حسين كاظم الشبوط

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

حسين كاظم الشبوط

بطل الاهوار «المجهول»

 

 

كان مؤسسو العمل في الاهوار شجعانا من طراز خاص ومعدن فريد خاضوا المجازفات والبطولات والمتاعب، وقطعوا المسافات الطويلة، ووضعوا الخطط، عرفوا الطرق والمسالك، وشاغلوا دوريات الشرطة والامن العراقي آنذاك، بعيداً عن انظار العالم، بما فيه من صحف ومجلات، ولا من متع ورغبات!!! وانا حين اسهب في توصيفهم ياخذني الخجل، وتذوي مفرداتي، واشعر بخواء ذهني لاني عشتهم «ميدانياً»، فانا لم اقاتل معهم، بسبب ظروفي، وجاء احد خياراتي اللاحقة بعد حسم هذه الظروف بالالتحاق بهم، الا ان القدر، لا الارادة، لم يسمح لي في ما بعد ان انفذ قرار الالتحاق بهم، عشتهم «ميدانياً»، بمعنى انني شاهد على جهودهم المضنية، ومجازفاتهم البطولية، التقيتهم في دولة مجاورة للعراق، احاورهم، واواكب جهودهم ومجازفاتهم، وكان «حسين كاظم الشبوط» بقامته المشوقة، ووجهه الجميل، وكلامه القليل، وهمته العالية، وتاريخه الاصيل، وهدفه السامي، وارادته الصلبة، وعيونه الرامزة لمحنة العراق كله من بداية تاريخ البشرية حتى لحظة بداية الثمانينيات، التي مارس دوره التأسيسي فيه، كنت ارى في قسمات وجهه خريطة العراق وهمَّ النبوة يتفاعلان، يختلطان، يتدفقان اصراراً عنيداً على المنهج الحسيني لان الزمن الذي يعيشه كان زمناً حسينياً، وان ساعة الصفر الحسينية قد حانت، وان مسؤولية هذا الزمن... ليس فرار القادة الى ايران، بل التأسيس في الميدان، مهما تكن تحديات هذا التأسيس ومصاعبه.

الشهيد «حسين كاظم الشبوط» لم يكن ينظر الى المصاعب والتحديات على انها مصاعب وتحديات، بل ينظر اليها على انها علامات الطريق الى الاهوار... ساحته التي يزرع خلاياه فيها، ثم يعبر الحدود ذهاباً ومجيئاً، لتزويد هذه الخلايا بالسلاح الذي تحتاجه، فالبطل الناجح او «القائد العسكري الناجح» او الثائر الميداني الناجح ليس بالضرورة ان يكون خريجاً من «الاكادميات الحربية» يخضع لمناهج تدريسها، وهذا ما يجعلني استدعي مقولة لـ «باتون» ذلك الجنرال العسكري الامريكي «الفج» الذي لعب دوراً بارزاً وكبيراً في الحرب العالمية الثانية، ومقولته بسيطة جداً ومركزة في ذات الوقت، تنطبق الى حد ما عليك يا ابا علي، ومقولته هي «الحرب بسيطة جداً تقرر نتائجها الثقة بالنفس، والسرعة والجرأة. ولا يمكن لاي من هذه الصفات ان تكون مثالية ولكنها تستطيع ان تكون جيدة» هذا الكلام يمكن استعارته من جنرال امريكي متهور لايؤمن الا باميركا الامبراطورية «الاله» مع الفارق الكبير بينك وبينه، بقيمك ومبادئك ودينك...

الشهيد «حسين كاظم الشبوط» لم يعرف قيمته الا عدوه، الذي يقاتله بعد ما كبر تحدى الاهوار امام هذا العدو، الذي استنفر اجهزته المخابراتية والامنية في ملاحقته ورصده ونصب الكمائن له، حتى اللحظة التي اصطدم فيها باحد تلك الكمائن حيث طوقته الاجهزة من كل حدب وصوب، فواجه ازلام النظام البائد في مواجهة باسلة، قتل فيها عدداً من ضباط ومراتب المخابرات حتى نفذ عتاده، بلغ ثلاثة عشر شخصاً، عدا الجرحى، وبعدها اعتقل مثخناً بجروحه، ونقل الى المستشفى ليعود الى وعيه ليستوجبوه، حول ما لديه من معلومات، لانهم يعرفون ان معلومات الاهوار كلها في صدره، وكل وجودها اسسته يداه المجاهدتان الطاهرتان... الا ان ايمانه بالله عز وجل كان اكبر من مكرهم، فباغتهم بلحظة وعي ممزوجة بمعرفة الله عز وجل والانبياء، وجمع قواه ليمزق كل الخيوط الطبية التي ربطت على صدره وبطنه وجسده، بعد العلميات التي اجريت له، ليصبح في حالة من النزف الكفيل باخراج روحه الطاهرة «من جسده الشريف» فذهب الى ربه شهيداً في المثلث الودياني المصغر «الآدمي ـ النوحي ـ الابراهيمي» ارض جنوب العراق... في تلك اللحظات لم يقم نظام صدام حسين الفواتح على قتلاه، الذي سقطوا برصاص «حسين كاظم الشبوط»... بل اقام الحفلات الصاخبة في معظم مراكز المخابرات العراقية ومراكز (الحزب) احتفالاً وابتهاجاً بهذا «الانتصار» الذي حققه، وقد سمي هذا اليوم بـ «يوم الاعراس» لدى هذه المراكز... ولم تدر تلك المراكز ان اعراسها هذه لن تدوم، فـ «حسين كاظم الشبوط» ارسى نواة الاهوار الثورية قبل استشهاده، واكمل مراحل التأسيس في المناطق التي عمل فيها... وان عجلة الاهوار الثورية ستسير بفضل ارسائه وتأسيسه بسرعة مذهلة وان نواة الاهوار ستكبر في وجه النظام كتحد، واستلم الراية من بعده اخوه «ابو مهدي» الذي فارقته منذ ايام الدراسة المتوسطة، ثم بعد ذلك «ابو حسين الوائلي» الذي وحد فصائل الاهوار وخلاياها تحت زعماته...

هكذا كانت قصة الاهوار في التأسيس، فلا «حزب الدعوة الاسلامية»، ولا «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق»، ولا اي عنوان حركي اسلامي آخر، كانت له علاقة بهذا التأسيس، فالعسكري والآصفي وباقر الصدر والكوراني وفضل الله والحائري والمدرسي واسماء «القيادات» الاخرى ما رأى اي منهم الاهوار، ولا زارها، ولا فكر فيها قبل خروجه من العراق...

وهؤلاء كلهم، لاسيما زعامات حزب الدعوة الاسلامية والمجلس الاعلى، الذي «حقق في نهاية المطاف ثوريته فرفعها عن اسمه في ظل الاحتلال الاميركي للعراق»!! حاولوا ان يدعوا ان لهم صلة مع الاهوار في التأسيس، وما بعده، واذا كان بعض كوادر حزب الدعوة الاسلامية لهم علاقة ببعض مؤسسي خلايا الاهوار، فان هذه العلاقة لا تصح لأي ادعاء بان احداً من مؤسسي فعل الاهوار هؤلاء، كان قد تحرك بقرار دعوي، ولامر كما قلنا، جاء في سياق من التطوع الذاتي لهؤلاء المؤسسين لفعل الاهوار، وحتى عندما اجتازت الاهوار مرحلة التأسيس الثوري، لم يكن احد من قادة حزب الدعوة الاسلامية يجرؤ على التفكير في ان يعبر ايران الى الاهوار للتنسيق مع قادته، وقد حدثني «ابو حسين الوائلي» ـ زهير الوائلي ـ عندما كان على رأس مجموعات الاهوار الثورية بانه ارسل ذات مرة مندوباًمن قبله يحمل رسالة الى قيادة حزب الدعوة الاسلامية في ايران، قبل انتهاء الحرب معها، يطلب فيها ان يأتي احد اعضاء هذه القيادة الى الاهوار لدراسة اية صيغة تنسيقية للعمل معهم، فجاءه الرد عبر المندوب، الذي عاد اليه من ايران بالقول «من يضمن امن وسلامة القائد الدعوي المطلوب زيارته اثناء وجوده في الاهوار» !!! هكذا اذن، وهكذا كانت الحال، ان ارواح القادة الدعاة «غالية ومقدسة وثمينة»!! فيما كانت ارواح قادة الاهوار وثوارها واجسادهم تحت قصف طائرات صدام حسين حين كانت تقوم يومياً بعشرات الطلعات الجوية، ومدافعه تدك الاهوار بشكل متواصل بالحمم والقذائف!!!

كان منطق البيع والشراء، هو المنطق الوحيد، الذي تعاطى به قادة حزب الدعوة، وقادة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، وقادة «الاطلاعات الايرانية» فيما بعد، مع ثوار الاهوار، وحين كان هذا المنطق ينتمي الى الفشل، كان شراء بعض الاشخاص داخل الاهوار هو البديل، لا لكي يواجهوا النظام، ولكن لكي يرفعوا التقارير، فضلاً عن المشاكل التي تترتب على وجودهم في اطار وحدة القرار الثوري في الاهوار. كان ذلك طبعاً بعد انتفاضة عام 1991م، حيث دفعت هذه الانتفاضة حزب الدعوة والمجلس الاعلى و «الاطلاعات الايرانية» التي زرعت بعض المجموعات في الاهوار التي كان لها دور ريادي في حدث الانتفاضة، وواصلت الاهوار بعدها دورها بوجوه جديدة، وكان دور «السيد ياسين الموسوي» السلبي التابع للمجلس الاعلى، لا يعرفه الا ثوار الاهوار.

هكذا كان تاريخ مرحلة عشناها، تاريخياً غير مكتوب، ولم يكتب شيء عن صناعه الحقيقيين، فمن يعرف اليوم في الشارع العراقي اسم «حسين كاظم الشبوط» مؤسس الاهوار وبطلها المجهول، الا وثائق السلطة التي انهارت، ورجال المخابرات القدامى، الذين فروا بعد الاحتلال، فما بين فرار هؤلاء الرجال او قتلهم، وبين حرق تلك الوثائق لا يعرف العراقيون تاريخ بلدهم القريب وابطاله، فضلاً عن البعيد، كما عرف «جيفارا» و «هوشي منه» في بلدانهم، وكما عرف ثوار الثورة الاسلامية في ايران، وكما عرف ثوار «حزب الله» كالشهيد «عماد مغنية» وكما عرف الثوار الفلسطينيون كالشهيد «احمد ياسين» وغيره.. فمعرفة الحقيقة «محرمة» في العراق، ومعرفة التاريخ الحقيقي «محرمة»!!

وحين تكون معرفة التاريخ وكتابته «محرمة»، تكون قراءة المشهد العراقي المعاش صعبة ومشوشة، ويطغى صوت «المعارضة العراقية» حيث تحولت الى سلطة « موظفة لدى الاميركان»، وسنمر على فصول ادائها لاحقاً، على ضوء «الفيالق الخمسة» التي دمرت وحرفت وظيفتها الثورية وادائها الثوري، واذا كان لكل «فيلق» ثوري من هذه الفيالق قصة تدمير وتحريف مررت باقل قدر من الضجيج، فان قصة تدمير «فيلق الاهوار» الاساسي كانت مدوية، وتطلبت جهود الجميع، اميركا وصدام و «المعارضة» القديمة وبعض الدول الاقليمية للاجهاز عليه، كما توضح لنا صرخات مقالات كتبناها حول الاهوار في العراق، في زمن ما بعد الانتفاضة الشعبانية حتى تدمير بيئة الاهوار.

وصلتني رسالة اعلام وتعزيى حينها من «عدنان الاسدي» الذي شغل بعد احتلال اميركا العراق منصب «وكيل وزير الداخلية» حول استشهاد «حسين كاظم الشبوط»، ولا بأس ان يطلع القارئ عليها بعد اكثر من عقدين ونصف على كتابتها، علماً بان «عدنان الاسدي» كان حينها يعمل في صفوف حزب الدعوة الاسلامية، ومع انني لم اعد في الحزب منذ غادرت العراق، الا ان علاقتنا كانت اكبر من «اي خلاف» آنذاك، وهو ـ عدنان الاسدي ـ الذي كان يقيم في سوريا حينها عاملاً في صفوف «حزب الدعوة» كتب رسالته إليّ من وحي المرحلة التي كان يعيشها، وعلاقته «الخاصة» بي من جهة، وبالشهيد «حسين كاظم الشبوط» الذي لم يكن آنذاك في حزب الدعوة من جهة اخرى، فجاءت نصوص رسالته من آلام تلك المرحلة، التي اختار «حسين» فيها خياره الخاص دون ان يلتفت يميناً، او شمالاً، ودون ان ينتظر استشارة او «امراً» من احد، ودون ان يبحث عن داعم خارجي له، لم يتحدث عن «ايران الثورة» فضلاً عن ان يفكر في الرحيل اليها «مهاجراً» او يراهن عليها او يأبه بالمعارضة العراقية المتواجدة فيها... لم يفكر في شيء الا في الاهوار ملجأ ومكاناً ثورياً، يريد ان يخلق «العراق الثوري» بيده وجلده ولحمه وارادته التي لا تلين.. هو «حسين كاظم الشبوط» لا ينطق بذلك، لكن فعله وحده، هو الذي ينطق بكل هذه الاشياء... كانت ثقته بنفسه وزملائه الذين يقودهم الى هذا الحد، وتراه يؤمن بتحدي «التأسيس العراق الثوري» واجاده بشكل لا اعتقد ان هنالك شبيهاً له، ولم اقرأ في تاريخ الثوار ما يشبه ثقته وتحديه و «غربته».

كان مؤمناً بان كل امكانات العمل وادواته وخططه يجب ان تكون عراقية، اسس تجربة الاهوار وابدعها وانتجها، وفيلقه الاساسي، وفيالقه الفرعية، وبذلك ارسى نواة تاريخ العراق الثوري في مرحلة من احلك المراحل، وفي ظروف داخلية كان من «المستحيل» ان يحصل فيها ما حصل على يديه الطاهرتين، وعقله الكبير، وارادته الصلبة، وثقته بنفسه وبصدره الذي خبأ الحسين (ع) فيه عملاً لا ادعاءً، وبوعده الذي قطعه لثائر العراق الكبير الشهيد «محمد باقر الصدر» «نية» لا كلاماً، لذلك هو وحده لا غيره، الذي اوجد «عرس البعثيين» الاكبر، هو، هو وحده، الذي اعترف به صدام حسين خصماً لدوداً استحق هذا «العرس».

وعودة الى رسالة «عدنان الاسدي»، فهي جاءت كالتالي:

بسمه تعالى 

جناب الاخ الفاضل اخي ابو فداء المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. تحية واحترام وشوق واخلاص منذ ان نشبت اظافري المحنة فينا، وتعملقت قسوتها علينا، واصبحت طائفاً يخشى منها، وهولاً مرعباً يتهرب منه، وحالنا من سيء الى اسوأ، فبين فيء مسلوب وحق مغلوب واركان مهدمة واعمدة محطمة فنفوسنا تغيرت وتعاملنا تبدل وعلاقتنا تأطرت بأطر لا حد لها ولا عد، وغزى الشك نفوسنا المطمئنة، وتعرى الذبول الشفاة المرتوية،  وتحركت العيون المتعبة في شتى الاتجاهات علها تجد فريسة سهلة تتسلق عليها، ومادة دسمة تعطر بها موائدها وجلسات عملها وسمرها، او سلعة رخيصة تتاجر بها وتقتات منها وفرغت تلك القلوب المفعمة من اغلب ايمانها، وخسرت ما جاهدت من اجلها وتحملت في سبيله وتغير الميزان واختلف المقياس وتلبدت غيوم داكنة فوق السحاب وكلما تقشع يسير تراكم الاكثر منها، وغزتنا وجوه وافكار لم نعرف لها طعماً وحلاوة ومكاناً ايام صرعنا المرير وتكلم (.........) في آخر المطاف عله يحقق غايته بخور الهمم وخواء النفوس ومتاهة التفكير.

ثم ادلهم الخطب واسود ظلامه وعسعس المستقبل، فكلما نفذ بصيص من نور تاه في وسط المدلهمات، ولولا فسحة الامل بالله ووجود الاخيار القلة لعدمنا الحياة ولسئمنا وجودنا وبقاءنا بعد ذهاب تلك الوجوه المنيرة والاحبة المخلصين والاكف الامينة، فكلما مر زمن قل من بقي لنا، اخوة، اقارب، اهل، واني لاحكي لك ما في نفسي وما حل بها، فمصيبة تتلو مصيبة وفقداناً يتلو فقدان، فاين الاعزة من اخواننا واين الأَطياب من اهلنا اختارهم الله لانهم أَفضل منا و لانا اتعبناهم، واني اذ انعى اليك خبر استشهاد حبيب من احبائنا وعزيز لنا أَلا وهو البطل المقدام «ابو علي شبوط» في مواجهته مع ازلام النظام حيث اطاح لوحده اكثر من (14) جيفة وجرح آخرين وأُخذ جريحاً الى المستشفى ولكنه مزق الخيوط الطبية واحشائه ورفرفت روحه الى السماء لانها سئمت الارض فهنيئاً له وتعساً لنا.

اخي العزيز ابو فداء

هذه شقشقة نفسي لا غير لا اعني بها احداً وحديثها كلما خلوت بها ولانك اقرب الناس اليه واكثرهم ترتاح اليه نفسي فلطالما تناغمت وتناجت ارواحنا واني لاعرفك باخلاصك وتحرقك ومهما يعاني البحر من لفح الهجير لا يجف ومهما يصعق برداً لا يزلزل الجبل الاشم.

ولا تحسب انقطاع الرسائل هجراً او قطيعة لكنه شيء في طبعي المذموم حيث اني لا احب كتابة الرسائل لامور منها كثرة المشاغل «الطربكة» والثاني لاني اخط الرسالة بقلبي واعتصرها من دمي وهذا ما يهيج احزاني وآلامي .

فالرجاء المعذرة والمغفرة ولا يقول لك باني سأحرر لك في كل شهر رسالة ولكن تقبل من اخيك المقصر بحقك هذا تقبل منا الاعتذار وسلام الاخوة جميعاً ابو خضير، وسيد باقر، وعدنان ردام وضعه جيد وهو معي في كل شيء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اخوك المقصر ابو حسنين

لم اجب على رسالة عدنان الاسدي في حينها، لانه يعرف جيداً انني انا «المعزى» بالمصيبة ويعلم اننا كنا نعيش تلك المرحلة بين «وحوش» في الداخل، و«وحوش» في الخارج ـ والكلام ليس اطلاقياً ـ «وحوش» الزعامة في الداخل، «وحوش الزعامة» الهاربة من هذا الداخل معتاشة على قيح دماء الثوار العراقيين باسم الدين وازيائه، وباسم الحزب وتاريخه وباسم النجف وعليها (ع) وباسم كربلاء وحسينها، وباسم «الولاية» ولاية الفقيه، وجوقتها التي لم تعرف من الاهوار الا اسمها ..فهي دفنت مؤسس الفعل الثوري في الاهوار وكفنته بيدها، دفنته تاريخياً، لكي لا يفتح ملف «التواريخ» الجهادية، فملف الشهيد «حسين كاظم الشبوط» هو وحده الكفيل بفتح الملفات كلها او على الاقل تصفيرها، كما يفضح «ضخامة» الادعاءات النضالية لاسيما تلك التي تستعير دم الشهيد «الصدر الاول» «انتماءً وهتافاً» وتحضر نفسها ممثلة له، لكن ليس عبر الاهوار التي كانت ميدان مواجهة ضارياً مع السلطة الحاكمة آنذاك واجهزتها وآليتها الحربية لاسيما المدفعية والطيران الذي يزورها يومياً بعشرات الطلعات «العشوائية» مع بروز الفجر وغياب الشمس وبينهما...

انها لم تستعر الشهيد «الصدر الاول» الا «صراعاً قيادياً» و «احلاماً وردية» بالزعامة، ورهاناً على الجمهورية الاسلامية التي «ستقدم» لهم سقوط نظام صدام حسين على طبق من فضة كهدية لـ «غربتهم» التي عاشوها في بعض «قصور ازلام النظام الشاهنشاهي القديم» خلاف جمهورهم من «المعدان» الذي عاشوا «الجبهة» و«الحوزة» لـ «اداء واجبهم النضالي الديني»!! فما الذي يتوقعه المرء بعد ذلك كله؟ وهل يستغرب ان تدفن المعارضة الاسلامية في طهران آنذاك الشهيد «حسين كاظم الشبوط»؟ انها دفنته اكثر من مرة، مرة عندما بقي مؤسساً مركزياً لميدان الاهوار، ومرة اخرى عندما «تخلصت» منه، لان وجوده بطبيعته وجود يفضح زعامتهم، وقصورهم ومرة ثالثة عندما مررت استشهاد «حسين كاظم الشبوط» بلا «صراخ» ولا (إِعلام) ولا تغطية لمثل هذه النكبة التي نكب بها العراق، كل العراق، دون ان يعرف ذلك الا الثوار من زملائه، فلا اتذكر ان أَحداً من هؤلاء القادة «السادة» وغير «السادة» ذكر اسمه حين استشهد ولو خطاً، فضلاً عن أَحدٍ منهم لم يذرف عليه دمعة، ولم ينطق كلمة يستحقها هذا الفارس المجهول الذي اوجد لهم قضية، هي قضية الاهوار واعتاشوا عليها بعد حين لقتلها في «بازار السياسة الدولية» بدلاً ان يعيشوها على اقل تقدير ندماً على ما فاتهم ، واستثماراً لما اسسه وارساه من فيلق قتالي ارهق السلطة.

بهدوء مريب وبصمت اكثر ريبة مر خبر استشهاد «حسين كاظم الشبوط» لم يحي ذكراه الا صدام حسين واجهزته الامنية «عرساً بانتصارهم» وقد طويت هذه القصة مع سقوطه وحرق ملفاته، في حين ان زعماء المعارضة العراقية آنذاك في طهران الذين تحولوا الى سلطة موظفة لدى الاحتلال الاميركي، لم ينغصهم استشهاد «حسين كاظم الشبوط»، بل لعله، ربما افرحهم؟! كانت اشيائهم كلها تسير على وتيرتها المعتادة فيما تتولى الكدمات والصدمات بسقوط ثوار البلد الذين لا يعرفهم هذا البلد ما بين «الزنزانات» حيث كان لها بطل آخر هو الشهيد «عبد الامير غالي» الذي له قصة اخرى بين ميدان الاهوار وزعيمه بقي زعماء المعارضة ذاتهم حتى اصبحوا «حكاماً» وعرفهم الشعب العراقي عبر شاشات التلفزيون، لا عبر منتجاتهم المعرفية، فكان قدراً لهذا الشعب ان يجهل حقائق بلده عبر التاريخ، وصولا الى الحاضر.

ابا علي: وعودة الى زميلك عدنان الاسدي، فانه كان صادقاً في ما نطق في رسالته الآنفة الذكر، ايام الحرب العراقية ـ الايرانية، فـ «نفوسنا تغيرت وتعاملنا تبدل وعلاقتنا تأطرت بأطر لا حد لها ولا عد، وغزى الشك نفوسنا المطمئنة، وتعرى الذبول الشفاة المرتوية، وتحركت العيون المتعبة في شتى الاتجاهات علها تجد فريسة سهلة تتسلق عليها، ومادة دسمة تعطر بها موائدها وجلسات عملها وسمرها، او سلعة رخيصة تتاجر بها وتقتات منها»... كان «عدنان الاسدي» صادقاً في ما قال في حينه، وفي ما خاطبني به بمفرداته المارة، فهو كان اكثر المنكوبين بثلاثة ورود شهداء من اخوته، وهم الذين تعرفهم رياض وسعد وفائق، اضافة الى شقيق زوجته، والى والديه الذين وافتهم المنية قهراً وكمداً على تلك الورود التي استشهدت في زنزانات صدام حسين، وعباراته تلك كتبها وهو يقيم في سوريا حيث كان يعيش اوساط حزبه، وشكواه المرة المارة كانت ترمز الى «رفاقه في الحزب» لا الى «علمانيين» او «اسلاميين» تأطروا في حينها بأطر عديدة، فما كان يسمى «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق»، لم يكن له الا وجود رمزي من خلال «عامر الحلو» الذي ترك دمشق بعد تلك الرسالة بفترة غير طويلة، وغادر متسلحاً بعمامته الى النمسا، ومعروف ماذا يعني «التسلح بالعمامة».

عدنان الاسدي صادق في كلامه الذي ورد في رسالته حيث يقول «تغير الميزان واختلف المقياس وتلبدت غيوم داكنة فوق السحاب، وكلما تقشع يسير تراكم الاكثر منه، وغزتنا وجوه وافكار لم نعرف لها طعماً وحلاوة ومكاناً ايام صرعنا المرير وتكلم «.........» في آخر المطاف».

ثم «ادلهم الخطب واسود ظلامه وعسعس المستقبل، ولولا فسحة الامل بالله ووجود الاخيار القلة لعدمنا الحياة ولسئمنا وجودنا وبقاءنا بعد ذهاب تلك الوجوه المنيرة والاحبة المخلصين والاكف الامينة» وأين الاعزة من اخواننا واين الأطياب من اهلنا اختارهم الله لانهم أفضل منا واراحهم منا لاننا اتعبناهم». 

نعم يا «ابا علي الشبوط» كان ابو حسنين «عدنان الاسدي» صادق في كلماته حينها، لانه الاكثر منا نكبة وها هي عباراته تصف تلك المرحلة التي شتان ما بين حال العراق في حينها وعراق اليوم، فتلك المرحلة كان «زرعك الثوري» فيها ينمو واطرها اقل من اطر العراق اليوم مئات المرات، وكان زرعك فيها قدراً الهيا محتوماً امتداداً لدماء «الشهيد محمد باقر الصدر» فنما عوده بسرعة مذهلة واعطى ثماره «العراقية - الاسلامية» الصافية وانتصب تحدياً دارت عليه دوائر الكون بمعظمها لكي تتخلص من الاهوار وما فيها، ثم لتجفف ماءها ثم لتقطع قصبها المصفوف بتصميم الهي قل نظيره في هذا الكون ليس في اول حادثة كونية في تاريخ العراق، يعرف الذين فعلوها ان لها آثاراً بيئية فاعادوا اليها مضطرين «ماءً آسناً»، بعد ان قضوا على ثوارها جزئياً... ولا يعرفون ان منطقة الاهوار هي من تصميم الله عز وجل، ومرتبطة بحاضنته المكانية في هذه الارض، بيئة ونبوة وقصباً ونخلاً وغذائاً، اذ انها كانت مكان آدم ونوح وابراهيم (ع) «الابتلائية» الذين عاشوا حياتهم بين قصبها المصفوف الهياً، وسمكها الذي تحضنه غذائياً وتمرها، فما بين نخيل العراق وقصبه عاش هؤلاء الانبياء (ع) دعوة وثورة وصموداً وابتلاءً منذ بدء الخليقة حتى اليوم الذي تقطعت فيه رؤوس النخيل، ومات فيه قصب الاهوار «معانداً» لقد عبر «عدنان الاسدي» بطريقته التي مرت معنا آنذاك وهو قد لا يعلم بمدلولات مجزرة «القصب والنخيل» اللذين يمثلان «اغنية» الطبيعة العراقية، و«جنة عدن الاولى» ودفء النبوة المبتلاة الرامزة لهذا الوجود الكوني «بدايته ونهايته»، وهو اليوم «عدنان الاسدي» اقدم وكيل لـ «وزارة الداخلية العراقية» في ظل الاحتلال الاميركي «شاهد» على هذه المجزرة، مجزرة النخيل والقصب.. وربما بامكانه يا اخي ابا علي ان يحاورك على ضوء رسالته الآنفة التي كنا، انت وهو وانا، اطرافها الثلاثة، ولا اعرف اذا ما كنت انت قادراً على محاورته «وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ» سورة آل عمران: 169. لكنها حياة الآخرة وعليائها وخلودها التي لا اعرف اذا ما كانت تسمح لك بمحاورتها، واذا ما كانت حوار الدنيا والآخرة للبشر العاديين امر غير وراد، فان حضورك عبر رسالته يكفي لهذا الحوار فللشهيد من امثالك حضور قوي مهما يطل الزمن في اعماق من عاشك او عايشك ومثل هذا الحضور يمثل ضاغطاً اضطرارياً على حوارك فانت واياه «تتفاهمان» وربما انت في عليائك وخلودك تعلم ما لم نعلم نحن ونكون والعياذ بالله من الذين «خَتَمَ اللهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ» سورة البقرة: آية 7. اما انا يا ابا علي فقد حملت قضية الاهوار كلاماً وصراخاً الى «قوم لا يسمعون» وسجلتها حروفاً من الدم الى قوم لا يفقهون «فَمَا لِهَـَؤُلآءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» سورة النساء: آية 78. واعني بـ«القوم» القادة الذين تاجروا بالاهوار وصانع الاهوار الاساسي معلمنا الاكبر الشهيد محمد باقر الصدر في اجتماعات «العهر السياسي الدولي» فحملوها سلعة للبيع او المساومة في دهاليز السفارات والسفرات السرية الى دول الغرب وعلى رأسها اميركا التي «زينت ارض  الديمقراطية النوحية» بدمقراطية الدم فاصيب العراق من بعدك بالتصحر والتلوث واصبحت ارضه ارضاً مسلطنة باليورانيوم المنضب السائل في اجساد اجياله جيل بعد جيل، واصبح شعبه جيشاً من الارامل، وآخر من الشحاذين، وثالث من العاطلين عن العمل، ورابع من مدمني المخدرات، وخامس من عصابات السرقة والنهب، وسادس من اصحاب «الزواج المثلي»، وسابع من «المصلين بوجبة غذاء» او «كارت تلفوني»، وثامن من المهجرين في داخل بلده وخارجه، وتاسع من مليشيات العمائم السوداء والبيضاء التي جزر بعضها بعضاً تحت العنوان الطائفي، وعاشراً من مئات الاطر في «العملية السياسة» و«المعارضة» لها... الى هنا لا استطيع، يا ابا علي، ان اكمل «التعداد»، معك ولا استطيع ان ادخل في التفاصيل والمواصفات، فقلمي لا يستطيع ان يختزل جريمة العالم بمعظمه بكلمات، ولا يستطيع ان يعبر عن العراق بجمل قصيرات، فقد اصبح بلدك اعلاناً تلفزيونياً مدفوع الثمن على الشاشات، لا شاشات العراق، بل شاشات العالم العربي والاسلامي.

 

 

العراق

وادي الانبياء.. ووديان النبوة

عادل رؤوف

الطبعة الرسمية الاولى

الصفحة 17 وما بعدها

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0

المزيد في حسين الشبوط