مرجعية ثورية في طريقها عقبات.. الاحتلال الأميركي .. الرباعي المرجعي.. الدين الاستحماري.. التصدي الوراثي... الأخ المجاهد نذير علي القرشي
مرجعية ثورية
في طريقها عقبات
الاحتلال الأميركي .. الرباعي المرجعي
الدين الاستحماري ..التصدي الوراثي
الأخ المجاهد نذير علي القرشي
أما السيد البغدادي فإن ظلامته تكمن في أنَّهُ المرجع «الإمامي» العراقي العربي الوحيد، الذي أفتى بوجوب محاربة الأمريكان، وعمل على ذلك ميدانياً، مستنداً إلى روح الشريعة وما تعلمه من خلال تجاربه ودراسته الحوزوية، بالإضافة إلى أنه الداعي الوحيد والحقيقي للوحدة بين العراقيين، والعامل عليها منذ بدء الاحتلال وإلى يومنا هذا، بالإضافة لهذا كله إرث عائلته العلمي والجهادي الممتد عبر قرون طويلة، مروراً بجده السيد محمد الحسني البغدادي، الذي لا ينكر أحد شجاعته وجهاده وزهده.
هذه الأمور جعلت الأمريكان تدرس ظاهرته بتمعن وتضربه من مفاصل عدة، وهي في ذات الوقت تضرب كل المقاومة بذات الأسلوب وفي جميع الاتجاهات، فقد عملت قوى الاحتلال على:
أولا: تأطير المرجعية بالأربعة المنضوين تحت رايتها، ودعمت وأوجدت مرجعيات جديدة في الشارع العراقي لا يعرفها من قبل، وأبرزتها إلى الوجود من خلال ماكينتها الإعلامية، التي لم يعرف لها العراق والمنطقة مثيلاً من قبل، ودعمت هذه المرجعيات دعماً مادياً غير محدود، في حين لا يوجد في زمن الشهيدين سوى نوعين من التوجهات: حوزة سياسية وأخرى غير سياسية، هذا التقيد بالنوعين جعلهم يظهرون ويبرزون على الساحة في مواجهة الطاغية ويلتف حولهم الشعب، في حين جعلوا السيد احمد الحسني البغدادي يواجه أكثر من جبهة في معركته مع المحتل والمؤسسة الدينية المنضوية تحتها، فبعضهم أظهرتهم بعنوان المقدسين، وآخرين بعنوان المفكرين والدعاة (الأيدلوجيين)، وآخر بأعلم الموجودين والمطارد من قبل قوات الاحتلال؟! وغيرهم الكثير والعناوين أكثر.
أغلب هؤلاء يظهرون عدم تدخلهم في قضايا الاحتلال، ولكن عندما يحتاجهم المحتل في القضايا المفصلية لمصير الأمة كالدستور والاتفاقية الأمنية مع المحتل، تراهم يسارعون إلى الإدلاء بأصواتهم، التي تكون شماعة تبريرية للمنضوين تحت راية المحتل، هذا التناقض لم يعشه الصدران الأول والثاني، فالطاغوت واحد، والكل متفق على بشاعة ظلمه، لكن يبقى هناك من يتصدى له وآخر ساكت عنه أو متعاون معه، لذا ظهر وبرز كل منهما عندما عارضوه وسكت عنه الآخرون في فترته، لذا أحدثوا تغييراً في المجتمع، أما أحمد الحسني البغدادي فقد أوجدوا له الضد النوعي سواء في الفتوى أم في المجتهدين المتصدين، فالموضوع الواحد ترى له عدة أجوبة لا لتشعبه وتعقده، وإنما لتشتيت ذهن الأمة، كما حصل في الامتناع عن إصدار فتوى بحرمة الاحتلال، وما يتمخض عنه، فهذه الحقيقة رغم وضوحها في كل الشرائع عامة وشريعتنا الإسلامية خاصة، تراهم يلتفون ويتحايلون عليها بمئات الطرق والعناوين الشيطانية، لذا تعرض قضية مثل الاحتلال على الفقهاء.. فترى فيها مئات الآراء والرب واحد، والدين واحد، والقرآن واحد، والرسول واحد.
أبرز المحتل وأعوانه شخصيات دينية تدعو إلى تجهيل العقل العراقي وتسطيحه وتحجيره معتمدة العواطف والمشاعر الدينية، والحب الفطري المتأصل لدى الجماهير المسلمة لآل بيت رسول الله، والموروث العقائدي لقضية الإمام المهدي المنتظر، وإيجاد مراسيم وشعائر غير موجودة في الدين، وجعلها تمثل لب الدين وأصله، وهذا الأمر راج وساد في العراق، وأخذ طابعا من الصعب احتواؤه والسيطرة عليه، لأنه يتعامل مع عواطف الناس ومشاعرهم، وهذا الأمر لم يتعرض له الصدران الأول والثاني، ولم يوجدْ في حياتهما، بينما ظهر في زمن الاحتلال، ولذا أعتمد السيد البغدادي لمواجهة هذا الخط على مخاطبته للجماهير مباشرة، والقيام بتحريك العقول والانفتاح على الآخر، واستخدام الحجج العقلية في التعبد بالنصوص الشرعية، والتعامل مع القضايا العقائدية من نظرة توحيدية للأمة مبتعداً عن العاطفة في مثل هذه الظروف العصيبة، التي تمر بالعراق، لذا ترى أغلب أتباعه من الكوادر العلمية والأكاديمية الواعية القادرة على فهم خطابه من أبناء الوطن، هذا الأمر جعل أغلب الأحزاب غير الإسلامية العراقية المعارضة لوجود المحتل تؤيد خطابه وأفكاره، وهذا ما لاحظناه من خلال ردود الأفعال القوية على مداهمة بيته من قبل استخبارات النجف التي يشرف عليها المجلس الأعلى المرتبط بقوات الاحتلال مساء 27/12/2005م، وكذلك أثناء اعتقال القوات الأميركية نجله الأكبر يوم 24/10/2008م بموافقة مطاياها من أدلاء الاحتلال وتحريضهم. هذه الردود القوية جاءت من الفئات والأحزاب والجماهير الواعية بنهج السيد البغدادي وأفكاره، في حين لم نر استنكاراً لهذه الجرائم من المؤسسة الحوزوية، التي ينتمي إليها السيد البغدادي(1).
ثانيا: زمن الشهيدين لم تكن سوى قناتين محليتين الأولى والثانية، وهاتان القناتان كان النظام الطاغوتي يسيطر عليهما، وتبثان ثقافة النظام في ذلك الحين، بالإضافة إلى صحف النظام، التي تنشر وتوزع داخل العراق، أما الصحف العربية والعالمية فيأتي منها ما يخضع لرقابة دقيقة، لا تمس النظام الحاكم من قريب أو بعيد، يضاف إلى ذلك أنَّ أغلب الصحف العربية والعالمية ساندت النظام لما يغدقه عليهم من هبات وهدايا، فالشعب كان يعيش هذه الثقافة الجاهزة المؤيدة للنظام، أما أخبار المراجع فتنقل من الوكلاء إلى المتدينين، وهذه الأخبار إن كانت ضد النظام فتعتبر في وقتها جهاداً، وهي مرغوبة لأنها ممنوعة ومسموعة ومطاعة لقدسيتها أولاً، ولصعوبة الحصول عليها والتصريح بها علناً ثانياً، ومحدودية تداولها ثالثاً، فهي مثل الكنز الذي يجب الحفاظ عليه من الأعداء، في حين وافقت قوى الاحتلال على إنشاء عدة قنوات فضائية محلية لدعم الأحزاب والتيارات الدينية، وفتحت الأبواب على مصراعيها للصحف، بالإضافة إلى سيطرة عصر المعلوماتية من خلال الشبكة العنكبوتية، وهذه الأخيرة تعتبر صوتاً للفقراء كحالنا، وأغلب هذه القنوات والفضائيات التي ظهرت بعد الاحتلال تخضع لهدف واحد هو تشتيت الحقيقة بين العناوين الكثيرة، وتضييع الأمة في متاهات عدة، وصناعة قادة ورموز من الدوائر المحيطة بالمحتل، سواء من المؤسسة الدينية أم من يرتبط بها أو غير ذلك.
أخذ الشارع برأي هذه المؤسسة الدينية لكثرة التكرار والسماع عنها من قبل المتلقي من أبناء الأمة لصدوره من كل هذه الفضائيات والقنوات والصحف والمجلات المدعومة من طرف خفي أو معلن، وظهرت هذه المؤسسة وكأنها الناطقة باسم الله في هذا الوطن، حتى لو أنَّ حديثها يخالف القرآن والسنة، وما أكثر مايخالفهما، كما هو الحال في السكوت عن المحتل وما ينتج عنه، فالمهم لمن يمولون هذا الإعلام أن يجر المنفعة للمحتل في الزمن القريب أو البعيد، لذا قل وضعف السماع للرأي الفقهي، الذي يذكره أحمد الحسني البغدادي لعدم وصوله إلى الأمة من خلال هذه القنوات وإن وصل فهو يخضع لقانون التشتيت، الذي تزاوله هذه القنوات، لذا لا نرى قناة فضائية تلتزم السيد البغدادي، وهو في الوقت ذاته ليس له قناة يمتلكها، كما يحصل مع «المراجع الأربعة» المبرزين وغيرهم من المصنعين، ومن يدور في فلكهم، بالإضافة إلى الحصار الإعلامي الذي يطبقه عليه جميع من يستفيدون من وجود المحتل مباشرة أو غير مباشر، والملاحظ أن الإعلام الإيراني لم يذكر أحمد الحسني البغدادي طيلة فترة الاحتلال، وكأنه من مراجع آل سعود، لا من المدرسة الإمامية الأثنى عشرية، وما ذلك إلا لفتوى جده الإمام المجاهد السيد محمد الحسني البغدادي بأحقية العراق في شط العرب(2)، هذا الأمر ولد إِمتعاضاً لدى السياسيين الجدد في إيران، لذا تراهم لا يتطرقون إلى آرائه الفقهية (أي السيد أحمد)، وهي عكس كل الأطروحات التي يعرضونها للأمة، وهم يعرفون أن دليله الشرعي متين غير مردود، ولو كان غير ذلك لردوه وشهروا به في فضائياتهم وقنواتهم المنتشرة في الآفاق، ولعملوا حلقات خاصة للطعن في آرائه، وما ينطبق على هؤلاء ينطبق على تلك الفضائيات التي تتبجح بمرجعياتها داخل العراق، ولكن هيهات أن يكون لهم ذلك مع من دليله القرآن والسنة.
هذا الأمر لم يتعرض له الشهيدان الصدران، ولو أنهما وجدا في أيامنا هذه لرأينا أغلب أولئك الذين يدعون ويتكلمون ويستأكلون باسميهما يعزفون عنهما ويتركونهما ويعادونهما، كما يتركون الآن السيد المرجع القائد أحمد الحسني البغدادي ويعادونه، وذلك أن الشهيدين لم يرضيا بحاكم ظالم، وقدما نفسيهما قرباناً لله الواحد القهار كي تستفيق الأمة من سباتها، فماذا تراهم يفعلان إذا احتل بلدهم الصهاينة والكفار؟!..
وماذا يقولان عمن يتعاون معهم؟! حيث نقرأ عن شهيدنا الصدر الأول (ره) قوله لو كان أصبعي بعثياً لقطعته ؟!..
ولو عاش الصدر الأول إلى زمننا هذا، هل يكفِّر كل من يتعاون مع المحتل الكافر، ويتبرأ من كل الذين يتكلمون باسمه، ويبكون على ظلامته وهو قد كفَّر حزب البعث بالأمس، وهؤلاء الذين يتقلدون اسمه في زمننا هذا، نراهم يظلمونه اليوم مئات المرات، بل يقتلون فكره الحركي كل يوم ألف مرة بتعاونهم مع المحتل وتأييده، والتعاون معه ضد أبناء الأمة من المجاهدين والمقاومين، كما يشوهون ويحرفون المعاني السامية للنهضة الحسينية، التي غيروها إلى تعاز للبكاء والتباكي، ومواكب للطم والتطبير، وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان وجردوها من روحها الجهادية الإصلاحية، التي دعا إليها ومارسها سيد شباب أهل الجنة.
ثالثاً: تصدى مقتدى الصدر لقيادة التيارالصدري تصدياً مرتجلاً غيرمدروس، وهذا أمر شجَّعَ عليه المحتل وإيران معاً لاحتواء حماسة المجاهدين الشباب من جميع أنحاء العراق تحت رايته ولتسييسهم حسب مصالح كل من الاحتلال وإيران، زقد أَدَّى إلى نتائج كارثية وتمزيق الوحدة الوطنية، وسقوط عشرات الألوف من الأبرياء نتيجة ذلك، وعلى الرغم من ذلك كله وقف السيد البغدادي معه لعلمه بحسن نيته، وسلامة قلبه، بالإضافة إلى رفعه شعار العداء للمحتل الأمريكي، وفي الوقت ذاته لم يبخل السيد البغدادي عليه بالنصح له ولتياره منذ بدء توليه قيادة التيار حتى يومنا هذا(3) ـ على الرغم من أن هذا التصرف لم يعرف من سيرة السيد أحمد الحسني البغدادي مع المراجع أو طلبة العلوم الدينية فهو العنيد الشديد ضد هؤلاء لتيقنه بانحرافاتهم الأخلاقية، وارتباطاتهم المشبوهة مع الدوائر غير الإسلامية ـ ولكن السيد مقتدى لم يبال بكل تلك النصائح، ولم تشفع للسيد البغدادي كل المواقف، التي وقفها إلى جانب التيار المجاهد، نتيجة لوجود الشيوخ المحيطين بالسيد مقتدى، ولهم ارتباطاتهم الخاصة سواء مع الأمريكان، أم مع الإيرانيين.
هذه المشكلة لم تواجه الشهيدين الصدرين، فالأول وقفَ في مواجهة النظام مباشرة لماَّ تهيأت له الظروف المساعدة من التحاق أغلب شباب الأمة المتدين بركبه لعدم وجود منافس يطرح رأياً مشابهاً، أو أقل حدة كي يتوزع أولئك الشباب بينهم، كما يحصل اليوم مع السيد البغدادي، مضافاً إلى ذلك أن الشهيد الصدر الأول لم يكن له أعداء سوى «رجال» المؤسسة الحوزوية التقليدية والنظام الطاغوتي، وحاولت إيران أن تتدخل لتساعد في نهضته فأدى تدخلها إلى التعجيل بقتله، أما الشهيد الصدر الثاني فقد انفرد بالساحة العراقية بعدما خدع النظام الحاكم بإعادته إحياء فريضة صلاة الجمعة، التي كانت المنبر والوسيلة الإعلامية الفاعلة الرئيسية في ذلك الوقت لتهيئة الشباب تحت مرجعية ناطقة ثورية واحدة، لذا اتفق على قتله كل من نافسهم، سواء في السلطة الحاكمة، أو المؤسسة الحوزوية أو «غيرهم»، فكلا الشهيدين لم يتعرضا لمشكلة مَنْ يتكلم من داخل العراق من المؤسسة الدينية أو غيرها ضد النظام، فالتفاف الأمة حولهما نتيجة طبيعية لذلك لعدم وجود منافس لهما سواء كان هذا المنافس حقيقياً صادقاً أو مُصَنَّعاً، أو غير ذلك، على العكس من السيد البغدادي، الذي وجد نفسه محاطاً بعشرات المتصدين والمتصيدين المبرزين من المؤسسة الدينية، الذين يحملون حلولاً تصب نتائجها في صالح المحتل، أو يقدمون أنصاف حلول فيربكون الساحة بآراء مخلوطة من هنا وهناك وتراهم مذبذبين في قرارات يمينا ويسارا، أجهدت الأمة وزعزعت قراراتها ونتج عنها كوارث غير محمودة، كما رأينا على أكثر من مستوى، لذا ترى أراء السيد البغدادي وكأنها تنزل من عالم ثانٍ ليس له علاقة بهذا العالم لوجود أولئك المبرزين المتصدين والمتصيدين المدعومين إقليميا ودولياً، والمسيطرين على ثقافة الأمة التي أفقدوها هويتها الإسلامية الحقيقية.
رابعاً: تميز السيد أحمد الحسني البغدادي عن الشهيدين الصدرين بمناوراته الجريئة غير الصدامية مع النظام البعثي، فهو لديه أكثر من مجال ليتلاعبَ معهم حول مختلف القضايا، كما يتبين لنا ذلك من كتابه:« السلطة والمؤسسة الدينية الشيعية في العراق» الموجود على موقعه الرسمي www.alsaedـalbaghdadi.com، إلى أن وصل بالسلطة الحاكمة إلى يقين بضلوعه في العمل العسكري، فأصدرت مذكرة إعدامه مما جعله يخرج مهاجراً خارج الوطن، ليبدأ رحلته الجهادية من هناك كاشفاً زيف كل المتآمرين على الوطن من الأحزاب والشخصيات والمرجعيات، بالإضافة إلى كشف مخططات العدو الصهيو ـ أمريكي ضد العراق والمنطقة برمتها، هذه الهجرة منحته الحرية في الحركة على عدة جهات بعيداً عن تسلط النظام البعثي، لكن عندما قرر العدو الصهيوـ أمريكي الهجوم على العراق «تجاوز» السيد أحمد الحسني البغدادي النظام الطاغوتي وأفتى بمقاتلة العدو الكافر، الذي قرر غزو العراق واحتلاله، وظل يعمل ضد العدو المحتل الكافر، مدافعاً عن المبدأ الذي تبناه إلى يومنا هذا، على الرغم من الصعوبات كلها التي واجهها نتيجة قراره هذا، وأخطرها التزامه بمنهج واحد لايتذبذب من الاحتلال، وممن عاونوه، أو أشتركوا معه، وإن كان من المقربين إليه فيما مضى، كما حصل عندما ترك المؤتمر التأسيسي العراقي حينما لم يقروا بتشكيل جناح عسكري، بالإضافة إلى تيقنه من اختراق هذا المؤتمر من قبل إحدى الدول المجاورة(4)، ومواقفه هذه ليست ناتجة عن رغبة عنده في مخالفة عامة المتصدين، وإنما لما استند إليه من الشرع الحنيف، الذي لا تبديل فيه لحكم الله، وقد أدت مجمل هذه المواقف إلى مداهمة منزله من قبل استخبارات النجف التي يشرف عليها المجلس الأعلى المرتبط بقوات الاحتلال مساء 27/12/2005 م، ويعود سببب مداهمة بيته ومكتبه تلك إلى موقفه الرافض إلى مسرحيتي الانتخابات الأولى والثانية(5).
والجدير بالذكر هنا أنهم أكدوا في الدستور الذي أقروه على تحقيق الحصانة للمرجعية الدينية في النجف الأشرف، ولكن هذه الحصانة تطبق فقط على من يؤيدون المشروع الأمريكي، ممن جاؤوا من خلف الحدود، ولا تطبق على أبناء جلدتهم؟!
وبعد تأييده مقاتلة المحتلين ووقوفه إلى جانب المجاهدين في معارك الفلوجة والرمادي وبغداد والنجف، أخذ يفند بقوة الحجة والدليل كل الدعايات والحملات المشبوهة المغرضة، التي تحاول تمزيق المجاهدين وعزلهم عن بعضهم البعض، أو تشويه صورتهم بين أوساط الأمة، فلولاه لكانت التهمة التي أثارها المحتل بان «مراجع الشيعة» معه ـ أي المحتل ـ ويؤيدونه باقية راسخة في ذهنية المجتمع العربي والإسلامي، بالإضافة إلى المجتمع الدولي، ولكانت وصمة العار تلاحق هذه الفئة من الشعب العراقي وامتدادها في العالم الإسلامي على طول التأريخ، هذا فضلا عن القتال الذي تكفل به أنصار التيار الصدري الذي كانت أغلب قواعده تمتثل فتاوى السيد البغدادي الجهادية والاستشهادية مما يثبت أن رفض المحتل ليس كما أراد أن يظهره الإعلام المرتبط بالدوائر الصهيوـ أمريكية بأنه في المناطق «السنية» من العراق فقط، هذه الفقرة وإن تكن غير محببة لبعض المتعصبين من دول الخليج، ومن يدخلون في دائرة التعصب المقيت من العرب وغيرهم، لم تكن تفرحهم، كما هي لم تكن تسر المحتل الكافر في توحيد مواقف المجاهدين ضد عدو كافر واحد مشترك، حيث حاول العدو تمزيق هذه الوحدة، وقد نجح لبعض الوقت بما يمتلكه من الإمكانيات المادية والإعلامية، التي أثر بها على بعض الجهلة من الأحزاب، الذين لهم ارتباطات إقليمية، أو دولية، أو نظرة ضيقة إلى الأمور من زوايا مذهبية، أو عرقية، أو حزبية، فأشعل نار الفتنة فيما بينهم، وهنا جاء دور العالم الرباني، الذي يسمو فوق كل التخرصات والأباطيل، ولا ينظر إلا إلى مرضاة الله، فيصف ان كل هذه الفتن منشؤها وموردها من المحتل، ويؤكد ذلك بالدليل تلو الدليل، والحجة بعد الحجة على الرغم من كل التضييق الذي يجري عليه لعدم وصول صوته إلى جماهير، كما حصل في لقائه الانفرادي مع فيصل القاسم في برنامج «الاتجاه المعاكس» «الذي حُجِبَ ولم يعرض نهائياً(6)، أو في قناة «البغدادية» التي أَجْرَتْ معه أكثر من لقاء، ولم تنشرها خوفاً من الحقائق التي يذكرها بصراحته وجرأته المعهودتين، والأمثلة على ذلك تطول.
السيد البغدادي رفع شعار وحدة المقاومة الإسلامية والوطنية من أجل تحرير العراق من المحتل الكافر، وأخذ ينشر هذا المبدأ ويؤكده بين أرجاء الدول الإسلامية كافة، وقد دعا إلى هذا منذ أول مؤتمر أقيم في بغداد في جامع «أم القرى»، وما لحقه من مؤتمرات وندوات سواء داخل العراق أو خارجه، فتراه يدافع عن التشيع في المؤتمر القومي في الجزائر بعدما وجد هناك الرأي العام الجزائري حانقاً على (الشيعة) وعلمائهم، وبين هناك الفرق بين الشيعة والتشيع، وأكد أن التشيع ضد الاحتلال، وضد الكفر في كل مكان، ومعتنقوه يحاربون المحتلين في العراق جنبا إلى جنب مع أخوانهم في الرمادي وتكريت، كما يقاتل أبناء الرمادي وتكريت في البصرة والنجف، وكان هذا ديدنه في التعريف بحقيقة وحدة قضية المجاهدين والمقاومين في أرض الأنبياء والأوصياء، لذا حاول كل من ارتبط بمخططات المحتل بصورة مباشرة أو غير مباشرة حجب صوته وصرخاته المدوية في السماء وعلى أرض الحقيقة، هذا الابتلاء لم يتعرض له الشهيدان الصدران بسبب محدودية النظام الذي كانا يواجهانه، ومحدودية القضايا المتعلقة به، ولعدم وجود هذا الكم الهائل من القضايا التي تنهك أوجدها المحتل وزرعها بين ثنايا الأمة، فكان الواجب العمل على تقويضها، كما هي الحال مع القضايا التي ظهرت على الساحة العراقية والإسلامية على وجه الخصوص، التي بادر السيد البغدادي إلى الوقوف ضدها بروح أبوية شجاعة، محافظاً على مبادئه ومعتقداته، مشتركاً مع الآخرين بالإلتزام بالنقاط التي ينعقد عليها اللقاء دون المساس بالثوابت الإسلامية أو الوحدة الوطنية.
خامساً: انتفاء الطائفية في زمن الشهيدين الصدرين على الساحة العراقية، بل على العكس كان هناك تلاحم واشتراك متبادل في المظلومية، وإن تكن المظلومية على أهالي الجنوب أكثر شدة، ولكنها على العموم طالت العراق كله، أما في زمن الاحتلال فإن بوادر الطائفية ظهرت في العراق بشكل واضح في الإعلام الصهيوـ أمريكي بدايةً، ثم أخذت هذه الظاهرة تنتشر مثل النار في الهشيم في الإعلام العربي والمحلي، وأسست فضائيات لتغذية هذه التخرصات والدعايات المسمومة، التي أنضجت الروح الطائفية بين الأخوة في البيت الواحد، لكن إرادة الله شاءت أن وُجِدَ بين ظهرانينا رجل رشيد يحتكم إلى القرآن في كل تحركاته وأفعاله وأقواله، ويفضح كل أكاذيبهم وخدعهم وحيلهم، التي حاولوا تمريرها على أبناء العراق والمنطقة، فتلبست هذه الأكاذيب في الشارع العراقي بثوب القادمين والعاملين مع المحتل، فتأثر بها البعض في الشارع العراقي لفترة ليست بطويلة، وتخلص منها ومن أثارها إلى غير رجعة، لكن المتابع الدقيق للأحداث يرى أن هذه الدعايات والأكاذيب قد آمن وعمل بها القسم الأعظم من نخب المجتمع العربي والإسلامي، ففي الإعلام حَدِّثْ ولا حرج، فكل متابع يرى ذلك بوضوح من دون أدنى تشويش، وفي الدول العربية سواء الخليجية منها أم الأردن أو مصر وغيرها، وهذا واضح للمتشيع العامل في إطار محاربة المحتل في المنطقة العربية، وكذلك الحال للجمعيات والمؤسسات والجامعات والمعاهد، مما جرَّ هذا الأمر إلى الشارع العربي بصورة تلقائية، ومن دون تدبر في الموضوع اعتماداً على الأسس، التي لغمته وفجرته دوائر المشروع الصهيوـ أمريكي في المنطقة.
لذا كان لزاماً على السيد أحمد الحسني البغدادي أن يدخل هذه المعركة إضطراراً من باب الواجب الشرعي، الذي يحتم عليه توحيد صفوف الأمة وعدم شرخها، كما فعل جده الإمام أمير المؤمنين علي حينما سكت عن حقه في زمن الخلافة رعاية لوحدة الأمة الإسلامية، وتثبيتاً لأركان الدولة الفتية من أعدائها التقليديين في تلك الفترة من الروم والفرس.
لذا بدأ السيد البغدادي يقتنص كل شاردة أو واردة من المحتل وأعوانه في محاولاتهم المتكررة لتفتيت جهد أبناء الأمة المقاوم، وعمل على نشر ثقافة المصير المشترك لأبناء الوطن الواحد بصورة خاصة، ومنطقة الشرق الأوسط بصورة عامة، فتحدث في حديث ( صوت وصورة) الذي جرى مع الوفد الشعبي الإسلامي إلى مدينة الصدر، بتاريخ 13/9/ 2003م. نشر هذا الحديث في موسوعته الإسلامية: «هكذا تكلم السيد احمد الحسني البغدادي» الجزء الأول وموجود على موقعه الرسمي.
بعد البسملة والسلام ابتدأ قائلاً:
«المطلوب من شعبي وأهلي رص الصفوف، وتجذير الائتلاف الجبهوي بين المذاهب والأطياف المختلفة، وعدم الدخول في المساجلات الكلامية، أو المزايدات السوقية، أو الصراعات الاثنية والعرقية بين هذا الرمز، أو ذلك المرجع .. أو بين هذا الطيف، أو ذلك المذهب .. سواء كان هؤلاء وهؤلاء من المسلمين (سنة وشيعة) أم من اليساريين أو اليمينيين (قوميين أو ماركسيين) .. يحتم عليهم الواجب الشرعي الوطني أن يتحدوا ويرصوا صفوفهم في طرد الغزاة الطامعين الأميركيين منهم والبريطانيين».
لاحظ عزيزي القارئ تاريخ الحديث وتوقيته، وتأكيد سماحته على حدث لم يقع بعد، لأنَّ استشرافه المستقبل يوجب عليه التأكيد على أبناء الأمة بألاَّ ينزلقوا في متاهات تعد لهم في دوائر المحتل وأعوانه.
بعد ذلك أنتقل السيد البغدادي ليخاطب النخب العراقية، التي جاءت إلى قاعة فندق «بابل» للمشاركة في الجلسة الثانية للمؤتمر التأسيسي العراقي الوطني بتاريخ 8/ 5/ 2004 م، وكان رئيساً للمؤتمر في جلسته الثانية.. وعضوية كل من: الشيخ محمد الالوسي، و د. عبد الكريم هاني، والسيد سلمان عبد الله، مؤكداً على الوحدة التي يجب أن يتصف بها كل العاملين من أجل خلاص العراق من المحتل، وقبل أن تظهر بوادر الطائفية في الشارع العراقي، حيث تكلم في هذا الصدد قائلا : «.. ومن مصلحة الوطن العليا أن يكون هذا اللقاء العربي والكردي والتركماني والآشوري والآرمني والإسلامي والمسيحي تحت مظلة الجبهة الوطنية العراقية كقوة واحدة، وموقف واحد، وساعد واحد، وصف واحدٍ كالبنيان المرصوص في وجه التحديات الأميركية والصهيونية سواء بسواء» (7).
نعم للتوراة لا للقرآن
العراق نموذجاً
نذير علي القرشي
الطبعة الرسمية الاولى: رجب 1430هـ ــ تموز 2009م
الصفحة 400 وما بعدها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنظر: «الحديث التاسع والثلاثون« في حديث خاص لوكالة الانباء الاسلامية العراقية بتاريخ 24تشرين الأول 2008م، وما بعده.
(2) راجع كتاب جهاد السيد البغدادي في الموقع الرسمي www.alsaedـalbaghdadi.com
(3) قصة طرقت سمعي بالصدفة حيث سمعت من أحد الأشخاص حين كنت في زيارة مكتب حزب الدعوة في الكوفة بعد معركة النجف قوله: «كنا في أحد الأيام نسبح في شط الفرات في صيف عام 1981م وكان السيد أحمد الحسني البغدادي بصحبتنا، «حيث تعود العلماء والمراجع أن يأتوا إلى بيتنا على ضفاف نهر الفرات، بالقرب من بيتنا يتمش رجل يلبس العمامة السوداء ويدخن (البايب)، يقول هذا الشخص المتكلم: كنت حين ذاك في السابعة عشرة ولماَّ سألت السيد البغدادي عن هذا الشخص الذي يمشي وحيداً ويدخن بهذه الطريقة غير المألوفة في تلك الفترة؟ أجابني السيد أحمد الحسني البغدادي قائلاً: هذا سيكون زعيم الطائفة الإمامية! وسكت السيد، ولم يقل لي من هو، وبعدما تحريت عنه عرفت أنه علي السيستاني، فتعجبت من جواب السيد حينذاك كل العجب، ولكن بعد وفاة الخوئي أُبْرزَ السيد السيستاني لقيادة مرجعية المؤسسة الدينية. بعدما سكت هذا الشخص المتكلم ذو اللهجة الريفية الصادقة سألت عنه أحد الجالسين إلى جانبي من يكون هذا المتكلم فقال لي إنه يدعى عبد عزيز الماضي وهو من سكنة ضفاف نهر الفرات ولهم مزارع وبيوت هناك.»
تعليق الناشر : «الأخ المجاهد عبد العزيز الماضي المواشي عضو قيادي في حركة الإسلاميين الأحرار، وقد أنطلق سماحة الأخ المرجع القائد(هارباً) من منزله ونقله في سيارته الخاصة الى بغداد، برفقته الأستاذ جهاد أبو صيبع، في صبيحة الثالث والعشرين من إذار عام 1998م ـ 1418هـ يوم هجوم الأمن الخاص الذي يشرف عليه قصي نجل صدام حسين الأصغرعلى منزله ومكتبه.»، أنظر بتوسع الموسوعة الإسلامية الكبرى:هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي المقاومة مستمرة والاحتلال الى زوال وشعبنا لن يموت« ج:3،ط بيروت، 2007م.
(4) راجع كتابات كاظم حسن عبد الرحمن حول ذلك المنشورة على موقع الكادر، و أنظر ايضاً أحمد الحسني البغداي «تأصيل معرفي بين الثورية واللاثورية« 4/422 ومابعدها.
(5) أنظر: المقابلة الثالثة عشرة مع صحيفة «الشاهد المستقل« بتأريخ 17 كانون الثاني 2006م، في موقعه الرسمي في زاوية مقابلات.
(6) المقابلة الأربعون مع قناة الجزيرة القطرية في برنامج الاتجاه المعاكس في دمشق بتاريخ 12ايار 2006م. نُشِر نص المقابلة في كتابه، «هكذا تكلم احمد الحسني البغدادي الجزء 3، ص108«،وموجودةعلى موقعه .
(7) الحديث االثامن في موسوعة «هكذا تكلم احمد لحسني البغدادي «الجزء الأول، موجود على موقعه http://www.alsaed-albghdadi.com

