قراءةٌ بمناظراتِ المفكِّر الدكتور عبد الحسين شعبان قراءة في كتاب (نقد العقل الديني) نعم للحداثة الاسلامية لا للمؤسسة «الدينية» الفقيه البغدادي أنموذجاً احمد الحسني البغدادي.. كما عرفته احمد الحسني البغدادي.. ظاهرة جهادية ومعرفية قراءة في كتاب: دين العقل وفقه الواقع نقد العقل الديني.. أديان الارض ودين السماء اقرأوا عن هذا العملاق فقيه متمرد وعنيد حين يتعلق الأمر بالوطن والدين فقيه مجدد قراءته حداثوية اسلامية

احمد الحسني البغدادي وجه من وجوه الكلمة والقلم

احمد الحسني البغدادي وجه من وجوه الكلمة والقلم

احمد الحسني البغدادي

وجه من وجوه الكلمة والقلم 

 

دائما أردد ما قاله (نيكوس كازانتزاكي) في رواية زوربا اليوناني (أن القمم الروحية التي تحتاج الى سنوات من النضال الشاق لتسلّقها, بلغها  السيد احمد الحسني البغدادي بطفرات كتاباته الفريدة والجريئة.

من حقنا أن نسأل: هل هو مجرد فقيه أُصولي متكلم؟ أم هو مثقف حداثوي يساري إسلامي؟ أم هو سياسي معارض عنيد ضد الديكتاتورية المحرمة والديمقراطية المزيفة؟ أَم هو مفكر وباحث..؟ لدرجة لايمكن لنا أن نصنفه على واحدة من التصنيفات اعلاه، فسرعان ما يتفوق في الأخرى أو ينتقل من موضع إلى موضع آخر وهكذا؟..

قد نكتشف الأَجابة عن هذه الأسئلة من قراءة لتفاسيره الفكرية العميقة، وموسوعته التأصيلية المعرفية الشاملة هذا مضافاً الى كتابه المثير الجديد «نقد العقل الديني أنبياء الأرض.. ودين السماء» فقد شكل هذا السفر على توصيف صادر من بين ماكتبه بالنسبة ألينا شخصياً حتى هذه اللحظة... لابد أن نقول الحقيقة نظراً لمعرفته عن التخلف السلالي أو الوراثي أو التكويني أو الذاتي الذي أصاب مجتمعنا العربي والإسلامي سواء بسواء، هذا وكان أحد الذين رأوا ماوراء أشجار الغابات الكثيفة المكتظة وفق رؤية الزرقاء كما ورد في الحكاية العربية القديمة, وكان أحد الذين سجل ملاحظاته الهادفة العلمية والمتجردة على أزمة مجتمعنا وعلى تطبيقاتها، وقد كانت القراءة من الداخل وليست من الخارج لفقيه مؤهل من طراز عظيم... بعيداً عن الأَدلجة الأبدية لكل شيءٍ التي حولت النصوص الحديثية التشريعية إلى وصايا أو مسلّمات غير قابلة للحوار، في الوقت ان الأحكام والوصايا تتغير بتغير الأَزمنة والأمكنة. 

أحمد الحسني البغدادي لم يلجأ الى التأويلات والتبريرات بحثاً عن عصمة النصوص الحديثية التشريعية عن الخطأ في السند أو المتن، فهي ليست شهرة عملية دوغمائية، اي قطعية الصدور، ولانصاً فرقانياً عظيماً الذي لايأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، بل أداة متجددة ومتطورة قائمة على أساس قاعدة تغير الاحكام بتغير الازمان، كما أن أي فلسفة هي نقدية بالضرورة الحتمية وإلا،  لاتكون فلسفة، لذلك كان موفقاً من الإنطلاق من داخل الشريعة الإسلامية الخاتمة ممّا صرح به من قبل  ثلاثة عقود ونصف من الزمن في باكورة كتابه القيم المطبوع عام ١٩٩١م الموسوم «بحوث في الاجتهاد» في نقد فقرة: «آراء مذهب الاخباريين الشيعة ومناقشاتها» في صفحة (٥١)

أحمد الحسني البغدادي يرى أن الإنسان نوع الإنسان أشبه بالكائن الملتبس لكونه في تفكير وتنظير وتأمل حواري يومي مع نفسه، وهو حواري ذاتي بينه وبين هواجسه وقلقه المغامر في البحث عن الحقيقة الضائعة، وبينه وبين الآخر المتخلف والمتباين. 

إنَّ الصنمية،والثقافة الواحدية، واحتكار الكلمة الحقيقية، والأُمية الفكرية والاستاتيكية والكثير غيرها مما يشخص البغدادي عن صواب جعلت الأطروحة الأسلامية واحدة من أكثر النظريات المعاصرة عُرضةً للتشويش من قبل «إنصارها ومتبنّيها» قبل خصومها الأشداء.

إِنَّ الرسول القائد محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفسهُ أَراد لأطروحته معيناً لا قالباً، وفكراً وتنظيراً لا صورة وشكلاً. 

أحمد الحسني البغدادي يرى دائماً هذا الكتاب حصيلة معاناة وشدائد وخطوب إستغرقت ست عقود من الزمن أن كل الإِشكالات التي تطرق اليها سواء كانت فقهية أو عقدية أو مجتمعية أو سياسية أو اقتصادية كانت مترابطة الأجزاء كأنها كانت تتوالد عن بعضها بعضاً، لذا ليس عبثاً أنّ اسم مشروعه الحضاري القيم ذاته «نقد العقل الديني» كان ذو «طابع كانطي» لنتذكر كتاب كانط الشهير: «نقد العقل الخالص». 

أحمد الحسني البغدادي في مقدمته ومدخله وأَقسامه الأربعة المتضمنة في هذا الكتاب الجدلي الاستثنائي القيم يراجعها ويصححها على فترة زمنيةٍ ليست بطويلة كل مرة كان ينقحها ويحققها ويغنيها ويستأنف وضعها في سياقاها التاريخي،فهذه النسخة المطبوعة الشرعية الأُولى التي بين أَيدينا فهي النهائية التي أتحف بها المكتبة العربية في السابع من شهر رمضان المبارك عام ١٤٤٣ من إِصدارات دار إحياء تراث الإمام البغدادي رضوان الله عليه. 

أحمد الحسني البغدادي على حد توصيفات الدكتور الأستاذ المرحوم عبد الكاظم أُستاذ جامعة وهران: يعتبر الكتابة والخطابة مجرد اداة لممارسة حريته، بل هي عنده همّ جماعيّ. إنَّها مهمة ورسالة، وسيلة لتحرير الانسان المسلم المعاصر، ولهذا فإن سماحة المرجع القائد البغدادي يكتب، يتكلم، ينتقد، يثور، متعاملاً مع نفسه ومع الآخرين، هو سليل الفقهاء، ووارث المصلحين والدعاة في حمل الامانة الرسالية، يجسد وعي الأمة وضميرها والمدفاع عن هويتها ومَنْ يستمعْ إليه متحدِّثاً أو يقرأْ ما يكتبُ يشعرْ بالفعل لا بالقوة أنَّ هذا الرجل الحركي قد جمع في شخصه رموزاً عديدة من الفقيه الحركي، الى المفكر التقدمي في عصر العولمة والحداثة، الى الأصولي الاسلامي «المتشدد» الداعي الى قلب الأوضاع وتغييرها رأساً على عقب. هكذا نراه «يتقمص» أكثر من شخصية أو دور فهو مرة مؤسس حركة الإسلاميين الاحرار ومرشدها ضد النظام الدكتاتوري البائد، ومرة أخرى المجاهد ضد المشروع الاميركي في المنطقة، ومرة ثالثة الحارس المدافع عن فقهاء الاسلام المجاهدين.

هذا، وقد تخالفه في بعض أطروحاته الفكرية، لكن قيمة ما يتكلم به أو ما يكتبه لا تكمن في الافكار التي يطرحها، ولا في النتائج التي يستخرجها بقدر ما تكمن في الإمكانيات الايديولوجية التي يوظفها، أيْ قدرته الفائقة على التصرف بالمعطيات التي يشتغل عليها، واللعب بالأدوات التي يشتغل بها، هذا ما قيل عن الامام المجاهد المرحوم محمد الحسني البغدادي والشهيدين علي شريعتي ومحمد باقر الصدر، وما يمكن قوله عن كل فقيه حركي بارز، وعن كل أثر فقهي هام. فأهمية الفقيه أو المفكر لا تتمثل في أطروحاته واستنتاجاته بقدر ما تتمثل في إمكان التفكير والابداع، وفي قدرته على اللعب في المبدأ الذي يعمل فيه، وهذا ينطبق على أحمد الحسني البغدادي، فالمرء قد يخالفه الرأي في مسألة أو أُخرى لكن لا يمكنه إلا ان يعترف وهو يقرأهُ، أنه أمام فقيه مجدد، ومفكر بارع، وكاتب قدير. إنه يفرض نفسه على القارئ بقوة ادائه ونصه، بعرضه المتألق وصياغاته الانيقة، بنظراته الشمولية ورؤيته المعمقة، بقراءاته الكاشفة وقدرته على التأليف. وهو الى ذلك يدهش المتابع بمؤلفاته في بحوثه، وفي منشأه، وفي جهاده، وفي فصوله، وفي خطره، وفي ثورته، وفي طاغوته، وفي قرآنه، وأطروحاته، وتفاسيره، مضافاً الى مقابلاته وأحاديثه وبياناته وفتاويه.

 

د. وليد البهادلي

استاذ جامعي واعلامي

٧ كانون الأول ٢٠٢٢م

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha