الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب إغتصاب العقول الحلقة الثالثة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي يكتب إغتصاب العقول الحلقة الثالثة

الفقيه المرجع

احمد الحسني البغدادي

يكتب

إغتصاب العقول

الحلقة الثالثة

 

وثانياً: لقد ساند السلطان الغصبي في كثير من الاحيان «فقهاء» المؤسسة السلفية الرسمية الذين يحرفون مباني القرآن العظيم والاحاديث النبوية الصحيحة باعتبارها تؤكد بوجوب طاعته، ولا يسوغ المساس به. وأن كل مساس بقوانين الحياة التي لا يجوز أن تمس من جهة وضرورة التمسك بالتقاليد والاعراف والعادات، وعدم التمرد عليها وتحدي المعايير وخرقها، وهي تمنع الانسان المغلوب على أمره من التحرك والمواجهة والثورة في سبيل الحق وكرامة الانسان، وفي سبيل الخلاص من الطاغوت المتسلط. 

وثالثاً: أنّ تجنب المواجهة قد يجنب الاحتراب فالاقتتال فالدمار، والخراب وزهق الارواح.. فالمجموعات التعصب والغلو والتوحـش تمثل رمزاً لثقافة مشوهة عرجاء ترفض القبول بالآخر، غير إننا نعتقد أن ذلك التوصيف للمشكلة غير دقیق. فتلك الظاهرة ليست خاصة على بعض المجموعات المتطرفة الاسلامية أو السلطات التي تحمل شعارات الاسلام. 

إنَّ ثقافة النزعة العصبوية والغلو والتوحش موجودة حتى عند الحركات العربية والاسلامية من السلالات التقليدية كذلك سواء كانت ناصرية او بعثية أو أتاتوركية أو شاهنشاهية... فبدلاً من عمليات التهميش والاقصاء والتجريم على قاعدة دينية وتتم هذه النعوت على قاعدة «الخيانة العظمى» فالإنسان «الخائن» هو يعارض رأي: «الحزب القائد» أو «الحاكم الواحد» أو «السلطان المطلق» يستخدمون ثقافة «من ليس معي فهو ضدي» وهي موجودة منذ أزمنة متطاولة، وينتج عندئذ من العصبويات العتيقة سواء أكانت عشائرية أم قبلية أم جهوية. وعقلية الفرز مضادة لعقلية الجامعة الواحدة والامة الواحدة والدولة الواحدة وإن رفع الكل شعار الجامعة والامة والدولة فالسلوك القائم على أُس التمايز الفئوي لن يؤدي الى تأصيل ثقافة التكامل الوحدوي والحد الأدنى المطلوب هو التكامل، وهو مستعبد من الخطاب السياسي على قاعدة «قيادة الطليعة أو قيادة الاكثرية أو قيادة الحزب».    

ورابعاً: تعزز العرف الشائع في الاذهان والنظام الرتبي فقط. تلك المنطلقات التي تؤكد على القناعة بالأمر الواقع، وتستجيب له، وتتكرر على مسامع المحرومين المستضعفين، وسرعان ما تحيلهم الى التفسيرات الموروثة، والنزعة الإستصحابية، والإجترارية المنحرفة التي لا تخلو من تأويلات إيكولوجية (ecology)، وتناقضات صارخة فضلا عن ابتعادها عن الحياة الحرة الكريمة. وهو ما جعل السيد الأستاذ الأكبر الإمام المجاهد رضوان الله عليه من خلال محاضراته الفقهية ينتقد هؤلاء السلفيين من «المفسرين» و«الفقهاء» الذين طفحت تفسيراتهم وتنظيراتهم بالتناقضات المرفوضة، والتأويلات المشجوبة معتبراً أياهم بلاءً على أبناء الأمة، حملت اساءات كدرع حصين وكدرع وجودي للسلطان الغصبي. طبيعي اذا كان يقدم لهم الخدمات، ويتمتعون بمعظم الامتيازات لا يطرحون من الدّين القويم سوى القضايا والاشياء، التي تؤكد هيمنة السلطان الغصبي في سبيل الاحتفاظ ببعض التوازن السايكولوجي (النفسي) مع المصلحة الشخصانية، بيد انها تحول دون نموها وانبعاثها من خلال ما تفرض عليها من الجمود والركود على حركة الفرد وبنية الجماعة.

وخامساً: الذين تناولوا القضايا والاشياء بالنموذج الأرسطي مشكلاتهم، ولم يستطيعوا اقناع الكل بما يطرحونه. فمدرسة «الفقهاء» والمتكلمون لم تقبل ما طُرح من حلول الفلسفة الأرسطية اطلاقاً. وراحت كل فرقة مذهباً مختلفاً. فالاشاعرة تبنت موضوعاً مختلفاً. 

وسادساً: ويبقى ما أقوله في أفق رأيي الشخصي، وربما قد لا يوافقني عليه البعض أَنَّ إعادة قراءة التراث تستدعي اعادة الاعتبار للعقل الاسلامي وجعله عقلاً حداثوياً.. لا عقلاً تخريفياً حمالاً للقراءات الشاذة، ولولا الأشعري وحربه على المعتزلي، والغزالي وحربه على الفلسفة والعقل، ولو استمر المعتزلة على نهج العقلانية والعقلائية، والجدل حول القدرية والجبرية. 

ونسأل لماذا لا يُعاد الاعتبار للمعتزلة؟ ألم يكن المعتزلة رواد العقلنة الموضوعية، وقد سبقوا بعدة قرون متطاولة مفكري عصر التنوير الأوروبي الذي ينسب اليهم تقدم الغرب الى أبعد الحدود. لما أنغلق عقل الانسان المسلم، ولما ابتلى المسلمون بــ«نظرية المؤامرة» والقاء كل انكساراتهم وهزائمهم وتخلفهم المرعب، وفشلهم على إنهاء هيمنة الاستكبار والكفر العالمي والماسونية والصهيونية العالمية. لكان وضع المسلمين يختلف اختلافاً كلياً الآن. فعقل الانسان المسلم سلفي ماضوي إتكالي يؤمن بالعقل المنفعل الذي لا يتأثر بالعقل الفاعل، مما أدى الى محاربة الفقهاء والمفكرين الجدد الذين يدافعون عن الحداثوية ويحاولون انتاج منظومة معرفية جديدة تتبنى ثقافة العلوم الانسانية والعلمية، وتثمن المجهود، وربط المجهود بالنتيجة كأساس للمراجعة والمساءلة.. أمر مهم في منتهى الضرورة. بيد أن تلك المثل مهمشة في منظومة ثقافته. نشير هنا الى أن هذا الإنسان المتخلف لا زال يؤمن بـ«الفقهاء» السلفيين المحافظين وهو يعيش في ظل وفعل العولمة الزاحفة في شتى مفاصل الحياة والتي من شأنها أن تؤدي الى تقليص المسافات بين الاقوام والجماعات، والتنميط المتسارع لكل الحاجيات الانسانية من مسكن وملبسٍ ومأكل، فضلاً عن الطفرة الرقمية والتقنية، والمواصلات والاتصالات والاعلام المقروء والمسموع والمرئي في الزمن الرقمي، والذكاء الصناعي، والاستنساخ البشري، والثورة التكنولوجية الرابعة، وانتقال ثقافات الشعوب بلا إستثناء. وخطاب الاسلام الحداثوي التقدمي بحاجة ضرورية ملحة الى التقريب بين العقليات والسلوكيات... والى التجديد والتطور العلمي التقني، وبمراجعة دائمة للمنطلقات الفكرية يُساهم في التجدد الحضاري ولا يغلق العقل مطلقاً، ولذا نرى لم تفلح المواقف الحديثة للسلفيين التقليدين الى مستوى المقاربة الجدلية، وبقيت نظرتها الى حركة التاريخ نظرة استاتيكية، وغاب من افقها المنظور الديناميكي. للبحث صلة.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0