المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان يكتب: مؤاشرات الذاكرة الحلقة الثالثة
المفكر العربي د. عبد الحسين شعبان
يكتب:
مؤاشرات الذاكرة
الحلقة الثالثة
... وسار الحسني البغدادي «الحفيد» على خطى الجدّ في راديكاليته ومواقفه السياسية الوطنية والعروبية، ولاسيّما في موقفه المتميّز الرافض للاحتلال الأمريكي، وكان من أبرز رجال الدّين الذين دعوا لمقاومته والوقوف ضدّه بجميع الوسائل المتاحة وأبدى استعداده للتعاون مع جميع القوى لتحقيق هذه المهمّة النبيلة. وأتذكّر مرّة قولاً جريئاً له بهذا الصّدد، حين أبدى استعداده للتعاون حتى مع «عاهرة» إذا كانت ضدّ مشروع الاحتلال الأمريكي، ولم يتورّع من قول ذلك، وهو بزيّه الدّيني وعمامته السوداء ولحيته البيضاء، وبالطبع فإن مثل هذا القول مجازي على صعيد «التشبيه والدّلالة» كما يقول علماء البلاغة، قصد منه الدّعوة إلى تعبئة جميع القوى ضدّ المحتلّ وإبعاد ما هو ثانوي وطارئ ومؤقت، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وطويل الأمد، لاسيّما بإذكاء روح الوطنية العراقية وتحفيزها على مقاومة المحتلّ الأمريكي.
أمّا موقفه من الشيوعية، فهو لا يحرّم عمل الشيوعيين أو يجرّمهم، بل يعارض الفكرة الشيوعية المادّية، لكنه مستعد للتعاون معهم لأهداف سياسية ومطلبية تخص حياة النّاس ومستقبل وطنهم، وقد جاء في مقابلة له مع جريدة «قاسيون» التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري، وأعيد نشرها في كتاب ، إعداد وتحقيق علي الحسني 24/1، الطبعة الرسمية الأولى، نيسان، 2010»، ردّاً على سؤال حول مقولة ماركس «الدّين أفيون الشّعوب» وإلحادية الماركسيين: إن كارل ماركس قرأ الدّين المسيحي المنحرف (ويقصد الكنيسة وبعض رجالها وخصوصاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وقبلهما) من خلال أسطورة الخطيئة الموروثة التقليدية، التي يُقام عليها ركام هائل من الطقوس والتشكيلات ومن الأساطير والخرافات، ويعني بذلك إعطاء «صكوك غفران» للبسطاء من النّاس في سبيل الخلاص الأبدي من العذاب الآخروي... من هنا جاءت مقولة ماركس «الدّين أفيون الشّعوب»، علماً بأنه لم يقرأ الدّين المحمّدي الأصيل، الذي لا يرضى بالخنوع والذلّ والعبودية واستغلال الإنسان للإنسان.
ويفرّق «الحفيد» بين من آمن بالتعاليم «الماركسية - اللينينية» كانتماء سياسي وبين من كفر بالأديان السماوية في معناها، وهو ما استغلّته القوى الرجعية ضدّهم - كما يقول - واعتبرتهم جميعهم «ملاحدة» بلا استثناء، في حين أن الانتماء السياسي مع البقاء على العقيدة وعدم إنكار أصول الدّين وفروعه شيء، والكفر والإلحاد شيء آخر، فمن آمن بالشيوعية كانتماء سياسي وآيديولوجي وظلّ على دينه فهؤلاء «مسلمون لا ملحدون» حتى لو كانوا ماركسيين. للبحث صلة.
الهوامش
(1) انظر: «فتاوى أحمد الحسني البغدادي في فقه المقاومة وثقافة الاستسلام».