الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب إغتصاب العقول الحلقة الرابعة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب إغتصاب العقول الحلقة الرابعة

الفقيه المرجع

احمد الحسني البغدادي

يكتب

إغتصاب العقول

الحلقة الرابعة

 

ومهما يكن من هذه الاطروحات كلها، ولكن ينبغي أن نعترف ونقول الحقيقة بصرف النظر عن تقدمية هذا الموقف أو رجعيته في الاطار تمثل الأس منظومة الماضي.. والماضي أن يُشاكلها. واذا إبتعد الماضي عن صورة الحاضر غدت محرفة وضالة. ومن يحاول قدر دائرة الامكان جعل الخطاب الديني السلفي الى استئناف صياغة منظومة الحاضر وفقاً لصورة الماضي، وإن كان هذا مستحيلاً في هيمنة هذا الخطاب الوعظي الانشائي والطقسنة الشعائرية، ويعتمد على آليات ذهنية يشبه بعض انبياء ما سلف، ويصب اللعنات على الناس كل الناس، ويتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، لأن الخطاب السلفي الديني واجه أيديولوجيات حداثوية إسلامية لا يستطيع الايمان بها أو القدرة على القول مثلها. ذهب يرفض ويشنع عليها ويحاسبها بشتى الاساليب والاسلحة اللعينة، ولكنه أبداً أصبح مهزوماً، كما هزمت الايديولوجيات والاسفار والاناجيل والتفاسير من خلال الوعاظ والخطباء والقراء غير ذلك جهلاً أو تخلفاً أو دفاعاً. لا يمكن الدفاع عنها! هل يوجد على الساحة التاريخية قديماً وحديثاً أكذب أو أجهل أو أخدع من الاسفار والصحاحات والنوادر؟.. لهذه الإشكالية قال حافظ الشيرازي كلمته العظمى تلك، وهو يصور الساقية في الحانة تقدم لــ«رجل دين» سلفي دجال كأساً: «هذه حقيقتي، فهل هذه حقيقتك»!..

ومهما يكن، فان اليسار الاسلامي مسلحاً بوعي أعمق، وباليات ذهنية وخطابية أرهف. 

إِنَّ السلفية الماضوية تريد منا أن نرتد اليها ليست الماضوية التي كانت في القرون الأولى مزدهرة نوعاً ما بالحيوية «التنظيرية» والتي تؤمن بالرأي والرأي الآخر. أما الماضوية التي استجابت لطقسنة التقاليد والاعراف والعادات البالية، والتي استجابت كذلك للتقليد بديلاً عن أُطروحة العقل والعقلاء بما هم عقلاء، وأُطروحة ممارسة عمليات الاستنباط والاجتهاد على صعيد الحداثة الاسلامية لا على صعيد أُطروحة الروايات النصوصية القشرية القائمة على الهيبة التقديسية والشهرة العملية بوصفها قطعية الصدور كما يزعمون.

وهذه الأُطروحة الحداثوية الاسلامية كثيراً ما نفاها «الفقهاء» السلفيون المحافظون المعاصرون بشتى العناوين الثانوية، والحيل الشرعية في سبيل إِبقاء القديم على قدمه، واحياء التقاليد والقيم الماضوية الرجعية، ومحاربة الحداثة الاسلامية التقدمية، أي ما يطلق عليها تويني (ت 1975م) بالاتجاه الاستاتيكي التي تتسم به المجتمعات والجماعات المتخلفة، بل هذه العقلية الاستاتيكية المسيطرة على معظم مفكري و«فقهاء» المؤسسة «الدينية» الرسمية الشيعية والسنية على حد سواء!.. هذا من جهة..

ومن جهة أخرى اذا واجهوا المجتمع الأخذ بتعاليم العناوين الثانوية والحيل الشرعية صنعوا منهم شخصيات مزدوجة ومتناقضة، ولم يصنعوا منهم متدينيين حقيقيين ولا أخلاقيين مثالين، إذ أنه من المنظار السايكولوجي والسلوكي سيكون خاضعاً الى أبعد الحدود لاحتياجاته وطبيعته، ومن المنظار النظري سيكون ملزماً بالتوافق مع تَعَلّم.

ومعنى ذلك يكون ملوث الذات وليس نظيف الثوب معناه يجمع بين التدليسي و«التورية» والخطيئة. فدعاة المؤسسة السلفية «الدينية» السنية والشيعية الرسمية لا يعطون للمجتمع شيئاً من الاشياء من غير أن يصنعوه في موقف ينبغي عليه وجوباً من حيث يشعر أو لا يشعر أن يكذب وأن ينافق وأن يتزلف وأن يتناقض. 

فدعاة المؤسسة «الدينية» الرسمية يؤدون وجوباً الى المزيد من الارتداد والعصيان على الأديان والشرائع والمذاهب والأخلاق، أي أن الإيمان يحمل بلا انقطاع نقيض تعاليمه! ولم تستطع كل هذه التعاليم الدينية والاخلاقية أن ترفع من مستوى عناصر الاستقامة عند المجتمع في أي عصر من العصور، وفي أي مكان من الأمكنة. ولم ينتبه الشيطان في أي مرحلة من مراحل حركة التاريخ أن تعليم قيم الدين والأخلاق قد يهدد سلطانه الإبليسي بالفناء والزوال أو النقصان والعصيان أو بأية أزمة من الازمات! لم تهدد التعاليم الدينية مصالح وطموحات الشيطان الرجيم في أي لحظة من اللحظات، ولم يوجد أي فرق أخلاقي وسلوكي بين أعظم الدعاة الى الإيمان وأعظم الدعاة الى الالحاد، والفروق الأساسية بينهما هي دائماً وأبداً فروق لا أخلاقية ولا دينية. والمجتمع لا يمكن بحال أن يتفاوت في دينه وأخلاقه وانما يتفاوت في حياته.

إذن، لا بد حتماً أن تعرف أن «رجل الدين» ضعيف الشخصية، ويشعر بالدونية أمام ذاته وطموحاته وتطلعاته واحساسه بقيمة المعصية وحتميتها كضعف المرتد عن الدين أو اشد، وقد يختلف نوع المخالفة والطاعة والامتثال والاستسلام التي يأتيها كل منهما لا لاختلاف الظروف والاوضاع، ولكنهما لا يختلفان في أن كل منهما لا بد أن يعصي وأن يطيع على حد سواء. والطاعة والمعصية تعنيان التمسك بالدين والاخلاق عليهما، بل تعنيان التوافق وعدم التوافق. فهما إذن ليستا خضوعاً للتعاليم ولا عصياناً عليها. فاذا فعل الانسان المؤمن ما يأمر به الدين أو تأمر به الأخلاق من سلوك واستقامة فهو لا يفعل ذلك، لأنه مؤمن ومتدين ملتزم، ولا لأنه عمل اخلاقي وانما يفعله، لأنه إنسان يتحرك في كل المسارات وفي الهواء الطلق، ويتمثل لكل أشكال الاغراء، ويتمثل الأغراء الطاعة، كما يتمثل الأغراء المعصية، وقد يجد هوى نفسه في العبادة والتهجد والعمل الصالح والتقوى أكثر بكثير مما يجده في التمرد والعصيان، قد يكون في خطوط منحنية اذا أطاع الأوامر أكثر بكثير من كونه كذلك اذا عصاها وتمرد عليها. ولا تعني الفريضة اليومية غير ما تعنيه الحركات القائمة من قيام وقعود وسجود في توصيفات الانسان عن حاجته للحركة والى تحويل شحنته النفسية الى سلوك تعبيري. والفضيلة تكون بعض الاحايين شهوة لا معاناة، فاذا كانت معاناة فلن يوجد في الساحة الاجتماعية من يتبناها، وهذه هي الحقيقة الواقعة التي لا يمكن إنكارها.

ولو أن دعاة المؤسسة «الدينية» السنية منها أو الشيعية فهموا البعد الحقيقي والواقعي لهذه الموضوعات والاشياء والخصوصيات لكان عليهم أن يخفظوا من فوقيتهم وتعصبهم وخروجهم. لكن لا وألف لا، لأن البشر بما هم بشر يتفوقون ويتعصبون بقدر حاجاتهم الملحة الى ذلك، لا بقدر تخلفهم وجهلهم المركب، بسبب تعصبهم وفوقيتهم وهم يفعلون لكونهم يجهلون أكثر مما يفعلون، لأنهم يعلمون علم اليقين!.. 

واذا اردت الاطلاع أكثر واعمق، انظر: «القسم الاول الخطاب السلفي والخطاب الحداثوي بين المقدس والمدنس» في كتابنا: «نقد العقل الديني.....»

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0