتراض الناس من اصحاب مدرسة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الامر، الذي جعل مسألة التحليل الى جرأة في الفتوى، حتى ان الامام جعفر بن محمد كان متحفظاً بالسير في هذا الاتجاه، وقد درج فقهاء الامامية من خطر نظام الحيل الشرعية على مستوى القاعدة فأجروها على ضوء عقلنة شكلانية وصورية تفتقد المضمون، ولا تغير الحكم في مجال العملية الاستنباطية، ولا تُعير أيّ أهمية لمقاصد الشريعة.
أهي عزلة الفقيه
ان هذه العقلية وليدة عزلة الفقه عن مواكبة الحياة العامة بالرغم من انها توحي أنها وليدة ملامسة الفقيه لمشاكل الحياة ومستحدثاتها، فالفقيه بحاجة ملحة الى المنهج، وليس الى الحيلة. والمنهج استيعاب لمنهج الحياة من داخل الشريعة العملية، والحيلة انكفاء باتجاه التزاوج الشكلي الترقيعي بين الحياة والشريعة. والمنهج من حيث المبدأ يواجه التحديات الحضارية في وجه الشريعة.. والحيلة هروب من مواجهة الواقع ومعضلاته، وحلول آنية، وتدابير ترقيعية مؤقتة تبقى على المفارقات الصارخة - بين الشريعة وما يتحداها - ولا يقتحم أهوالها.
انها فضيحة بكل المقاييس ان تشريع مثل هذه المخارج والحيل من جميع الجهات، لغو وعبث، بل أوصلتنا الى المنحدر النكوصي ارتدت المعرفة المنهجية الاسلامية عن مبدأ التشريع الواقعي، وسقطت سهواً او قصداً في شرك تأليه فقه المخارج والحيل، مضافاً الى ما يترتب عليها، او يمكن ان يترتب عليها من المفاسد الشنيعة. هذا أولاً..
وثانياً: قد جاء في بعض النصوص الحديثية أن الربا من حيث المبدأ من الكبائر. وسائل الشيعة، 11/252، وحُرمتها في منتهى البداهة، فاذا ضممنا الى آية الربا رقم: (278) من سورة البقرة آية الجزاء رقم: (33) من سورة المائدة، ينتظم من وجهة نظرنا دليل عقلاني وعقلائي يحكم بتصفية آكل الربا جسدياً في بعض الأحايين وذلك لأنه يحارب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. أي أن يقتل، أو أن يصلب، أو أن تقطع يده ورجله و...
إذن.. فالنتيجة هي: فان لم تذروا ما بقى من الربا، فأذنوا بالقتل، أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل.
ولتوضيح ذلك: «أنّ هذه الروايات أكدت القانون العام، الذي ذكره القرآن الكريم، وهي على طوائف، قد وردت من الجانبين [أي السنّة والشيعة]، منها:
«ما عن جميل بن درّاج عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
ربا أعظم عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام» وسائل الشيعة، 12/422 وما بعدها.
احمد الحسني البغدادي
النجف الاشرف
19 ذو الحجة 1447هـ
لا توجد تعليقات
أضف تعليقك
قيم هذا المقال
المزيد في بيانات
-
كلمة الجمعـة لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 5 ذو الحجة 1447هـ
-
كلمة الجمعة قصة ارض لا قصة سماء (1) لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 8 شوال 1447هـ
-
كلمة الجمعة الدعاء في حرب الاستكبار لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي دام ظله بتاريخ 1 شوال 1447هـ

