المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان يكتب: مؤاشرات الذاكرة الحلقة الخامسة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان يكتب: مؤاشرات الذاكرة الحلقة الخامسة

المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان 

يكتب:

مؤاشرات الذاكرة

الحلقة الخامسة

 

تبنّى الحسني البغدادي فكرة «الجهاد الدفاعي» منذ أمد بعيد، وقد حاول الكتابة فيه، حيث أعدّ عنه مخطوطة كبيرة، لكنها ظلّت تقبع في مكتبته عقوداً من الزمان، حتى سنحت الفرصة بصدورها في كتاب بعنوان «وجوب النهضة». وجاء موضوع نشره وتوقيته مناسباً جداً، خصوصاً بعد العدوان «الإسرائيلي» على الأمّة العربية في 5 حزيران (يونيو) العام 1967، فجرى طبعه وتوزيعه في حينها، واحتفلت فيه الأوساط السياسية والثقافية، الوطنية والعروبية واليسارية، لما حمله من رؤية ثاقبة بخصوص مقاومة العدوان ورد كيد المعتدين والمتخاذلين. 

وإذا كان الكتاب قد أعدّ أيام حكم الدولة العثمانية وفي مواجهة الإنكليز، فإن أحكامه امتدّت، بل أصبحت أكثر ضرورة وحيوية لمواجهة «العدوان الإسرائيلي» باعتباره «فرض عين وليس فرض كفاية» كما يُقال. وهي الفكرة التي حاول آية اللّه علي السيستاني استحضارها في أطروحته عن «الجهاد الكفائي» لمواجهة داعش بعد احتلال الموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014.

وكانت كلمة «الجهاد» قد استُبعدت من كتب بعض رجال الدّين منذ فترة طويلة على الرّغم من أنّ ثلاثة من فقهاء الشيعة المتأخّرين أخذوا بفكرة «الجهاد الابتدائي»، وهم آية اللّه الأنصاري وأبو القاسم الخوئي والحسني البغدادي، ويمكن إضافة السيد علي الخامنئي أيضاً، ومن الجيل الجديد أحمد الحسني البغدادي (الحفيد) وشقيقه السيد علي الحسني البغدادي.

والفارق واضح بين البغدادي والخوئي، والأخير باحث وفقيه له مؤلّفات كثيرة، ففي حين اتّخذ الخوئي مواقف نظرية، «متقدّمة» بخصوص «الجهاد» إلّا أنها كانت «تجريدية» من الناحية الفعلية والتطبيقية، فقد أحجم عن تكييفها للظرف الموضوعي الملموس، خصوصاً بعد أن نأى بنفسه عن أي دور سياسي، بينما كان منهج السيّد الحكيم ينصبّ على دور إصلاحي برفعه شعارات مطلبية، يعتقد أنها تتناسب مع توازن القوى. أما الحسني البغدادي فقد كان داعية لفكرة الجهاد الدفاعي على نحو عملي ومنسجم مع الدور الذي يريده لرجل الدّين كعنصر مؤثّر في خلق الوعي الشعبي.

وكان الخميني قد ذهب أبعد من ذلك بالدعوة الصريحة والواضحة إلى الجهاد، بل كان مؤمناً ومنظّراً لفكرة قيام «حكومة إسلامية» في إطار ما أطلق عليه «ولاية الفقيه». والولي الفقيه هو «النائب عن الإمام» في ما يسمى بعصر الغيبة، والذي يمكن أن يتمتّع بصلاحيات تكاد تكون مطلقة، أي أنها أقرب إلى صلاحيات الإمام الغائب، وهو ما اعتمده الخميني بعد الثورة الإيرانية في العام 1979 وثبّته دستورياً، مع أن غالبية فقهاء النّجف والحوزة النّجفية لم يكونوا مع فكرة «ولاية الفقيه» لا في الماضي ولا في الحاضر. وكان الحكيم قد رفض فكرة ولاية الفقيه وكذلك فكرة الجهاد الابتدائي، إلاّ أنّه اتبع منهجاً تدرجياً معارضاً، وهو أسلوب اتّخذه لنفسه، وكان يرى فيه الأكثر تأثيراً قياساً بغيره، خصوصاً في ظلّ قراءته لتوازن القوى، وما موقفه من الشيوعية وتكفيرها إلّا دليل على قدرته على مجابهة مدّ ثوري وحركة صاعدة آنذاك، بوسائل القوّة الناعمة(1).

إن استعادة موضوع الجهاد من جانب الحسني البغدادي هو بمثابة إعادة تأسيس للفكرة التي ظلّ يدعو لها، سواء في السابق دفاعاً عن الدولة العثمانية ضدّ الإنكليز أم لاحقاً لمقاومة الاحتلال «الإسرائيلي» بعد العام 1967. ويعتبر البحث من الدراسات الفقهية  -  الاستدلالية، وهو مصدر أساس للمدارس الفقهية على اختلاف توجهاتها، وخارج نطاق التوجّه الطائفي، لأنها تخصّ الأمّة التي يريدها أن تصطف في مواجهة أعدائها والتصدّي لعدوانهم.

وكان البحث من السعة والتفريع والتحقيق بحيث يعتبر مصدراً أساسياً جديداً ومتقدّماً للدراسات الفقهية المعمّقة، بعكس سائر المباحث الأخرى، لاسيّما كتاب الطهارة والصلاة والبيع والخيارات(2). وقد قام (الحفيد) بتحقيقات وتعليقات وترتيبات فصول كتاب «وجوب النهضة» وقد أسماه «وجوب النهضة  -  رؤية تأسيسية استباقية حول الجهاد الدفاعي، الطبعة الرسمية الأولى، 2012م» وقدّمه إلى الجمهور باعتباره كتاباً راهنياً.

وقد نقل لي الحسني البغدادي «الحفيد» أنه سمع من جدّه في مجلسه ما يفيد أنه كتب كتاب «الجهاد الدفاعي» كمبْتكَر لم يسبقه إليه أحد من تيار الفقهاء التقليدين، بل ولا من تيار المفكّرين الإصلاحيين من أمثال: السيد جمال الدّين الأفغاني والشيخ محمد عبده ونحوهما، خصوصاً وأنه حاول تفنيد شبهات المستشرقين الغربيين حول جهاد الكافرين والمشركين. وحسناً فعل «الحفيد» حين كتب مقدّمة له، إضافة إلى ترجمة عن حياة الحسني البغدادي الكبير، وأعاد طباعته بحلّته الجديدة.

ويعود ذلك إلى حرص الحسني البغدادي «الحفيد» ومساهمته في الترويج لفكرة مقاومة الاحتلال الأمريكي ونشر ثقافة الدفاع عن الوطن والقيم، التي تبنّاها منذ العام 2003، ولاسيّما «الحق في مقاومة الاحتلال» وكان «الحفيد» قد أسّس منذ أواسط التسعينات «حركة الإسلاميين الأحرار» التي لها بعض الامتدادات في أهوار الجنوب، إضافة إلى النّجف وبغداد وبعض المدن العراقية من المؤيّدين لآية اللّه الحسني البغدادي، وحين انكشف أمرها بعد ترصّد من جانب السلطة البعثية، التي لاحقته، فاضطرّ للهروب إلى إيران في العام 1998 ومنها انتقل بعد بضعة أشهر إلى دمشق، وتعرّض بعض أعضاء الحركة إلى التنكيل، بما فيها إعدام بعض من قياداتها.

وكتاب «وجوب النهضة» هو درس في الكفاح الوطني والقومي من أجل الحقوق وضدّ المعتدي والمحتلّ، مثلما هو درس في فقه المقاومة والدفاع عن الوطن. وعلى الرغم من أنه كان قد كُتب إبّان الحرب العالمية الأولى، لكن حيثياته واستنتاجاته لا تزال راهنة وحيوية، وفيها إعادة قراءة معمّقة لفقه المقاومة في مواجهة (الاستكبار) العالمي، وخصوصاً بعد اتّفاقية سايكس  -  بيكو لتمزيق البلدان العربية، العام 1916 وحتى اليوم.

ويعتبر الجهاد من فروع الدّين، مثل الصّلاة والصّوم والزّكاة والخمس والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولي لأولياء اللّه والتبرؤ من أعدائه. ويقسّم الفقهاء الجهاد حسب المفهوم الإسلامي إلى نوعين أساسيين هما: النوع الأول «الجهاد الابتدائي» وهو الجهاد الدعوي أو الأصلي، والأساس فيه إعلان الحرب على الكفار والمشركين والكتابيين لرفع كلمة «لا إله إلّا الله». والنوع الثاني «الجهاد الدفاعي» وهو جهاد من يشنّ الحرب على بلاد الإسلام ويحاول مهاجمة المسلمين أو احتلال أرضهم، وهو جهاد مباح حتى في الأشهر الحُرم.

ويُضاف إلى ذلك الجهاد الفردي وهو بمثابة الدّفاع عن النفس، كما هو معروف في القوانين الجزائية الوطنية التي تعطي «الحق في الدفاع عن النفس» عند التعرّض لاعتداء أو هجوم. والجهاد بشكل عام هو جهاد بالنفس والتضحية بها أو بالمال والعِرض وبكل ما لديه من عوامل قوّة ومنعة.

من جهة أخرى فهناك الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، وقد ورد على لسان النبي محمّد، حين عاد المسلمون من إحدى المعارك، قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، فسألوه: وهل هناك جهاد أعظم من الجهاد ضدّ الكفّار؟ فأجاب: نعم إنه جهاد النفس، ولا شكّ أن جهاد النفس سابق على أنواع الجهاد الأخرى، ومن لم يستطع الانتصار على نفسه وحمايتها من الشرور والرذيلة والقسوة، فإنه لن يستطيع الانتصار على العدوّ لأن القتال مكروه إلى النفس البشرية. وجاء في سورة الإسراء الآية 85 «ويسألونك عن الرّوح، قل الروح من أمر ربّي، وما أتيتم من العلم إلّا قليلا»، وقد اعتبرت الصوفية حب الدنيا رأس كل خطيئة، لذلك انصرفت عنها وعن لذائذها.

وجاء في سورة البقرة الآية 216 ما يفيد هذا المعنى حيث تقول: «كُتب عليكم القتال، وهو كُرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم...» ولكي تنقاد النفس وتطمئن إلى جهاد الأعداء، لا بدّ من مجاهدة النفس والتغلّب على أهوائها ونزواتها. والجهاد الأكبر يورث النّور في القلب بصفائه وبأخذه النّور يصير محلاً لانعكاس نور اللّه حسب جلال الدّين الرومي. للبحث صلة. 

الهوامش

(1) انظر: عبد الحسين شعبان- السيستاني أو ولاية الفقيه غير المعلنة، جريدة النهار، 3 تشرين الأول (أكتوبر)، 2006.

(2) انظر: أحمد الحسني البغدادي - بحوث في الاجتهاد، طبعة بغداد، 1991، ص: 184.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0