الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب: مشروع إصلاح الأُمة أزمة فهم.. أم أزمة تغيير (1)
الفقيه المرجع
احمد الحسني البغدادي
يكتب:
مشروع إصلاح الأُمة
أزمة فهم.. أم أزمة تغيير(1)
(1)
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الموحدين، سيدنا ونبينا محمد العربي الصادق الأمين المبعوث إرفاقاً ورحمة للعالمين، الـمُـنزل عليه القرآن آية ومعجزة في كل زمان ومكان، مظهر مكارم الأخلاق وطهارة الأعراق، المؤيد بالمعجزات الباهرات والآيات الواضحات، وآلة المعصومين الاطهار وصحبه المهاجرين والانصار.
وبعد.. حريٌ بنا أن نسلط الأَضواء على مشروع الإصلاح الذي اكتمل تحت مظلة الإسلام القائد كشريعةٍ ودولةٍ ونظام بدءاً من مؤسسي خلافة بني أُمية، وخلافة بني العباس، وسلطنة آل عثمان، وإمارات وکونتونات ومشيخات قبلية كانت تحت نفوذها المباشر، وصولاً لعصر النهضة ومشروع جمال الدّين الأفغاني (ت ۱۸۹۷م) وتلاميذه. وما عاصرناه من تصورات ورؤى في دول إسلاموية برغماتية نفعية وحركات أصولية راديكالية، وفي سياق هذه المعادلة التي هيمنت على جميع هذه النماذج بأساليبها المتنوعة ومتبنياتها التاريخية المختلفة وتوصيفها الأُس والموحي تعود للمقولة الخالدة: «لن تصلح آخر هذه الأُمة إلا بما صلح به أولها» الى مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ). ضمن هذه المقولة الشهيرة المختزلة تتفاوت فيها الرُّؤى تبعاً لإختلاف المرجعيات الدينية والثقافية والمعرفية والسياسية.. وعلى ضوء هذا نطرح تساؤلات:
«من الأُمة؟.. وما أولها وما آخرها؟..
وكيف يصلح الآخر الأول؟..
وكيف يعرقل الأول الآخر؟..
وكيف يفرز الأول أُسطورة العودة الأبدية؟..».
أسئلة تفتحُ روافد الجدل على مصراعيها، ولا ترغبُ بطبيعة الحال أنَّ تقع في فخ العنعنة والفنقلة التي لا تنتهي! خصوصاً ونحن نريد لهذه المحاضرة أن تكون هادفة وعميقة ومباشرة على قدر الطاقة الإنسانية. وفي الأحوال كلها أنَّ الإصلاح الذي يوفر لنا أرضية صالحة لتشخيص الإدراك والمعرفة التي نقف عليها، بل علينا التمييز بين المسبقات المثمرة التي ينقلها الينا التراث، والمسبقات التي تسجننا وتحجب عنا رؤية مشروع التغيير لا مشروع الفهم، في حين أنَّ المشاريع الإصلاحية الدينية التي عايشناها بالتجربة والمعايشة الميدانية مشاريع تغييرية إنقلابية ثورية بوصفها تغيَّر أشخاصاً ومكونات وسلطات مهما كان موقعها سواء كان حاكماً لشعبٍ أو قائداً لأُمةٍ أو رئيساً لحزبٍ أو أميراً لقبيلةٍ...؛ بَيَّدَ أنها لا تغيّر نفسها لكونها هي في الحقيقة لا تفهم نفسها من حيث المبدأ، فكيف رُكّبَتْ ثقافياً ومعرفياً وفكرياً وتاريخياً.
ولقد حكم هذا التغيير الذي يعتمد على إدراك وافهام مشاريع الاصلاح سواء أكانت إسلامية أو ليبرالية أو ماركسية أو يسارية أو قومية التي كانت تتمسك وتسترشد بتعاليم مقولة مالك بن أنس، وقد أشرنا إليها. وبمقولة كارل ماركس (ت ۱۸۸۳م) القائلة: «ليس مهمة الفلاسفة تفسير العالَم بل تغييرة».
كان الكل من المنظرين متطرفين بإصالة التغيير التي تملك عناصر القوة والسطوة والسلاح والمال والجاه... لا إصالة الفهم والدراية والادراك الذي يوّلد عناصر الثقافة والمعرفة والفكر فقط .. وفقط.
إن عناصر الإصلاح الديني ما لم يغادر مشروعات التغيير التي يظن قادتها السياسيون ليكونوا في إطار مشروعات الفهم التي تقودها علوم البشر لم يخرج من ساحة العودة الأبدية المعوقة، فبهذه العلوم وبمنتجها الثقافي يمكن أن يتحول الإصلاح الديني تأصيلاً وتأسيساً وتحديثاً، وبالتالي يخرجه من أسطورة مشروع العودة المقدَّسة ومن الحجب والكبت والتهميش والتحوير، ولهذا نجد قد أُحبطت المشروعات التغييرية والماهيات النقية والمسارات المستقيمة بسلطات مستفيضة، بَيَّد! أنها لم تحبط بمشروع فهم ودراية واحدة أو تغيّر من حيث المبدأ.
نافلة القول هنا «ظهر المهدي بن تومرت في القرن السادس الهجري، على أنقاض هذا المشروع، وبدأ دعوته الإصلاحية في المغرب؛ فدعا الناس إلى التوحيد الخالص، ولهذا أُطلق على أنصاره اسم «الموحدين»، وسُميت الدولة التي قامت على دعوته دولة «الموحدين»، وجهر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعا لنفسه على أنه المهدي المنتظر والإمام المعصوم الذي يحكم بين الناس بالعدل، واتخذ منهجاً في الفقه يقوم على الدراسة المباشرة للقرآن والسُّنة من دون دراسة فروع المسائل الفقهية التي كانت سائدة في المغرب على المذهب المالكي.
هكذا، تأسست حركة المرابطين في القرن الخامس الهجري، على أساس أنها حركة تصحيح، تُرجع الناس إلى الدين الصحيح، وعلى أنقاضها قامت دولة الموحدين، على الأساس نفسه»(2).
إنَّ مشاريع الإصلاح الديني التجديدية التي تَّزعم قيادتها جمال الدين الافغاني نهضت على الأُطروحة الفكرية نفسها، وهي رجوع الأُمة عمّا إنحرفت عنه أُصول دينها التي قامت في العقود الماضية غير أنَّ هذا يعني بطبيعة الحال أنها تكرار للتجارب ذاتها، بَيَّدَ أنها تشترك معها في مشكلة المعادلة ذاتها، ولهذا نجد مقولة الإصلاح الديني: بقيت محكومة بهذه المعادلةِ، وهي مشروع سياسوي، بمعنى تغيير سلطة أو نظام بروافده المختلفة.. تاريخاً وثقافةً وحضارةً وتشريعاً وقانوناً وعقيدةً، من زاوية إصلاح ما انحرف عن الأصل، أي أول الأُمة، أصبح مشروع الإصلاح مؤطراً بهذه المعادلة، كلمة تجعل من إصلاح ما أنحرف حجة تبرير، وهي تبرر للمشروع السياسوي الذي سيغدو في الساحة وحده المسؤول عن مهام عملية هذا الإصلاح وتأطير فحواه وباسمه يُستخدم أول الأُمة وها هنا يكتمل تبرير الذي شماعة القوة القاهرة التي يستخدمها المشروع الاصلاحي النهضوي السياسي بشماعة هذا التبرير الذي كان ينطق على تحقيق مشروع «إصلاح» محمد بن عبد الوهاب الحنبلي النجدي (ت ١٢٠٦هـ) الذي بدأ بالجهاد والتمسك بـ«جوهر الدّين» أو خط «الدّين القويم» أو «صحيح الدّين»، ثم صارت «مدرسة فكرية» مستمرة في مواصلة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في صوره التاريخية العنفية هو الطريق الوحيد لنشر دعوته الوهابية التي أسسها محمد تقي بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) والتي تبنت التطرف والغلو وصولاً الى التكفير والإقصاء والتهميش والنظرة الدُّونية وإباحة العنف الرمزي لكلّ مخالفٍ من المذاهب الإسلامية المختلفة من خلال تأويلات فقهية وعقدية ليست من أصول الإسلام وفروعه، فلذا نجد لن تحقق أهدافها ولن تنشر دعوتها بين أبناء الأُمة بإستثناء إمارة قطر والحجاز (المملكة العربية السعودية) فقط... وفقط.
الهوامش
(1) محاضرة أُلقيت لأول مرة في ديوان رجل الأَعمال السيد منذر مكي الحسني في بغداد ٢٠٢٤م، وطبعت في صحيفة الحياة اللندنية في ١٠ ذي الحجة المصادف ٢٩ حزيران عام ٢٠٢٤م.
(2) خارج الطائفة، ص: ٢٩٨ وما بعدها، مصدر سابق

