اسرار استشهاد الإمام البغدادي
اسرار استشهاد الإمام البغدادي
س: هنالك أنباء تنقل عنكم بأن وفاة جدكم آية الله العظمى السيد محمد الحسني البغدادي لم تحصل في ظروف عادية، انما كان للسلطة الحاكمة دور فيها مع انه يوجد انطباع لدى البعض حينذاك بأن علاقة الإمام البغدادي مع السلطة كانت أفضل من علاقة السيد محسن الحكيم معها؟..
ج: في صيف 1970 أصابت السيد البغدادي وعكة صحية وعلى أثرها نقل إلى مستشفى اليرموك في بغداد.. وبقي فيها قرابة شهر ونيف في غيبوبة تارة، ويقظة تارة أخرى.
وبسبب هذا المرض العضال عزمنا على نقله إلى مستشفيات لندن.. وعلى هذا الأساس قدمنا طلباً إلى الجهات المختصة لحصول الرخصة بذلك، وبعد انتهاء المعاملة الأصولية والحصول على(الفيزا) غادرنا في الوقت المقرر النجف الأشرف متجهين إلى المطار الدولي، وبعد أن استقر بنا المقام في صالة الاستراحة قبل اقلاع الطائرة بساعة ونصف صدرت الأوامر من ضابط امن المطار بـ(المنع) لأسباب لا يمكن فهمها في تلك اللحظة الحرجة!..
وعلى أثر ذلك بعثنا وفداً على الفور برئاسة السيد حسام الدين الهادي إلى شبيب المالكي محافظ كربلاء المقدسة يستفسر عن الأسباب الرئيسية لمسألة المنع من المغادرة، بيد أن المالكي استغرب لهذا النبأ المفاجئ الذي لم يكن في الحسبان، وأعطى موعداً للاجتماع بـ((القيادة)) ليستفسر عن ذلك.
ومهما يكن من أمر، فقد فوجئنا في اليوم التالي بزيارة المحافظ، وكان برفقته خير الله طلفاح، وفريق من الأطباء الاختصاصيين برئاسة الدكتور محسن العاني(الطبيب الخاص للرئيس العراقي أحمد حسن البكر) وبعد إجراء الفحوص الطبية الدقيقة عليه بادرنا قائلاً: اطمئنوا السيد لم يكن مصابا بـ((مرض البروستات))، وإنما هو بحاجة إلى إجراء عملية جراحية بسيطة في المجاري البولية، وبالفعل استجبنا لقولــه وأدخلناه مستشفى مدينة الطب في بغداد، وأجريت له العملية على حسب ما يرام، وبعد سنة ونيف عاد المرض اليه، ودخل عدة مرات إلى مستشفيات بغداد، ويأس الأطباء ذوو الاختصاصات العلمية المختلفة.. بسبب تكلسات المجاري البولية والمضاعفات الأخرى التي أصابته نتيجة هذا المرض المزمن.
ولقد فكرنا مرة أخرى لأخذ الرخصة من الجهات المختصة لمغادرة القطر، فاجتمع السيد حسام الدين الهادي بالسيد عبد الرزاق الحبوبي محافظ كربلاء انذاك، واقترح عليه فكرة التداوي في مستشفيات أوروبا، ورحب بفكرة المغادرة أحسن ترحيب، ووعده بإنجاز المهمة بعد التشاور مع(القيادة)، وبالفعل زارنا وقدم لنا الكتاب الرسمي بالمغادرة خارج القطر.
وفي صباح الخامس من تشرين الأول 1972 ذهبنا إلى المطار الدولي وفوجئنا مرة ثانية بـ((المنع من السفر)) فكانت هذه المفاجأة في الحقيقة صدمة في حياتنا!.. ورحت أنا شخصياً أتحدث في سري: عجيب ألم يغادر قبله السيد محسن الحكيم(ت1970)، وكانت بينه وبين حزب السلطة مقاطعة بسبب اتهام ولده بالتجسس لصالح الولايات المتحدة الأميركية!!..
إذن صدق ما قاله لي بالأمس القريب الشهيد السيد ابراهيم الفاضلي صاحب تحرير مجلة العدل النجفية أن صداماً يكن الحقد الدفين على جدك حينما اجتمعت معه بالقصر الجمهوري سألته: لماذا بعد صعود السيد الحكيم إلى الملأ الأعلى دعمتم مرجعية السيد الخوئي في الوقت الذي يوجد هناك مرجعان كبيران السيد البغدادي والسيد الخميني، وهما العدوان اللدودان لشاه ايران، وبخاصة أنتم تتعرضون لتحرشاته باسم شط العرب، فأجابني صدام حسين:
إن الشيخ الخوئي فيه عيوب لا يمكن أن يتحرك من خلالها ضد(الحزب والثورة).. منها: انه تركي لا فارسي، فالشاه ينظر للعنصر التركي بـ((الدونية))، ومنها: انه يخاف من اقل واحد له صلة بالدولة، فكيف إذا التقى معه أعلى سلم في(القيادة)، ومنها:(...) وهذه العيوب لصالح مسيرتنا التقدمية التغييرية، يمكن تحجيمه في أي وقت إذا تحرك ضدنا، والشاه لا يتحمس له، ولا يدخل معنا في صراعات جانبية على حساب مصالحه في المنطقة.
وأما الشيخ البغدادي فمتعصب في تأييد ومساندة ممارسة طقوس الشعائر الحسينية، وتجمعات هذه المراسيم ليست لصالحنا.
وأما الشيخ الخميني: فيسعى لإسقاط الشاه، واقامة الدولة الدينية في ايران، وهي خطر علينا، وعلى الأمن القومي العربي بشكل عام.
س: ما الذي حصل بعد ذلك اي بعد خطوة المنع الثانية من السفر لهدف العلاج في الخارج؟..
ج: مهما يكن من خطورة هذا الحديث ومصداقيته، ففي مساء الأول من تشرين الثاني 1972م فوجئنا بزيارة غير مرتقبة للسيد عبد الرزاق الحبوبي محافظ كربلاء وكان برفقته حشد من المسؤولين أذكر منهم: العقيد فاروق مسؤول حزب السلطة، ومدير أمنها في المحافظة، وخضير البستاني مدير مصلحة نقل الركاب في النجف الشرف، وعبد الحسين الرفيعي عضو قيادة فرع بغداد لحزب السلطة، وعندما استقر به المجلس خاطب سماحة السيد البغدادي قائلاً: السيد الرئيس(يقصد أحمد حسن البكر) يستفسر عن صحتكم، ويدعو لكم بالصحة والشفاء العاجل، وهنا لم أستطع السيطرة على أعصابي فقاطعته بانفعال:
لماذا هذا الضحك على الذقون، اخرجوا من هنا بلا قال ولا قيل، فخيّمت على المجلس برهة صمت مطبق، والسيد لا ينطق بما جرى من حديث، بيد أني فوجئت برد لم يكن في الحسبان من الشيخ عبد الهادي العصامي، قال لي: كان من المفروض أن سماحة السيد يبادر بردنا، وليس أنت(يا شيخنا) وهذا التصرف غير لائق بشأنك، ولقد دهش الحبوبي من هذا الموقف المفاجئ الذي لم يكن في الحسبان، لأن لي معه صلة قرابة ولحمة في النسب، وعلت وجهه مسحة من اصفرار ولم يجب على موقفي!.. ولما خرج هو وحاشيته وأنا أحاسب نفسي على هذه الخطيئة السلوكية، ورحت أتساءل في داخلي ما الذي دفعني إلى ذلك، ولم أكن أصلاً قد فكرت لا فيه ولا بالرد عليه، وما هو ذنبه هو ذنب الطاغية صدام حسين، يريد عن قصد وعمد تصفية الحوزة العلمية ورموزها المتصدين بطريقته الخاصة؟!..
وكان في المجلس رهط من رجال الحوزة العلمية منهم: السيد عبد الأمير محي الدين الذي لا زال حياً ومن أئمة الجماعة والجمعة في قضاء نبل التابعة لمحافظة حلب الشهباء، وكان أيضاً السيد صادق نجف الحسيني، والشيخ جعفر آل راضي، والسيد علي الأعرجي، والشيخ حسن الخفاف، والسيد هادي كفاية، والشيخ علي عبود سميسم ولا تحضرني أسماء الآخرين.
ومن جراء ذلك التقى والدي في مساء اليوم الثاني عبد اللطيف الدارمي التميمي عضو فرقة حزب السلطة في كربلاء وهو يهدد ويوعد بـ((الاعتقال تارة والابعاد خارج القطر تارة أخرى) ثم ختم حديثه بوقاحة:((ان أبا حسنين طاغية في تصرفاته، وهو في خط منحنٍ، وعليه ألف علامة استفهام))، فرده والدي بما يستحق من اهانة وازدراء بما تفوه به.
وقد أخبرت جدي بما حدث بين الوالد والدارمي، وهو يصغي لي بكل إمعان وانتباه(رغم مرضه) لكنه لم يعلق بأي تعليق، بل التزم الصمت، ولم تظهر على وجهه إلا مسحة باهتة فيها نوع من الاستنكار، ولكن ليس فيها أي استغراب، كما أن جدي كان يتوقع مثل هذه التصرفات من رجال السلطة.
وفي أواخر شهر ذي القعدة عام 1392م للهجرة، المصادف ليلة السادس من كانون الثاني عام 1973 للميلاد توفي الإمام المجاهد المظلوم السيد البغدادي لأسباب غامضة بسبب اجراء العملية الجراحية الموضعية في منــزلـه من قبل الطبيب الأخصائي(فكرت)، ولا أتذكر كنيته أو لقبه إلا انه من أصل تركماني، ومهما يكن كنا نطمئن به باعتبار والده معتقلاً لأسباب سياسية، وعلى أثرها صدر الحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات إلا انه اطلق سراحه بعد فترة ليست بطويلة، واعتقد(والله العالم) انه كلف من قبل الأجهزة الأمنية لارتكاب هذه الجريمة التي لا تغتفر((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) صدق الله العلي العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإلى الله المشتكى ومنه نتمسك بدينه القويم.
السلطة
والمؤسسة الدينية الشيعية في العراق
حوار صريح مع سماحة آية الله احمد الحسني البغدادي
الطبعة الاولى 1422هـ ــ 2002م
المركز العراقي للاعلام والدراسات
سوريا ــ دمشق
ص 17 ومابعدها

