التفسير العرفاني بين البعد المعرفي والمنطق الواقعي رسالة مفتوحة لسماحة الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي الى العراقيين الاماجد حول انبثاق التظاهرات في المدن العراقية احمد الحسني البغدادي الظاهرة الجهادية والمعرفية المعاصرة د. نذير القرشي بيان ثبوت هلال شهر شوال الأغر بيان حول حلول شهر رمضان المبارك اقرا بالتفصيل ما ورد في كتاب: الإمام الحسني البغدادي للمفكر العربي د. عبد الحسين شعبان تصريح حول القدس لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي مشروع فتنة محمّد الحسني البغدادي المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 - 1392 / 1881 - 1973 خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الثاني

عبد الحسين شعبان في مقارباته الشائكة للسيد الحسني البغدادي بوح في السياسة والدين والتاريخ

عبد الحسين شعبان في مقارباته الشائكة للسيد الحسني البغدادي بوح في السياسة والدين والتاريخ

عبد الحسين شعبان في مقارباته الشائكة للسيد الحسني البغدادي

بوح في السياسة والدين والتاريخ


عبد علي كاظم المعموري

أفرد المفكر عبد الحسين شعبان جزءًا من انشغالاته واهتماماته في السنين الأخيرة، لتناول السرديات أو التوثيقيات لشخصيات تركت ميراثاً له بصماته في تاريخ وديناميات نضالات الشعب العراقي وبعض شعوب المنطقة، سواء على مستوى الفكر أم السياسة أم الدين، في مواقفها أو توجهاتها. ولربما كانت دالته الكبرى هو الاستدلال على التمايزات أو (المتفردات) في الشخوص المختارة، فهو يولي عناية كبيرة لهذا الاختيار، وفي الأغلب الأعم كان يجري تحقيباً ونفضاً للغبار (بطريقة المؤرخ أو المشتغل بالآثار) عما لم يتم الكشف عنه، لذلك نلحظه باحثاً يتسم بالإناءة والصبر والفحص والتمحيص في المعلومة عن الحادثة أو الموقف من شخوصها الذين كانوا جزءًا منه.

ومحطة شعبان في إطار كتابة السرديات التاريخية لما يقارب قرن من الزمن شخصية دينية يحسب لها أن كانت متفردة في مناحي عدة، سواء على مستوى الدين وسسيولوجيته أم على نطاق المواقف الوطنية والقومية، فضلاً عن مساحة الفهم العالي لقبول الاختلاف مع الآخر وعدم تجريمه، بجانب ما كان يدور في دهاليز المؤسسات الدينية.

ولربما جاء جزء من الكتاب لبيان سياقات المواقف التي تبناها المرجع الديني (الحسني البغدادي)، الكبير والحفيد تواصلاً في التمايز أو الحفاظ على الخط العام، لمنهج شكلت توجهاته ومواقفه مدرسة في فهم الدين وتعاليمه من ناحية وما يتطلبه من مواقف سياسية إزاء الداخل العراقي أو دول الجوار، وطبيعة العلاقة مع الدول الفاعلة في الشأن العراقي، سواء كانت بريطانيا أم الولايات المتحدة، فهذه العلاقة تظل مركزية من وجهة نظر هذين البلدين، لشدة حضور المرجعيات الدينية وتأثيرها في الواقع الاجتماعي والسياسي العراقي.

وهناك محطات عديدة جاء عليها الكتاب تفصيلاً (عرضاً وتدقيقاً)، أريد منها أن تكون مثابات في بيان صور الاختلاف في المواقف التي اعتمدها (المرجع البغدادي)، ولعل ما استوقفني فيه مسألتان مهمتان هما: المحاولات في العهد الملكي والنظام السابق في استمالة العلماء، وهو ما لم ينجح به لا مع (البغدادي) الأكبر ولا (البغدادي) الحفيد، والوصول إلى الاقتناع بأن مواقف (البغدادي) وطبيعة الكاريزما التي يتحلى بها تجعل من الصعب ثنيه أو استمالته. والمسألة التي أخذت بُعداً أهم من جميع الأمور الأخرى بحسب (المؤلف)، هو الموقف من الآخر فكرياً ودينياً ووجودياً، وسبح المؤلف في محيط من المواقف والدلالات والشواهد، ومناطق التوافق والاختلاف، والتأثيرات في دواخل الداخل للمؤسسة الدينية ومحيطها الأقرب ومجتمعها، مع الخصوصية التي تمتلكها مدينة النجف ثقافياً ودينياً وحراكاً سياسياً واجتماعياً حتى تحت الأرض، والكيفيات التي يمكن أن يجري بها التوظيف، في قضايا جوهرية ومركزية، سواء جاءت في السياق أم مجرد التقاط (اللحظة). لا سيّما وأن المدرسة النجفية تتسم بتعدديتها أي أن هناك أكثر من مرجعية تبعاً للاجتهادات المتنوعة، وهي أقرب إلى معهد عالمي فيه حركة فكر وجدل فيما يخصّ الدين والتاريخ والسياسة والثقافة والمجتمع.

ولعل الأمر كله ينصب على التجريم والتكفير، من معطى ديني، للفكر اليساري برمته والماركسي بخاصة كونه الأصلب عوداً قبل عام 1980 والذي يحاول المؤلف الوصول إلى موجباته من ناحية النص الديني وتعددية التفسير والقراءة له، والمفارقة الكبرى أن المرجع الديني (الأعلى) السيد محسن الحكيم، هو من أصدر فتوى تكفير وتحريم الشيوعية في شباط 1960 – ولم يفتِ بذلك قبلها، برغم الوجود القوي والفاعل للحزب الشيوعي آنذاك- وأن السيد صاحب الحكيم هو مسؤول محلية النجف للحزب الشيوعي، وهو فرض على بعض الباحثين الربط بين هذا وذاك، فضلاً عن أن بريطانيا عملت على مواجهة الانتشار الشيوعي (الماركسي) في المنطقة من خلال التحشيد الإعلامي والثقافي، واقامة المؤتمرات والندوات حول التعاون لكبح جماح هذا الفكر دفع المتعاونين معها، أو المتضررين من الماركسية فكراً وممارسة، إلى أشبه ما يكون تحالفاً غير مكتوب أو معلن.

وما يشير إليه الباحث في تدقيقه للعشرات من المصادر، برغم إصدار الكثير من المرجعيات الدينية فتاوى التحريم وعدم الانتماء والتكفير والضلالة، لا سيّما (عبد الكريم الجزائري– محمد مهدي الخالصي- مرتضى آل ياسين… الخ)، إلا أنه لم يصار إلى مشروع متكامل لمواجهة الشيوعية جرى الاتفاق عليه أو اعتماده من قبل المؤسسة الدينية، بل أن بعض العلماء (كاشف الغطاء)، رفض الدعوة الأميركية لحضور مؤتمر في (بحمدون- لبنان) تكرس لمحاربة الأفكار الإلحادية، وما يمكن قوله في خضم هذا الأمر أن (البغدادي)، لم يكن راغباً في الانخراط بالعمل السياسي، وكان يفضل العمل الدعوي والوعظي، وظلت توجهاته تتعارض وتفترق قليلاً أو كثيراً عن توجهات الكثير من العلماء في النجف. والسياق العام لتوجهات (البغدادي)، لا يؤشر وجود شواهد تدفعه لتبني خطاب أو فتوى تحريمه، ولربما جاء موقفه من اليسار والشيوعية في إطار نتاجه الفكري وليس الإفتائي، وهذا الظن أراد المؤلف إشاعته في الكتاب من خلال سياق تناوله لمواقف الإمام (البغدادي)، وحتى ما ذكر عن موقفه ربما أريد منه عدم الانتقاد.  ويحسب للبغدادي (الكبير والحفيد)، مواقفهما ومشاركتهما في مقاومة الاحتلال سواء البريطاني أو الأميركي بوضوح من دون لبس أو تأويل، وهو يمثل موقف ممتد من بواكير القرن العشرين الى حدثين القرن الحادي والعشرين، والحال ينطبق على الموقف من القضية الفلسطينية، وحق المكونات الثقافية، بل وحتى الحق في الاختلاف فكرياً أو دينياً أو مذهبياً. وهو ما أعطى للإمام (البغدادي) مساحة كبيرة من القبول والإلتقاء بل والمناصرة في المواقف وتعضيدها. ولعل ما يربط هذه جميعاً موقفه من الجهاد ضد المحتل والمستعمر والبغدادي يعده فرض عين، مهما كان التسويغ لهذا الاحتلال، وهنا تكمن نقطة التنافر مع آراء دينية أخرى، ترى أن هناك سبلاً أقل وطأة من الجهاد. تبقى شخصية البغدادي (قديماً وحاضراً)، موضع إشكالية كبيرة، وهو ديدن المختلف عن السياق، لذلك يظلّ محل نظر، وقبلة الباحثين عن حقيقة الأشياء، وموارد الاختلاف ومسبباته، عندما تشتد الحاجة لأن يكون العامل الديني أكثر حضوراً في مشهد الانتقالات الكبرى للبشرية، عن طريق العصرنة للفهم والنص والتفسير والتأويل، وما أوجبنا إلى (حداثوية إسلامية)، تعلو من قدر الإنسان سيد المخلوقات، وتضفي الطمأنينة والتسامح بين بني البشر، فهم (أما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، هكذا قالها الإمام علي (عليه السلام)، لتظل عنواناً لتساكن وتعايش البشر مهما اختلفوا.

{ عبد الحسين شعبان، الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتدين (التاريخ والسياسة)، دار إحياء تراث الإمام البغدادي، النجف- العراق، 2018 – 335 صفحة.

نشرت في صحيفة الزمان العراقية بتاريخ 22 نيسان 2018م

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha