المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان يكتب: مؤاشرات الذاكرة الحلقة السابعة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان يكتب: مؤاشرات الذاكرة الحلقة السابعة

المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان 

يكتب:

مؤاشرات الذاكرة

الحلقة السابعة

 

عدتُ معه لحساسيته الوطنيّة، ومع أني أعرف تاريخ العائلة الوطني وقد جئت عليه في كتابي المشار إليه مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن ابتداء من الجد (الإمام السيّد محمد الحسني البغدادي) ووصولًا إلى الحفيد، فضلًا عن الأجداد البعيدين وأعرف زهد العائلة ونزاهتها الأخلاقيّة وترفّعها عن المغريات، كما أعرف حركيّة السيّد البغدادي في شبابه في انتماءاته الأولى وتمرّداته السريعة وحسّه الإنساني وقربه من الناس وهمومهم، بحكم علاقات شخصيّة مع عدد من أفراد العائلة وبعضهم على ملاك اليسار، كما سبق لي أن ذكرت ذلك بالتفاصيل في الكتاب المذكور، إلّا أنني أحاول أن أسلط ضوءًا كاشفًا على حساسيّته الوطنيّة، عبر مواقف كنت شاهدًا ومتابعًا لها خلال العقود الثلاثة الماضية، وهي امتداد لتاريخ يزيد على ستة عقود من الزمان، وهو ما أودّ أن أعرضه في نهاية هذه المناظرات لاطلاع القارئ عليه لاستكمال الصورة.

كنت قد سمعت من مسؤولين حكوميين وعلى لسان الرئيس أحمد حسن البكر وعبد المجيد الرافعي(اللبناني وعضو القيادة القومية) وعبر الأخ شبيب المالكي متصرف (محافظ) كربلاء في حينها، كيف كان الجدّ يرفض العروض والمغريات التي تقدّم إليه، وظلّ محافظًا على خطه الوطني الشجاع، وقد كتبت مقيّمًا له بالقول التالي: «راديكالي في السياسة محافظ في الدين» وذلك في معرض استعراضي لجهاده الفكري ودوره الكفاحي ودروسه الحوزيّة ومطارحاته في ندوته الأسبوعيّة في منزله والتي استمرّت لعشرات السنين.

وباعتزاز كنت أتابع مواقفه، تارة بصورة مباشرة وأخرى من أوساط العائلة، وفي أيام المعارضة منذ التسعينيات عبر الصديق فوزي الراوي، ناهيك بما ينشره ويقدّمه للإعلام، وقد أطلعني شخصيًّا على محاولات متعددة لاستمالته، ولا سيّما بعد رفضه البقاء في إيران ومجيئه إلى سورية، ولقائي به حين زارني في مقر إقامتي في «فندق الفردوس تاور»بدمشق أواخر التسعينيات، مستعيدًا التاريخ الشخصي والعلاقة العائليّة التي يطلق عليها «الخؤولة».

كانت أول محاولة خارجيّة لاستدراجه بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 والعرض الأول، من جانب مبعوثين مباشرين أو غير مباشرين لكنه واجهها بالإهمال وإدارة الظهر، أما المحاولة الثانية فقد كانت في شتاء عام 2002 عشيّة احتلال العراق بحجّة مقارعته للنظام في العراق ودغدغة العواطف وهي الأخرى لم تنفع معه. أما المحاولة الثالثة فقد كانت قريبة من المحاولة الثانية وتضمنت دعوة شخصيّة له لكنها هي الأخرى لم تنجح، وكانت المحاولة الرابعة مع بدء العمليات الحربيّة العدوانيّة لاحتلال العراق عام 2003 مع مغريات كثيرة، لكن جميع تلك المحاولات لاستدراجه لدائرة التعاون مع الأجهزة الأمريكيّة بصورة مباشرة أو غير مباشرة كلّها باءت بالفشل، وكانت الوطنيّة هي البوصلة التي حكمت تصرّفاته.

وأتذكّر بيانه الذي أصدره يوم بدأ قصف العراق والذي جاء فيه «إن هذا الهجوم الوحشي السافر لا يستهدف وادي الرافدين وحسب، وإنما بداية لتدمير العالم الإسلامي كله وفي مقدمته أوطاننا العربيّة (على مراحل) وتقسيمها إلى كيانات مذهبيّة وعرقيّة وعنصريّة متناحرة تؤمّن بقاء الكيان الصهيوني الذي يخوض حرب إبادة ضد الشعب العربي الفلسطيني الأعزل الرازح تحت الاحتلال»(1) وأكد أهميّة المقاومة الشعبيّة الإسلاميّة ضد العدوان ورفض الإملاءات الأمريكيّة وحذّر من الانجرار وراء فصول هذه المؤامرة.

وحصل اتصال أمريكي بالسيد البغدادي مرّتين بعد الاحتلال(2)، الأولى في عام 2005، بحجّة خبراء ومستشارين من أعضاء الحزب الديمقراطي في الكونغرس الأمريكي، ومرّة ثانية في خريف عام 2008 عبر أحد المتعاونين مع الأمريكان مبعوثًا من السفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر كما ذكر لي، لكنه رفض الاتصال وطلب من القناة المكلفة إقفال هذا الملف، وبعد حقبة ليست بالقصيرة تشرين الأول/أكتوبر 2008 هاجمت قوة عسكريّة أمريكيّة منزله في النجف بعد منتصف الليل وأطلقت قنابل صوتيّة واعتقلت ولده محمد واثنين من أتباعه وجرح أحدهم بجروح بليغة، وتم العبث بالمنزل ومحتوياته.

وخلال الفترات المذكورة كنّا ننسق الكثير من المواقف بالتعاون مع فوزي الراوي وصلاح عمر العلي وجواد الخالصي وشقيقه محمد مهدي وحامد الجبوري وآخرين بما يعزّز الموقف الوطني، وخصوصًا ما أصدرناه من بيانات(3) ضدّ «مشروع قانون تحرير العراق» الصادر عام 1998 وضدّ الاستعدادات الحربيّة لغزو العراق، ما بعد الاحتلال مباشرة.

لذلك، ليس جديدًا عليّ موقفه الوطني من الاحتلال، وكنت وإياه أقف على الأرض نفسها، وإن اختلفت زاوية النظر، لكن الأساس هو التشبّث بالوطنيّة ورفض أيّة محاولات للنيل من استقلال البلاد ووحدته الوطنيّة. 

لقد رضع السيّد البغدادي مبادئ الوطنيّة العراقيّة الصافيّة مع الحليب وتذوّق طعم حب العراق وانتمائه الوجداني لبلده مع أولى خطواته وهو ما يزال طفلًا في بيت جدّه ومع أقرانه من الوطنيين من مختلف الاتجاهات، بمن فيهم أبناء عمومته وأقربائه من اليساريين وأنسباء العائلة، ولذلك ليس جديدًا أو كثيرًا عليه تلك المواقف.

 

الهوامش

(1) انظر: أحمد الحسني البغدادي، هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي: المقاومة مستمرة والاحتلال إلى زوال وشعبنا لن يموت، إعداد وتنسيق حامد القريشي (بيروت: بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، 2005)، ص 11 وما بعدها.

(2) انظر بتوسّع كتاب: أحمد الحسني البغدادي، في مواجهة الدين الآخر ـ مذكرات أحمد الحسني البغدادي: نقد.. مواقف.. توقعات (ط 2، 2011).

(3) وقد ألقى سماحته محاضرة في هذا الشأن على طلاب الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق، وقد طبعت في كتاب مستقل، وعليها تعليقات باسم: عودة الوعي (بيروت: مؤسسة الباقر، 1999).

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0