تقييم الكاتب السيد عادل الياسري صاحب كتاب “جهاد السيد نور الياسري” لسماحة الفقيه المرجع السيد احمد الحسني البغدادي بيان ثبوت هلال شهر شوال الأغر في الثقافة الدينية.. إضاءات وتأملات تفسيرية جديدة بيان حول حلول شهر رمضان المبارك بيان حول حلول شهر رمضان المبارك كلمة مودة فقيه ناقد لن يهدأ رسالة تقييم حول الاصدار الجديد في الثقافة الدينية زيارة الدكتور امير العطية والوفد المرافق له لسماحة الفقيه المرجع القائد دام ظله في الثقافة الدينية

«دين العقل وفقه الواقع» لعبد الحسين شعبان (2)

«دين العقل وفقه الواقع»  لعبد الحسين شعبان (2)

«دين العقل وفقه الواقع»  لعبد الحسين شعبان (2)

 

تضمّن كتاب «دين العقل وفقه الواقع» ثماني عشرة مناظرة بين الدكتور عبدالحسين شعبان والسيد أحمد الحسني البغدادي – ومع أهميتها – فإنه لن يكون هناك مجال للاطلاع على تفاصيلها، لذا سأكون انتقائياً، وأبدأ بالمناظرة التي كان موضوعها «مصادر التشريع والإجماع والشهرة».

فالتشريع الإسلامي – وربما أي تشريع – يعتمد على مجموعة قواعد مستقاة من نص شرعي أو اجتهاد فقهي. والاجتهاد يعتمد على خبرة المرجع الدينية واللغوية. لكن وفي معظم الأحيان يقوم الفقه التقليدي بتجميد الوقت. فالتفسيري الماضوي أكثر ثقة ومحبب لدى المدارس التقليدية، لكن السيد أحمد الحسني البغدادي ليس تقليدياً في هذا المجال، ويرى «أن الشريعة ليست مغلقة أمام الفعل الإنساني، ولا بد من استيعاب معمق لمقاصدها... فهي ليست طقوساً جوفاء أو ممارسات بلا روح، بل إن لها أهدافاً صائبة يفترض بها أن تنسجم مع مقاصد الشريعة». وفي هذا المجال، فإن للحسني البغدادي كتاباً بعنوان «التفسير المقاصدي: تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد». والمعروف أن أبو إسحق الشاطبي، المتوفى 790 هـ، هو الذي كان رائداً في تقديم علم المقاصد. وما قدمه في مجال التفسير المقاصدي اعتمد عليه محمد عابد الجابري كثيراً في تمييزه للمدرسة المغربية في كتابه «بنية العقل العربي».

ويشرح شعبان في مناظرته مع الحسني عن مصادر التشريع: «يرتبط فقه المقاصد بعملية استنباط الأحكام الشرعية عبر الواقع، وبالتالي فإنه فقه الواقع لأنه يستجيب لمتطلبات، آخذاً في الحسبان حياة البشر وغاياتهم ومثلهم العليا وقيمهم الإنسانية عبر تدبير شؤونهم بما ينسجم مع ذلك باستخدام العقل».

وأرى أن الفكر المقاصدي لا يمكن أن يأخذ حقه في المساحة الذهنية لدى طلاب الشريعة من دون اطلاع هؤلاء الطلاب على مجالات علمية أخرى. فطالب الشريعة سيتسع أفقه ويتنور تفكيره عندما تتسع دراساته إلى العلوم الاجتماعية، مثل علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ. ففقه المقاصد يتطلب قاعدة علمية أوسع.

وفي هذا المجال، أود أن أشير إلى كتاب، نشره أخيراً الدكتور ساري حنفي ـ أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأميركية في بيروت - بدعم مادي من مركز نهوض في الكويت، بعنوان «علوم الشرع والعلوم الاجتماعية: نحو تجاوز القطيعة». فاجتهادات طلاب الشريعة الذين درسوا العلوم الاجتماعية ستكون مختلفة عن اجتهادات من اقتصرت دراستهم على علوم القرآن والحديث الشريف. فالدين وفقاً للسيد أحمد البغدادي «جاء بثورة رسالية انبعاثية تغييرية شاملة في مواكبة مسيرة الحراك المجتمعي الرافض لكل جمود ورجعية». ويضيف شعبان مقتبساً من كتاب البغدادي «التفسير المقاصدي» أن هناك جهوداً للمحافظة على فتاوى تقليدية خوفاً من اضطراب الثابت في علم الفقه.

وفي المناظرة عن «الدين بين المقدس والمدنس»، كان النقاش حول مدى تأثير الدين في المجتمع، وسأل شعبان الحسني عن رأيه في التقديس، الذي يحاول بعض المعممين اقتصاره على أنفسهم. وتساءل: ما الجهة المنظمة أو المؤسسة التي تمنح هذه الألقاب، ووفقاً لأي معيار؟ وشبه شعبان تهافت كثير من رجال الدين على هذه الألقاب بتهافت الكثيرين على الشهادات العلمية الجامعية بعد احتلال العراق. ويرى شعبان أن منح لقب «آية الله»، الذي يطمح إليه الكثير، هو من صنع رجال الدين أنفسهم. لكنه يؤكد عراقة مدرسة النجف في تأكيدها على حرية التفكير والبحث العلمي والاستقلالية، مقتبساً من محمد فاضل الجمالي، الذي درس في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة بعد أن درس في النجف، قوله: «انه لم يجد ما يضاهي مدرسة النجف من حرية واستقلالية، وفي ترسيخ المادة العلمية في ذهن الطالب، وتكوين شخصيته، وترك الأثر العميق في حياته».

وفي المناظرة حول «نقد مبدأ التقليد»، يشرح شعبان أن البعض يعدها من الثوابت، لكنه لم يجد لها أصلاً، لا في القرآن ولا في السنة النبوية. ويتساءل: ماذا سيكون موقف المقلد عندما تختلف المرجعية الدينية مع المرجعية السياسية؟ مشيراً إلى انقسام الآراء حول التقليد بين المقلدين للخوئي ومحمد باقر الصدر. هذا مع أن أغلبية فقهاء الشيعة يميلون إلى التقليد، وأهم من عارض التقليد منهم كانوا: علي شريعتي والمفكر العراقي عادل رؤوف والسيد أحمد الحسني البغدادي وآية الله محمد مهدي شمس الدين.

ولعل من أهم المناظرات بين شعبان والحسني كانت حول الطائفية والتمذهب، خصوصاً في العراق. ويفرق الاثنان بين الطائفة والطائفية. فالطائفة تكوين تاريخي وامتداد اجتماعي وفهم معين للدين. أما الطائفية، فتوجه سياسي يسعى إلى الحصول على امتيازات أو مكافآت باسم الطائفة. ويستنكر الحسني البغدادي العودة للتاريخ لزرع عواطف الكراهية، وفي هذا المجال يصرح: «لا نريد العودة إلى اجتماع سقيفة بني ساعدة، ولكن لا بد من استلهام العبر وفتح الحوار على مصراعيه، وصولاً إلى التوافق في إطار سعي جاد وبحث مسؤول في المشتركات الإنسانية، وحيث لا يمكن الاتفاق على الماضي، فلندع ذلك للتاريخ والباحثين المتخصصين، ودعنا نتفق على الحاضر».

وينتقل النقاش إلى الوضع السياسي الراهن في العراق، وبالذات إلى تشكل الأحزاب الشيعية الطائفية، وهيمنتها على مفاصل الحكم في العراق بعد 2003. وإن كان هناك عقل باطن لهذه الأحزاب، فإنه كاد يصرح بأن العراق لا بد أن يحكم من الشيعة، ومن الشيعة فقط.

وفي هذا المجال، يرى الدكتور شعبان «أن مشكلة الحركة الدينية الشيعية في العراق أنها ترى أن مشكلة العراق الأساسية هي الطائفية.. إنما نرى أن المشكلة هي سوء الحكم وفساد الإدارة وانعدام سيادة القانون وضعف المواطنة». ومن خلال هذه المناظرة، يتفق الاثنان - شعبان والحسني - على أن مظاهر العزاء الشيعي، التي ظهرت بكثافة في السنوات الأخيرة، ليست لها علاقة بالتشيع.

فيرجع مرتضى المطهري، في كتابه «الجذب والدفع في شخصية الإمام علي»، مظاهر مثل التطبير والطبل إلى أنها عادات أتت من مسيحيي القوقاز، ويرجع علي شريعتي، في كتابه «التشيع العلوي والتشيع الصفوي»، هذه المظاهر إلى أن إسماعيل الصفوي (1501–1524) استحدث وزارة خاصة بالشعائر الدينية، وأرسل وزيرها إلى القوقاز للاطلاع على الشعائر الدينية المسيحية، فوجد فرقاً مسيحية تقوم بالتطبير إحياء لعذابات المسيح، فنقلها تجسيداً لمصيبة الحسين وآل بيته في عاشوراء.

وفي النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن السيد أحمد الحسني البغدادي كان من رجال الدين، الذين رفضوا التعاون مع سلطات الاحتلال. وكان رافضاً لتقسيم العراق الطائفي، الذي قرر له في واشنطن ولندن، فكان يرى نفسه عربياً عراقياً مسلماً ينتمي إلى المذهب الشيعي. واستنكف منذ البداية التوزيع الطائفي للغنائم. وكان يرى - كما يرى هوبز - أن كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني.

لكن غنى هذا الكتاب «دين العقل وفقه الواقع: مناظرات مع الفقيه أحمد الحسني البغدادي» لا يدرك إلا بقراءته. وتحدث الدكتور عبدالحسين شعبان عن الكتاب بنفسه الأحد الماضي في الجمعية الثقافية النسائية.

 

د. حامد الحمود

صحافي 

20 آذار 2023م

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha