التفسير العرفاني بين البعد المعرفي والمنطق الواقعي رسالة مفتوحة لسماحة الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي الى العراقيين الاماجد حول انبثاق التظاهرات في المدن العراقية احمد الحسني البغدادي الظاهرة الجهادية والمعرفية المعاصرة د. نذير القرشي بيان ثبوت هلال شهر شوال الأغر بيان حول حلول شهر رمضان المبارك اقرا بالتفصيل ما ورد في كتاب: الإمام الحسني البغدادي للمفكر العربي د. عبد الحسين شعبان تصريح حول القدس لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي مشروع فتنة محمّد الحسني البغدادي المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 - 1392 / 1881 - 1973 خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الثاني

عبد الحسين شعبان في قراءة الحسني البغدادي مقاربة جريئة في الطرح والتناول والاغتناء

عبد الحسين شعبان في قراءة الحسني البغدادي مقاربة جريئة في الطرح والتناول والاغتناء

  عبد الحسين شعبان في قراءة الحسني البغدادي
 مقاربة جريئة في الطرح والتناول والاغتناء


ا.د. عبد الكاظم العبودي

ليست هي المرة الأولى ان يقتحم الاستاذ د. عبد الحسين شعبان الكاتب والمفكر العراقي الموسوعي صاحب العديد من المؤلفات الجريئة مواضيع شائكة ، غالبا ما تكون بعيدة التناول في كتابات المحدثين، وخاصة بالاقتراب الجريء في قراءة فكر المرجعيات الدينية في العراق والتي توجها في مجموعة مقالات تحت عنوان "مقاربات في سوسيولوجيا الدين والتديّن" كتبها في 12 حلقة متواصلة نشرتها صحيفة الزمان نهاية العام 2017. .
نتفق مع الاستاذ عبد الحسين شعبان: (تبقى ظاهرة الإمام البغدادي وشخصيته الإشكالية، مسألة متميّزة في إطار الهوّية الدينية التي حاول أن يعبّر عنها بوضوح وجرأة واجتهاد)، وقد عكست سيرة هذا الرجل وعائلته وخاصة حفيده السيد احمد الحسني البغدادي أفعالا ومواقف امتدت على قرابة قرن كامل من تاريخ العراق، تجاوزت في كثير من حيثياتها التوقف عند الزعم بالأقوال أو التنظير من خلال قداسة الدين والاحتباس وراء النصوص اللاهوتية.
 لقد كان الدكتور عبد الحسين شعبان موفقا كل التوفيق في مقاربته هذه، تسعفه ثقافته الموسوعية وحسن اطلاعه على تاريخ وعلماء مدينته النجف، وبأن يختار منها موقعا متقدما وقريبا لرصد حياة الإمام احمد الحسني البغدادي ليلج منها إلى المدخل العلمي في التحليل الثقافي والاجتماعي لسوسيولوجية الدين والتدين لدى البغداديين [البغدادي الجد والحفيد]، ليكون منهما صورة متكاملة، وضمن أكثر من بعد فكري مجسداً في تناول ثلاثي الأبعاد، متضمنا الإنساني  والروحاني والأخلاقي، وكلها عناصر تشكل جوهر الدين أساساً، وغاية التديّن. ومثلما هي الغاية نبيلة في الإيمان عند الإنسان المؤمن؛ فالوسيلة  السياسية لرجال الدين تتم ترجمتها بحكمتها وفي ظروف مجتمعية أملت على البغداديين أن يكونا حيثما وقفا عبر جيلين يواجهان جملة من المواقف التي استعرضتها مقالات الدكتور عبد الحسين شعبان، ومداخلاته الشيقة وردت في متن قراءته المتمعنة لكثير من المراجعات والوثائق والذاكرة الشخصية الحية له ككاتب ومؤرخ وسياسي عاش جملة من أحداثها في العراق ومدينته النجف، والتي حملت هي الأخرى إضاءات لقارئ شغوف يبحث بجد عن جوانب من ظلال تلك الحقائق التي لم تكن متاحة لكثير من المتابعين، وحتى لجمهور من المثقفين والمؤرخين المعنيين بمتابعة شأن المرجعيات الشيعية في العراق،  لذا قدمها د. عبد الحسين شعبان على نحو عضوي ومتلازم لا انفصام بينها.
وكما أصاب الاستاذ د. شعبان بتحديده ان المدرسة النجفية العريقة تتسم، بتعدّديتها، فهي متمايزة أيضا في اجتهاداتها ومواقفها من كثير من القضايا التي عرضتها حلقات المقالات ألاثني عشر،حيث أغنى عبد الحسين شعبان بقراءته المعمقة لها تأكيده لمكانتها العلمية والأدبية والثقافية والدينية، حيث وصفها كمدينة وحاضرة ثقافية، كانت وستبقى ألأقرب إلى معهد عالمي أو مجموعة أكاديميات ومدارس على شكل حوزات تتسم  فيها حركة فكر وجدل فيما يخصّ الدين والتاريخ والحياة والسياسة والمجتمع.
وكما عرف عن الجد السيد أحمد الحسني البغدادي حرصه على النشاط من خلال ندوته وهنا استعرض الدكتور عبد الحسين شعبان أسماء البعض من ترددوا عليها، ومنهم  : السيد محمد سعيد ألحبوبي والشيخ علي ألخاقاني والشيخ محمد حسن كُبّه والسيد عبد الرزاق الحلو وشيخ الشريعة الأصفهاني والشيخ علي ألجواهري والشيخ أحمد كاشف الغطاء والشيخ محمد جواد البلاغي والشيخ الميرزا محمد حسين النائيني والسيد أبو الحسن الموسوي الأصبهاني والشيخ محمد رضا آل ياسين والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء والشيخ محمد حسن المظفر والشيخ قاسم محي الدين والشيخ محمد جواد الجزائري والسيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد حسين البروجردي والشيخ مرتضى آل ياسين وآخرين، وهؤلاء جميعهم من الأعلام والشخصيات المتميّزة من رجال الدين في العراق والعالم الإسلامي.
وكذلك استمر الحال على خليفته وتلميذه وحفيده السيد احمد الحسني البغدادي سواء بمجالسه ومحاضراته وندواته في العراق وسوريا ولبنان مباشرة أو باستخدامه الذكي لتكنولوجيات التواصل المعلوماتي والاجتماعي وحرصه على إدارة موقعه الالكتروني وبإصداراته المتواصلة من كتب ومؤلفات ومن دون انقطاع على مدى نصف قرن من النشاط الديني والعلمي والاجتماعي والسياسي له.
وهكذا عكست الحلقات التي نشرتها صحيفة الزمان، والتي نشرها د. عبد الحسين شعبان  مؤكدا بعناية بأن الحسني البغدادي الكبير كان الفقيه الموسوعي الثقافة والمنشغل بالتاريخ، مفهوماً ومنهجاً ورؤية فلسفية، وخصوصاً في التاريخ الإسلامي القديم، ولاسيّما مؤلفاته في " الرسالة المحمدية" ، وما بعدها في " الخلافة الراشدية" ، وكذلك في أهم مؤلفاته بحثه الجامع الموسوم " التحصيل في أوقات التعطيل" ، ويقع ذلك في 6 أجزاء، وكذلك الحال بما استمر به من نشر ومتابعة السيد الحسني البغدادي (الحفيد)، الذي يحرص على ان تكون مواقفه نهجا وامتدادا لمدرسة السيد الحسني البغدادي الكبير.
 ولعل إن من أهم ما توقفت به عديد الحلقات المنشورة هي المواقف من الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بالعراق والبلاد العربية والاسلامية على مدى قرن من تاريخ العراق هو  إصدار البغدادي الحفيد كتاب " وجوب النهضة " الذي قدمها وعبر بها في صياغة متجددة عبر  رؤية تأسيسية استباقية حول مفهوم " الجهاد الدفاعي" اتسمت بها المدرسة الحسنية البغدادية ، ،جدا وحفيدا،
وكما عرف عن  الحسني البغدادي، الجد ، صلابة الموقف وشجاعة الرأي والوضوح في التعبير، إضافة إلى الوطنية العراقية والتوجّه العروبي الوجداني، استمر مثل هذا الموقف لدى حفيده أيضا وخاصة  في موقفه من الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 ودعوته إلى المقاومة حتى بات معروفا وموصوفا بأنه إمام المقاومة وصاحب فتواها المتصلب بها سلوكا وممارسة حتى يومنا هذا.
 لقد توفّي الإمام الحسني البغدادي في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1973، بعد مسيرة طويلة حفلت بمواقف سياسية جريئة وطرح وجهات نظر دينية ذات إشكاليات مفعمة بالحراك والاجتهاد المتميز، استعرضتها الحلقات، كانت غنية بالسرد والتفصيل، وفيها أيضا الكثير من الإيجاز الذكي المحكم واللماح، ومن دون الخوض ببعض التفاصيل، المتروكة مستقبلا للبحث العلمي والتحقيق في كثير من إحالات الهوامش المعهودة في كتابات ومؤلفات رجال الدين.
وإذا كان الكتاب والباحثون في مجالات الفقه الشرعي من رجال الدين أنفسهم قد منحوا لأنفسهم درجاتهم العلمية والاجتهادية من مدارسهم وحوزاتهم المعروفة وفيها من التوصيفات والمسميات كالمرجعيات أو بما يطلق على البعض منهم بــ  " آيات الله العظمى " أو  صفة " المرجع الديني الأعلى " أو حتى يجري التوحيد لهم بشكل قدسي نعتا باسم " المرجعية" ؛ فان هناك إشارة ذكية لماحة فطن إليها الدكتور عبد الحسين شعبان حول هذا الجانب تدحض مثل هذا التوصيف، استنادا إلى كتابات محمد مهدي شمس الدين  (أنظر: محمد مهدي شمس الدين- الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، بيروت، 1999 ص 142 وما بعدها)، وكذلك بما ورد بتوسع أكثر في مؤلفات الكاتب (عادل رؤوف : صناعة العقول بين "التقليد الفقهي" وثقافة التقليد، الطبعة الثالثة، 2007م، المركز العراقي للإعلام والدراسات).  وخلاصتهما  : إنهما مصطلحان غير موجودين في أي نص شرعي، وإنما هما مستحدثان، وليس لهما أساس من حيث كونهما تعبيرين يدلّان على مؤسسة ما،  وهي مؤسسة التقليد ومرجعية هي مرجعية التقليد، وتضيف تلك المراجع لمحمد مهدي شمس الدين وعادل رؤوف وحتى البغدادي نفسه: إلى أنه ليس لهما ذكر في الأخبار والآثار، فضلاً عن الكتاب الكريم.
  ويقرّر محمد مهدي شمس الدين: (... نحن في الفكر الإسلامي ليس عندنا إتباع للأشخاص، الفقيه لا يتمتع بأية قداسة على الإطلاق، وليس مؤهلاً لأن يكون متبوعاً على الإطلاق، ولذلك مفهوم التقليد، مفهوم دخيل…) ،.
 وكان  أحمد الحسني البغدادي الجد،  قد ذهب إلى ذلك مبكرا بقوله: (...  إن التقليد السائد لم يرد له أصل في الشرع). ويرى د. عبد الحسين شعبان أن  محمد مهدي شمس الدين والحسني البغدادي أعطيا الأولوية للعقل، ولعلاقة الإنسان المباشرة بالخالق. وسار على ذلك النهج حفيده  السيد احمد الحسني البغدادي .
 وفي هذا الصدد أتذكر ندوة صحفية عقدها السيد احمد الحسني البغدادي خلال أعمال المؤتمر القومي العربي السادس عشر الذي انعقد في الجزائر 2005، وردا على سؤال لصحفية جزائرية سألته لماذا تطلقون على أنفسكم لقب " آية الله"؟  فأجابها السيد أحمد الحسني البغدادي الحفيد وبأسلوبه المتسم أحيانا بالسخرية المرة، وقبل ان يشرح لها الفكرة ومعنى هذه الدرجة العلمية التي ينالها رجال الدين الشيعة،  ولماذا تستغربين ذلك و كل منا ، بما فيهم أنت ، هو آية من آيات الله من خلقه، وعقب ساخرا، قائلا لها : ( يا سيدتي حتى الحمار هو آية من آيات الله)، ليبعد عن ظنها ان هذا اللقب له قدسية عنده وعند غيره. 
ان الجوانب الهامة التي عكستها حلقات مقالات الدراسة ألاثني عشرعن سيرة ومواقف السيد احمد الحسني البغدادي الجد هو التعريف بمواقفه الراديكالية و "جذّريته السياسية التي كانت متواصلة ومتصاعدة؛ خصوصاً إزاء القضايا المصيرية التي تهمّ الأمتين العربية والإسلامية، لدرجة أنه كان عالما ورجل دين، أقرب إلى روح الشباب واندفاعاته حتى وهو شيخ كبير.
 وإذا كان ذلك إحدى مواصفاته في الحقل السياسي، فإنها في الحقل الديني أيضاً، وعلى الرغم من الانفصال بين الحقلين ومنطلقاتهما، فقد كانا يتوحّدان لديه لدرجة الاندغام أحياناً.
فهذا الراديكالي الثوري في حقل السياسة، هو نفسه المحافظ التقليدي في حقل الدين، وتلك واحدة من المفارقات التي تمتاز بها شخصيته الإشكالية، ليس في الحقلين المشار إليهما فحسب؛ بل في الحقل الاجتماعي أيضاً، خصوصاً وقد عُرف بصراحته الشديدة، وكان البعض يتجنّب الاصطدام أو حتى الاحتكاك به، خشية من ردود الأفعال الشديدة أحياناً والمُحرجة في أحيان أخرى لمقامات تريد أن تبقى صورتها لدى "العامة" ،  غير ما هي عليه حقيقتها، لكن الحسني البغدادي يكشف أحياناً عن مستورها ليضعها عارية أمام الملأ  .
وهكذا بدا الحسني البغدادي أبعد عن رجل دين تقليدي، وأقرب إلى "ثوري"، راديكالي كلاسيكي، يسعى للتغيير بجميع الوسائل لنصرة الحق، وللوقوف إلى جانب المظلوم، سواء من خلال نقد السائد من السياسات والمواقف، ولاسيّما في العهد الملكي وبعدها العهد الجمهوري الأول، أو في معارضة الاتجاه الديني الذي قارب السياسة من منظور محافظ، ومتردّد في الكثير من الأحيان، سواء بالممالئة أو الموالاة أو بالممانعة والمعارضة، على صعيد الداخل والخارج.
لقد وقف الحسني البغدادي الأكبر ضد محاولات الهيمنة الأجنبية على العراق والعالم العربي والإسلامي منذ نعومة أظافره، وشارك في التصدّي للانكليز، حين انخرط في المقاومة العراقية لمواجهة الاحتلال البريطاني (1914-1918)،  وفيما بعد بالثورة العراقية 1920 ، وكان لديه الكثير من الملاحظات والانتقادات على الحكم الملكي ورموزه منذ تنصيب الأمير فيصل الأول في 23 آب (أغسطس) 1921 ملكاً على العراق، وعبّر عن آرائه بشجاعة في العديد من المواقف، لعلّ أبرزها تنديده بموقف الحكومة العراقية المتفرّج إزاء العدوان  الثلاثي على مصر 1956. كما وقف إلى جانب انتفاضة "خرداد"  الإيرانية وندّد بحكم شاه إيران، وكان يعتبره عدوّاً للإسلام.
 كما أيّد الثورة في 14 تموز (يوليو) 1958 وقد استبشر بها خيراً؛ إلّا أنه اختلف مع بعض توجهاتها، ولم ينخرط في معارضتها أو في معارضة الحكومات التي أعقبتها من موقف طائفي؛ بل إنه كان قد ندّد بالطائفية، سواء في بعض تمظهراتها في الحكم أو في معارضتها بالوسيلة ذاتها، وهذا ما ينطبق عليه قول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي  من مرض " الطائفية المتفشي"، والذي عبّر عن تصرّفات بعض أطرافها، بأنهم "طائفيون بلا دين"
  ، وهؤلاء بينهم المتديّن وغير المتديّن؛ بل إن بعضهم غير معني بالدين أصلاً، لكنه متعصب طائفياً.
وللسيد البغدادي مواقف متميّزة بشأن الدعوات الطائفية، ففي العام 1965 أصدر بياناً بعنوان" لا طائفية ولا استكبار" ، وبقدر ما كان يقصد بذلك حكومة عبد السلام عارف، فإنه قصد أيضاً بعض معارضيه من الاتجاه الطائفي المعاكس، والمتمثّل بالمرجعية الرسمية (الحكيمية).[مرجعية السيد محسن الحكيم]. وقد استفسر د. عبد الحسين شعبان خلال حواراته مع السيد البغدادي الحفيد عن ذلك البيان من الحسني البغدادي الجد  فأجابه : (... حاولنا طبع البيان في "مطبعة الغري" في النجف، لكن أصحابها كانوا يخشون طبعه تحاشياً من ملاحقة السلطات الرسمية وبعض المتنفذين حينذاك، وبعد أن علمت الأجهزة المختصة بوجود مثل هذا البيان، قامت باقتطاع أجزاء منه محرّفة مضمونه؛ الأمر الذي دفع الحسني البغدادي الكبير إلى المبادرة بإصدار بيان يحمل صيحات احتجاج على هذا النهج غير الشرعي.
ويمضي الحسني البغدادي "الحفيد" بعرض تفاصيل ما حدث فيقول: (أمرني رضوان الله عليه أن أقوم بهذه المهمة الصعبة وأن يكون البيان باسمي شخصياً، فلبيّت الطلب بكل اعتزاز. فذهبت إلى بغداد وكان برفقتي ابن عمّي صادق الحسني البغدادي (الحجّة)، فذهبنا معاً إلى "مطبعة النجوم"، وكان صاحبها صديق ابن العم وشرحنا له الأمر، فوافق على نشر البيان شريطة أن يتم تنفيذه بعد انصراف العمّال كي لا ينكشف الأمر. وبالفعل تم طبع البيان في 28 من شهر رمضان المبارك، وجئنا به إلى النجف الاشرف ووزّعناه على علمائها ورجالها). (انتهى كلام الحفيد).
وقد حاول الشيخ علي كاشف الغطاء إقناع البغدادي بالتخلّي عن البيان أو عدم توزيعه؛ خصوصاً وإنه كان يقصد بالاستكبار "الحكومة العراقية"، وبالطائفية المجموعة الناشطة من التيار الإسلامي الشيعي،  الذي كان بينه وبينهم ، ما صنع الحدّاد،  كما يُقال، لكن الحسني البغدادي أبى ذلك، وقد حاول أن يشرح موقفه في بيت كاشف الغطاء لممثل رئيس الجمهورية عبد الجليل أحمد العبيدي الذي وصل إلى النجف برفقة محمد بديع شريف رئيس الديوان والشيخ عبد الوهاب ألأعظمي، أمين عام المؤتمر الإسلامي الأول في بغداد، لاسيّما بتأكيده على الوحدة الوطنية، في حين كان الجانب الآخر يريد منه شيئاً آخر، ولمّا شعر بأنه أدى المهمة قام بترك غرفة الاستقبال وسارع بالخروج.
كما وقف البغدادي إلى جانب المقاومة الفلسطينية، وأفتى بالانخراط فيها، وأجاز التبرّع بالحقوق الشرعية لها، وكان شديد البأس في تنديده بالصهيونية وحماتها على طول الخط؛ بل والدعوة إلى مقاطعة الدول التي تتعامل مع "إسرائيل"، ومثل هذا الموقف يذكّر باقتراح الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء العام 1931 في المؤتمر العربي الذي انعقد في القدس، حيث طالب فيه ( بتغيير الحج في ذلك العام من مكّة إلى القدس)،  دعماً لثورة البراق، التي كانت قد انطلقت في العام 1929، وتأييداً للشعب العربي الفلسطيني في مقاومة الصهيونية والاستعمار البريطاني.
لقد كان الحسني البغدادي أول الداعين لدعم ومساندة الثورة الفلسطينية "بالجند والسلاح والمال"  ،  فلم يضع قيوداً على العمل الفدائي أو شروطاً لممارسة الكفاح ضد الصهيونية، كما فعل بعض رجال الدين الآخرين في فتواهم التي اتخذت طابع المجاملة، أو هكذا فُسّرت في ظل الحماسة السائدة، وقد توافد عدد من القيادات الفلسطينية لزيارة السيد البغدادي، والتقى وفوداً من فتح والجبهة الشعبية، وتبادل بعض الرسائل مع ياسر عرفات وجورج حبش، وكان عرفات (أبو عمار) قد زاره في المستشفى حين كان يرقد في بغداد في مدينة الطب.
علماً بأنه وجه في حينها نداءً إلى ملوك ورؤساء الحكومات الإسلامية وشعوبها حول مقاطعة الدول التي تساند إسرائيل جاء فيه: “… فالواجب على المسلمين كافة مقاطعة الاستعمار في كل أمر، فيحرم عليكم مساعدة المستعمرين، بل يحرم عليكم كل ما يوجب ضعفكم وقوتهم”.
حين يكون الحديث عن المال، فإن كل الناس على دين واحد.
وعلى الرغم من وضوح المواقف الوطنية والعروبية الصميمية والعراقية الأصيلة للإمام الحسني البغدادي، خصوصاً مقاومته لمحاولات الاستتباع الخارجي ودعمه للمقاومة الفلسطينية، بل وقوفه أيضا ضد بعض رجال الدين الشيعة، من منظور أقرب إلى الحكومة، في إطار معادلة وضعها لنفسه لمواجهة التحديات المختلفة.
وحين اندلع الخلاف في العام 1969 بين إيران والعراق حول شط العرب، ألغت إيران من جانبها معاهدة العام 1937 مع العراق، من طرف واحد، علماً بأن هذه المعاهدة كانت لصالحها، مطالبة بحصولها على المزيد من التنازلات من جانب الحكومة العراقية وطامعة في بسط نفوذها على الخليج، وقد أقدمت لاحقاً على احتلال الجزر العربية الثلاث أبو موسى و طنب الكبرى و طنب الصغرى العائدة لدولة الإمارات العربية المتحدة العام 1971.
 وخلال اندلاع الأزمة بين العراق وإيران أرسل شاه إيران قوات بحرية لتفتيش السفن المتوجهة إلى شط العرب، وطالبها برفع العلم الإيراني، فما كان من الحسني البغدادي إلّا اتخاذ موقف شجاع وهو المعروف بعدائه لحكم الشاه، فأعلن في مقابلة أعيد نشرها في مجلة التراث ألنجفي مؤخراً (العدد 76-77) العام 2017 نقلاً عن مجلة العمل الشعبي (العدد 15- 16 حزيران/يونيو/1969 أن ( لا فرق بين حكومتي إيران وإسرائيل)، مندّداً بالتعاون بينهما، وأشار إلى وجوب مساعدة أبناء عربستان [ الاحواز].
وخلال وجوده في النجف منذ 1964 ولغاية العام 1973 (وفاة السيد الحسني البغدادي) كانت علاقاته مع الخميني جيّدة وحميمة، والزيارات بينهما قائمة. ولعلّ جزءًا من ذلك يعود إلى موقف الحسني البغدادي الداعم لانتفاضة "خرداد" من أحداث الثورة ومن الخميني شخصياً، وكانت الفاتحة قد أقيمت في النجف على أرواح شهداء الانتفاضة، وحضرها الحسني البغدادي بنفسه، وكان لذلك تأثير كبير على حركة التضامن مع الشعب الإيراني، حيث كان بعض رجال الدين متردّداً أو أنه اتخذ مواقف ذات سقف أدنى من موقف السيد البغدادي .وكان الحسني البغدادي قد أرسل برقية استنكار إلى الشاه، وقام بتوزيعها على شكل منشور، وبادرت إذاعة صوت العرب من القاهرة على إذاعتها والتعليق عليها، كما نشرتها في وسائل إعلام مختلفة، علماً بأن ذلك كان وقت هيمنة الحرس القومي على مقاليد الأمور، لكنه لم يبالِ بمثل هذا التحرّك الشجاع. وكان د. الشيخ محمد هادي ألأميني قد نقل برقية السيد البغدادي إلى شاه إيران محمد رضا بهلوي، وهذا نصّها: (نص برقية الحسني البغدادي إلى شاه إيران):
عاهل المملكة الإيرانية محمد رضا بهلوي – طهران:
 (انخداعكم لأعداء الإسلام الذين كان مقصدهم الوقيعة في شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلّم والقضاء على الإسلام والمسلمين .. هو الذي أدى إلى سوء صنيعكم بالشعب الإيراني وعلمائه الأبرار قتلاً وإرهاباً وحبساً وتبعيداً. وأعظم من ذلك بغيكم على علماء الدين،وعلى رأسهم الإمام آية الله الخميني، الذين بهم تقام الدولة، وتنظم الرعية. كيف لا وهم حجج الله وآياته ، وأعلام الدين ودعاته؟ … وقد يؤدي سوء صنيعكم إلى سوء عاقبتكم في الدارين هواناً وخسراناً، وصريح القرآن في كثير من آياته هو البطش والانتقام من الجبابرة والطغاة. وأن فاجعة إيران لم تكن خاصة بهم، بل عمّت كافة المسلمين، فإنهم منكم ناقمون، وعليكم ساقطون، والأمر يحدث بعده الأمر). (محمد الحسني البغدادي).
تلك هي برقية الحسني البغدادي، التي عبرت عن موقف ثابت إزاء قضايا الاستبداد سواء في ايران أو غيرها من بلدان المسلمين،  وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، ففي حين كان التنديد شديداً بالمجازر التي حصلت في إيران، كان محسن الحكيم يستقبل وزير خارجية إيران " عباس آرام"، حيث نقلت الأخبار حينها : (...  أنه حثّه على تغيير سياسته إزاء المعارضة الإسلامية الإيرانية) ، وهو موقف لا يرتقي إلى التضامن المطلوب والمواقف التي اتخذها الحسني البغدادي وعدد من رجال الدين الآخرين.
وكان آية الله الحكيم قد أرسل برقية إلى آية الله محمد البهبهاني تحثه فيها على التدخّل لدى السلطات الإيرانية لإيقاف التطاول على مقام الروحانيين. ومما جاء في نص البرقية:  (...  إن إصرار المسئولين على تشريع القوانين غير المشروعة موجب للارتباك … ويسبب نقمة الشعب المسلم واستفزازه، وحيث أن المؤمنين يستفتونني في واجبهم، رأيت لزاماً عليكم وعلى العلماء الأعلام أن تبلغوا المسئولين ، إن الشعب الإيراني المسلم إنما انتخب أولياء الأمور للقيادة في سبيل تنفيذ قوانين الإسلام المقدسة والدفاع عن نواميس الدين الحنيف…)،  [ نقلاً عن عادل رؤوف- العمل الإسلامي في العراق- بين المرجعية والحزبية، المركز العراقي للإعلام والدراسات، دمشق ، ط4،  2006،  ص 39].
 من الانتقادات الأخرى التي توجّه إلى السيد الحسني البغدادي أنه اتّخذ موقفاً أقرب إلى موقف الحكومة العراقية حين تعرّض السيد مهدي الحكيم نجل الإمام الحكيم الكبير إلى الاتهام بالجاسوسية، وكانت تصريحاته تلميحاً فيها نوع من "الإدانة" ، وإن لم يأتِ على ذكر الاسم ، لكنها في الشارع فُهمت على أنها اصطفاف مع الحكومة ضد خصمه اللدود الحكيم. وحسب تدقيقات الدكتور عبد الحسين شعبان التي أشار اليها بهذا الصدد في مقالاته هذه : (...  فإن موقف الإمام الحسني البغدادي وتصريحاته بشأن الجواسيس كان قبل اتهام السيد مهدي الحكيم بالتجسس بنحو ثلاثة أشهر، لكن الحكومة أبرزته واستغلته بعد توجيه الاتهام إلى السيد مهدي الحكيم). [انظر: عادل رؤوف – أنبياء وأصنام – حوزة الأرض والوطن وحوزة الوافدين إلى الوطن، فقرة: جاسوسية مهدي الحكيم نقاشات مجتزأة.. واشتباكات مرجعية، ص: 148، ط: الثانية، 2009م، المركز العراقي للإعلام والدراسات]. والهدف منه كما هو معروف: (... تعميق الخلافات بين رجال الدين لإضعاف الطرفين، وإبقاء روح المنافسة غير المبدئية أحياناً قائمة بينهما، فضلاً عن الكراهية والتشفي والحسد، وهي كثيراً ما تكون موجودة، بل ومتفشية بين أبناء المراجع وحاشياتهم، التي هي المتحكّمة أحياناً بأمور المرجع، خصوصاً مع تقدّم السن، ومع الرغبة في عدم المواجهة المباشرة، فيترك أمر إدارة شؤون المرجع للمقربين منه من الأبناء والأنسباء والأقرباء والبطانات).
ولعل في استذكار حكاية اللقاء بالسفير الأمريكي فيها من الغرابة ، وكما يرويها د. عبد الحسين شعبان، استنادا إلى شهادات ووقائع وحوارات استقاها شعبان وأوجزها،  يقول عنها: (... استغربنا حين سمعنا لقاء السيد البغدادي مع السفير الأمريكي في بغداد، وحين استفسرنا، علمنا كيف حصل اللقاء، علماً بأن هناك الكثير من الإشاعات التي كانت رائجة بشأن علاقة بعض رجال الدين بالسفارات الأجنبية، البريطانية والأمريكية وغيرها، ولأننا نعرف الحسني البغدادي، فقد كان الأمر محيّراً. وقد نقل لنا صادق الحسني البغدادي (الحجّة)، إن الحسني الكبير كان ضيفاً على أحد أصدقائه في بغداد (المقصود عبد الباقي الطيار)، وكان هناك من ينتظر لمقابلته، وهو في قيلولة، وإذا بالسفير الأمريكي يطرق الباب ويطلب مقابلة السيد. (ويبدو أن ثمة من دعاه واتفق معه، وإلا من أين له أن يعرف بحضور السيد البغدادي؟ وكيف يسوّغ لنفسه مثل هذا التصرّف غير الدبلوماسي؟).
وقد فوجئ السيد بعد أن استيقظ من النوم، وكان رد فعله الأول هو الاعتذار عن اللقاء، ولكن المضيفين أقنعوه بذلك، بأن السفير جاء يستفسر عن صحتكم، ولأنه ضيف، فالتعاليم الإسلامية والتقاليد العربية تقضي بإكرام الضيف، فأذن له بالدخول عليه، ناقلاً له تحيّات رئيس الولايات المتحدة ليندون جونسون.
وهناك من يرتاب بصحة هذه الرواية معتبراً إن اللقاء جاء بترتيب واتفاق، لكنني أميل إلى هذا الرأي، وأعتقد أن الاتفاق لم يكن مع الإمام الحسني البغدادي؛ بل مع بعض الحاشية التي كانت تريد استغلال اسمه وتليين موقفه، خصوصاً وإن وضعه في مثل تلك الأجواء قد تضطره إلى المجاملة، وبذلك تكون خطوة أولى للتنازل، لكن السيد خيّب مثل هذا الظن وأفشل مثل هذا التقدير أو الاعتقاد، حين عبّر عن موقفه الحاد إزاء الصهيونية و"إسرائيل" والولايات المتحدة.
وكان الحسني البغدادي قد بادر السفير الأمريكي بالسؤال: ماذا تطلبون منّا وأنتم من يدعم الصهيونية العالمية ويساند "إسرائيل"؟ . هل تريدون السلام فعلاً أم تريدوننا أن نستسلم؟، وكان ذلك بمثابة مفاجأة غير دبلوماسية، لكنها لغة الحسني البغدادي المعروفة بفصاحتها ووضوحها ولغة العراقيين السائدة آنذاك، وهم عرفوا وخبروا كيف تمارس "إسرائيل" عدوانها، وكيف يتمّ تعطيل التنمية والتقدم، بحجة مواجهتها وتبديد الأموال لشراء السلاح.
 مواقف الحسنيين من الاحتلال البريطاني 1917  إلى الاحتلال الأمريكي 2003
يكاد أن يكون موقف الحسني الجد والحسني الحفيد واحدا إزاء قضية الاحتلال الأجنبي ومقاومته. تبنّى الحسني البغدادي الجد فكرة "الجهاد الدفاعي" منذ أمد بعيد، وقد حاول الكتابة فيه، حيث أعدّ عنه مخطوطة كبيرة، لكنها ظلّت تقبع في مكتبته عقوداً من الزمان، حتى سنحت الفرصة بصدورها في كتاب بعنوان "وجوب النهضة".
 وجاء موضوع نشره وتوقيته مناسباً جداً، خصوصاً بعد العدوان "الإسرائيلي" على الأمة العربية في 5 حزيران (يونيو) العام 1967? فجرى طبعه وتوزيعه في حينها، واحتفلت فيه الأوساط السياسية والثقافية، الوطنية والعروبية واليسارية، خصوصاً لما حمله من رؤية ثاقبة بخصوص مقاومة العدوان ورد كيد المعتدين والمتخاذلين.
وإذا كان الكتاب قد أعدّ أيام حكم الدولة العثمانية وفي مواجهة الإنكليز، فإن أحكامه امتدّت، بل أصبحت أكثر ضرورة حيوية لمواجهة "العدوان الإسرائيلي" باعتباره ( فرض عين وليس فرض كفاية)،  كما يقال. وهي نفس الفكرة التي حاول آية الله علي السيستاني استحضارها في أطروحته عن "الجهاد الكفائي" لمواجهة داعش بعد احتلال الموصل في 10 حزيران (يونيو)2014.
 ان أهم  خلاف يطرحه السيد احمد الحسني البغدادي الحفيد من مرجعية السيستاني هو تخليها عن مجابهة الغزو الاحتلال الأمريكي 2003 والتغاضي عن حلول الغزو في العراق بالسكوت المطلق؛ بل في تعطيل فتوى الجهاد، في حين كانت مرجعية السيد الحسني البغدادي قد تمسكت بخيار المقاومة ومواجهة الغزاة ، كما حرص البغدادي "الحفيد"،  على مساهمته في الترويج لفكرة مقاومة الاحتلال الأمريكي،  ونشر ثقافة الدفاع عن الوطن والقيم، التي تبنّاها منذ العام 2003 ولاسيّما "الحق في مقاومة الاحتلال" وكان  الحسني "الحفيد" قد أسّس منذ أواسط التسعينات (حركة الإسلاميين الأحرار)،  وكان لها بعض الامتدادات في أهواز الجنوب، إضافة إلى النجف وبغداد وبعض المدن العراقية من المؤيدين لآية الله البغدادي، وحين انكشف أمرها بعد ترصّد من جانب السلطة العراقية البعثية، التي لاحقته، فاضطرّ الهروب إلى إيران في العام 1998 ومنها انتقل بعد بضعة أشهر إلى دمشق، وتعرّض بعض أعضاء الحركة إلى التنكيل، بما فيها إعدام بعض من قياداتها.
ويعد كتاب "وجوب النهضة" هو درس في الكفاح الوطني والقومي من أجل الحقوق وضدّ المعتدي والمحتل، مثلما هو درس في فقه المقاومة والدفاع عن الوطن. وعلى الرغم من أنه كان قد كُتب إبّان الحرب العالمية الأولى، لكن حيثياته واستنتاجاته لا تزال راهنة وحيوية، وفيها إعادة قراءة معمّقة لفقه المقاومة في مواجهة الاستكبار العالمي، وخصوصاً بعد اتّفاقية سايكس – بيكو لتمزيق البلدان العربية، العام 1916 وحتى اليوم.
وكلنا نتذكر ان للبغدادي الحفيد خطابا جريئاً له بهذا الصدد، حين أبدى استعداده للتعاون حتى مع "عاهرة" إذا كانت ضد مشروع الاحتلال الأمريكي، وهو مستعد أن يتسامح معها على عهرها،  لكنه يرى في رجل دين يفتي بجواز الاحتلال،  وكأنه يزني بأمه عند جار الكعبة،لا يمكن مسامحته  ،  ولم يتورّع الحسني البغدادي من قول ذلك، وهو بزيّه الديني وعمامته السوداء ولحيته البيضاء، في كلمته التي ألقاها إمام  جمهور كبير من الحاضرين في المؤتمر القومي العربي 2005 في قاعة فندق الاوراسي بالجزائر،  وبالطبع فإن مثل هذا القول مجازي على صعيد "التشبيه والدلالة"  كما يقول علماء البلاغة، قصد منه البغدادي الحفيد، الدعوة إلى تعبئة جميع القوى ضد المحتل، وإبعاد ما هو ثانوي وطارئ ومؤقت، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وطويل الأمد، لاسيّما بإذكاء روح الوطنية العراقية وتحفيزها على مقاومة المحتل الأمريكي.
ولأن البغدادي الكبير، امتلك شخصية كاريزمية ومكانة علمية، فقد نظر إلى جميع المحاولات التي حاولت كسبه، سواء عن طريق المال أم بالإغراء، أو سواءً كانت تلك المحاولات خارجية أم داخلية، بعين الاستصغار والازدراء، خصوصاً في ظل نزاهته الشخصية ونظافة يده، حيث عاش حياة زهد وعفّة نفس وكبرياء، فضلاً عن صراحته المعهودة ، لاسيّما في اتخاذ المواقف، فقد كان جريئاً ولم يحاول الاقتراب من الحكام، بل إنهم اقتربوا منه، وإنْ استجاب إلى بعضهم، فقد وضع مسافة بينه وبينهم، كما هو في عهد الرئيسين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف والرئيس أحمد حسن البكر. وكان هؤلاء معجبين بمواقفه الوطنية والعروبية العامة، وهو ما حاول خصومه إثارة إشاعات حوله.
في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز 1959 أرسل البغدادي الجد برقية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، يستنكر فيها إقامة المهرجانات التي صادفت ذكرى استشهاد الحسين، وكانت قد حدثت بعض المصادمات في المسيب والديوانية والحي وغيرها، وعلى إثر ذلك أرسل الزعيم ، السيد حميد الحصونة، قائد الفرقة الأولى، لينقل رسالة شفوية منه ، وكان وقتها البغدادي بالكوفة، وقد تذرّع بالمرض، وطلب منه إذا كان لديه شيئاً يقوله فليقله لمرافقيه، لاسيّما بخصوص احتفالات الشيوعيين التي كان قد اعترض عليها. وقد قال الحصونة: إن الزعيم قرّر تقديم مخصصات شهرية للسيّد ( ليستعين بها في شؤونه الخاصة والعامة)، وهنا بادر السيد حسام الدين الهادي الحسني بقوله: (إن مقام السيد لا يسمح له بقبض مخصصات من أي حاكم مهما كانت صفته). ولكن ممثل الزعيم قال له إن زملاءه من علماء النجف يستلمون هذه المخصصات، بل إن بعضهم هو من طالبهم بها.
وكان قد سبق للحسني البغدادي أن رفض استلام راتب شهري من عائدات الأوقاف الهندية، لما كان يحوم حولها من صلات بالانكليز، وكان من عرض عليه ذلك هو محمود آغا الهندي، وهو ضابط ارتباط بالسيد محمد كاظم اليزدي وحكومة الاحتلال، وهو ممن يسمّون “علماء الحفيز” أي الـ office (عن اللغة الانكليزية) التي حرّفت لتصبح "الحفيز"، وعلماء الحفيز هم رجال الدين الرسميين.
كما رفض تخصيص راتب له من الرئيس عبد السلام محمد عارف، حين جاءه نجم الدين ألنعيمي، ممثلاً له برفقة عبد الوهاب ألأعظمي، بهدف دق المزيد من الأسافين بينه وبين السيد محسن الحكيم من جهة (الذي تحرّكه إيران كما تقول الرواية الحكومية) ، وضد الملّا مصطفى البارزاني من جهة أخرى، حيث كانت الحركة الكردية قد عادت إلى العمل المسلّح قبل الوصول إلى بيان 30 حزيران (يونيو) العام 1966 والذي لبّى جزءًا من مطالب الشعب الكردي.
وكان الرئيس عارف كما تقول “الرواية” التي تم تداولها في حينه، قد قرّر تخصيص مبلغ 10 آلاف دينار لإدارة شؤون "الحوزة العربية" وتغطية نشاطاتها. لكن الحسني البغدادي اعتذر عن ذلك بلا حوار أو نقاش، وترك الجلسة قائلاً (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..)،  وقد نقل هذا عبد الحميد الراضي في حواره مع الحسني البغدادي (الحفيد) في كتابه: محمد الحسني البغدادي – المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 – 1392 / 1881 – 1973? منشورات مكتبة الإمام المجاهد السيد البغدادي العامة، 2017.
ويبدو أن عبد السلام عارف أراد مكافأة البغدادي على فتواه بتحريم الشيوعية، لكن البغدادي الذي عبّر عن قناعاته، لم يكن يسعى للحصول على مكافأة مالية أو غير مالية له، بل كانت تلك قناعاته، بل واحدة من "شطحاته" التي أشار إليها د. عبد الحسين شعبان في حلقات من مقالاته ، خلال سرده بالتفصيل قضايا الفتاوى بتحريم وتكفير الشيوعية التي روج لها السيد محسن الحكيم وغيره في 1959، وامتنع عنها السيد البغدادي ولكنه عاد فكتب شيئا ما بهذا الخصوص خلال فترة حكم  الرئيس عبد السلام عارف 1964 ، حيث يرى شعبان انه  (... لم جد لها أي مبرّر سياسي، لكن رأيه يبقى محترماً، طالماً كان نزيهاً حتى وإن كان "خاطئاً") .
بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) العام 1968 الذي أعاد حزب البعث إلى السلطة،اجتمع الدكتور عبد المجيد الرافعي عضو القيادة القومية لحزب البعث والوفد المرافق له مع الحسني البغدادي الذي زاره في داره (أواخر العام 1969)، وتم تبادل الأخبار والمعلومات عما يجري في الساحة اللبنانية، التي كانت تنذر بحرب أهلية، وخصوصاً في الموقف إزاء الوجود الفلسطيني المسلّح، وكان السيد شبيب المالكي قد حضر اللقاء بوصفه متصرّفاً للواء كربلاء (محافظاً)، وكانت النجف قضاءً حينها تتبع لكربلاء، ولفت الرافعي انتباه المالكي بعد خروجهما إلى حياة التقشف التي يعيشها البغدادي، قياساً بأقرانه في لبنان، وطلب مفاتحة القيادة بدعمه مادياً، فكان رد المالكي: (... إن البغدادي رجل زاهد وتؤكد المعلومات التي لدينا أنه يرفض الهدايا وأية مساعدات من الجهات الرسمية). وهو ما أكّده لي المالكي شخصياً إضافة إلى رسالته المؤرخة يوم 28/9/2017. وكان قد زاره من لبنان خلال تلك الفترة أيضاً طلال سلمان (رئيس تحرير جريدة السفير لاحقا) والسيد جعفر شرف الدين والسيد موسى الصدر وأديب الفرزلي وكامل الأسعد رئيس البرلمان اللبناني الأسبق.
وكان خير الله  طلفاح قد طلب من الرئيس أحمد حسن البكر تقديم المساعدة للحسني البغدادي، طالما يحصل آخرون على مساعدات إيرانية تأتيهم باسم الحقوق، وكان ردّ الرئيس البكر،( إن الحسني البغدادي رفض أكثر من عرض منّي ومن الدولة، وهذا هو تاريخه، فكيف يقبل أن يأخذ المخصصات من الشاه عدوّه اللدود). وقد وثقت هذه المعلومة مع منذر المطلك سكرتير مكتب البكر حينها والسفير لاحقاً، الذي أكّد لي أنه سمعها من الرئيس البكر، مع إشارة إلى مرجعيته العربية الشجاعة، وهو ما يؤكد ترفّعه ووطنيته ونزاهته.
ولعل أهم ما في  حلقات المقالات التي نشرها الدكتور عبد الحسين شعبان توثيقها الدقيق ومن شاهد نجفي وشيوعي سابق قد عاشها عن كثب، وفيها من القيمة التاريخية والسياسية   جوانب هامة من تاريخ العراق المعاصر، بما يتعلق بمواقف بعض " المرجعيات" والتي  ظلت غامضة أمام الأجيال بما يسمى  قضية  "فتاوى تحريم الشيوعية"،  التي كثر حولها الجدل في السنوات 1959 وما بعدها بعد احتدام الصراع السياسي في العراق اثر انتكاسة ثورة 14 تموز واشتداد الصراع بين معسكري القوميين والشيوعيين، مما شجع بعض رجال الدين ودفعهم في إقحام مؤسساتهم وعناوينهم الدينية بما سمي [  إصدار فتاوى من المراجع الكبار لتحريم الشيوعية] ، حيث أصدر السيد محسن الحكيم في شباط/فبراير 1959  فتوى لتحريم الشيوعية جاء فيــها : ( ...  لا يجوز الانتماء إلى الحزب الشيوعي، فإن ذلك كفر وإلحاد، وترويج للكفر والإلحاد، أعاذكم الله وجميع المسلمين عن ذلك، وزادكم إيماناً وتسليماً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…). وفتوى عبد الكريم الجزائري التي جاء فيها:  (…الشيوعية هدم للدين وكفر وضلال، فلا يجوز الانتماء إليها بوجه من الوجوه، كفى المسلمين شرّها). وفتوى مرتضى آل ياسين التي أكّدت على:  ( ...  أن مساعدة الشيوعيين أو الانتماء إليهم يعدّ ذنباً كبيراً).
والمفارقة التي توقف عندها الدكتور شعبان  وأوضحها بشكل جلي:  كيف ان الحسني البغدادي الجد ،  قد مورست عليه ضغوطاً كبيرة  لإصدار فتوى متزامنة مع فتوى السيد محسن الحكيم، لكنه رفض ذلك بعناد وإصرار، وحسب  الكاتب عادل رؤوف، وكذلك بما توصل إليه ودقّقه الباحث د. عبد الحسين شعبان في حواراته مع السيد الحسني البغدادي (الحفيد) قد أزال الغموض حول حقيقة وموقف السيد الحسني البغدادي الجد،  ورفضه إصدار فتوى بتحريم الشيوعية في زمن اتسم بالصراع الدموي واستغلال مثل تلك الفتاوى انه كان يرى : (...  إن هذه الفتاوى سيكون ضحيتها الأولى والأخيرة شيعة العراق)؛ و (...  لأن الشيوعيين العراقيين كانوا أغلبهم من الطائفة الشيعية، وإذا كان ولا بدّ من إصدار فتاوى فلا بدّ من إقناع علماء أهل السنة بإصدار مثل هذه الفتاوى).
لقد فشلت محاولات عديدة لإقناعه، ولكن دون جدوى، فهو وهو وآية الله السيد محسن الحكيم خصمان لدودان، ولأن الأول كان قد أعطى مثل تلك الفتوى، فلم يرغب البغدادي أن يكون مقلداً أو ثانياً، لأنه كان يعتقد وظلّ هكذا حتى آخر أيامه إنه رائد وأول، ولاسيّما بالمقارنة مع السيّد الحكيم، إضافة إلى عدم رغبته في التعميم، حتى وإن عارض الفكرة الشيوعية، فإنه في الوقت نفسه حاول التمييز بين الشيوعية وبين أتباعها من غير المتبحّرين فيها.
وكما يروي الحسني البغدادي (الحفيد): انه زار البغدادي الكبير ثلاثة من علماء الشيعة لإقناعه بإصدار فتوى ضد الشيوعية ، وكان الوفد يتألف من الشيخ مرتضى آل ياسين والسيد اسماعيل الصدر والسيد محمد جمال الهاشمي وبحضور عبد الهادي العصامي وناشدوه بقولهم: ( إن خطر الإلحاد أصبح واضحاً وإن الشيوعيين يسحلون الناس بالحبال وهم يدعون إلى الإباحية، ولا بد من إصدار فتوى ضدهم)،  فكان جوابه: (...  إذا كان العنوان الأول صحيحاً، فإن نتائجه ستؤدي إلى ذبح الشيعة، وهذا خطأ فادح) ، ثم أضاف: ( أين كنتم طوال هذه السنين عن الشيوعية؟ )، والمقصود مواجهتها الفكرية.
 وهكذا كانت حكمة الحسني البغدادي الكبير : ( ... ومع أنه كان مقتنعاً بإلحادية الأفكار الشيوعية، لكنه كان رافضاً إصدار الفتوى متزامنة مع الأربعة ومن تبعهم لاحقاً، وفي محاولة لاستمالته) ، رغم أن قال له الهاشمي : (... ستكون صورتك وفتواك مقدّمة على صورة وفتوى السيد الحكيم، ولكن البغدادي الكبير نهره بقوله: "لسنا أطفالاً" ) ، كما أفاد بذلك  البغدادي (الحفيد)، إذ لم يعبئ بمثل تلك الترّهات.
ان إحدى الحلقات وضحت جوانب أخرى من هذا الموضوع الحساس من خلال ما أشار إليه الدكتور عبد الحسين شعبان في بحثه و من سؤال وجهه إلى السيد  الحسني البغدادي الحفيد خلال إعداده لحلقات تلك المقالات :
[ ...  بعد أن كان جدّه قد تأسّف لذبح الشيوعيين وإصدار البيان رقم 13 [بعد انقلاب 8 شباط 1963]،  القاضي بإبادتهم واستغلال الفتاوى الأربع في ذلك، فلماذا إذاً أصدر السيد الحسني البغدادي الكبير الفتوى متأخرة في العام 1964 ؛ في حين ظل آية الله حسين الحمّامي وآية الله عبد الكريم الزنجاني وآية الله الشيخ محمد فاضل القائيني، قد استمرّوا في رفضهم إصدار مثل هذه الفتاوى، وتحمّلوا بسببها الكثير من الاتهامات والإساءات، وكذلك السيد البغدادي نفسه؟ ].
وكان جواب السيد احمد الحسني البغدادي الحفيد :  لقد كان واضحا في هذا الموقف هو الحكمة والتروي، خصوصا ان القوى السياسية المتصارعة أرادت استغلال المرجعيات وجمهورها وتابعيها في لجة الصراع الدموي الذي كان محتدما في العراق،  ولهذا رأى البغدادي وبقية المراجع بمواقفهم  لاعتبارات فكرية وعملية، فضلاً عن ما قد تسبّبه تلك الفتاوى من زيادة الانقسامات المجتمعية، إذْ أن على فكرة التكفير ستترتب إجراءات وردود فعل وتبعات أخرى، ناهيك عن كونه يثير التباسات قانونية، مثلما يثير خلافات وحسّاسيات سياسية واجتماعية وحتى شخصية وعائلية، فمن يستطيع أن يفتي بذلك وهو مرتاح الضمير أو يتحمّل تلك النتائج، خصوصاً، وإنه شاهد بأم عينيه كيف تمّ استغلال فتوى السيد الحكيم في العام 1963 عقب الانقلاب ألبعثي الأول وحتى قبله؟،  وما جرى من استغلالها العديد من الاغتيالات ومبررات الاعتقالات التي شملت شيوعيين وغير الشيوعيين خلال سنوات الستينيات من القرن الماضي.
لقد تعرض الممتنعين عن الفتوى من المراجع لشتى المضايقات والشبهات وحتى حملات التسقيط بين المراجع، فقد اتّهم القائيني بالشيوعية، وتمّ تسّفيره إلى إيران في العام 1963،  والتهمة ذاتها تمّ ترويجها ضد الحمّامي، أمّا الزنجاني فقد اتّهم بأنه عميل بريطاني؛ في حين كانت تهمة كاشف الغطاء بأنه "سلطوي" و"مداهن للحكام"،  علماً بأن أوساطاً من المرجعية الرسمية كانت تروّج لمثل هذه الإشاعات، في ظلّ صراعات خرجت عن حدودها في الشارع ألنجفي وسبّبت باحتداماته، وخصوصاً بارتفاع درجة حرارة الجو السياسي.
تبقى إجابة السيد الحسني البغدادي (الحفيد) على سؤال الدكتور عبد الحسين شعبا ذات قيمة فكرية وتاريخية تستحق التنويه والتوثيق بقوله : (...   إنّ الفتوى من جانب البغدادي الكبير كانت حيطة وحذراً، وقد حاول فيها التفريق بين بعض قيادات الشيوعيين المؤمنة بالإلحاد وبين القواعد البسيطة). ونقل نصاً عن جدّه يقول فيه:  (...  وقد ابتلى بها أبرياء من المؤمنين بأنواع القذف والتكفير ونحوهما)، ويقول الدكتور عبد الحسين شعبان بهذا الصدد: (....  ناقشته بذلك طويلاً، فقد كان الأمر بالنسبة لي ولا زال على نحو أشد وضوحاً، هو أنني غير مقتنع على الإطلاق للتبريرات، وأعتبره مجاراة ومجاملة للتيار الديني السائد، ممثّلاً بالحكيم والجماعات التي تلتفّ حوله، إضافة إلى مداهنة للسلطة الحاكمة أيام عبد السلام محمد عارف، وأية دفوعات غير ذلك إنما هي تبريرات لا تستند إلى حجج واقعية أو مقنعة... . وعلى افتراض حسن النية، فمثل تلك الذرائع أقرب إلى السذاجة السياسية في حين أن السيد البغدادي يدرك المسالك الوعرة والطرق الملتوية، التي تتخذها المسارات السياسية، وما كان عليه الإقدام على ذلك).
ويصل الدكتور عبد الحسين شعبان إلى خلاصة مفادها : (...  أظن أن الإمام الحسني البغدادي كان قد استدرج إليها، ولم يكن يرغب في إصدارها وتوزيعها؛ وإنما كان ذلك بمثابة "رأي" منه ، أورده الشيخ الأميني،  منقولاً عن مخطوطة في مكتبته، ولكن ما إن نشر الأميني ذلك، حتى تم استغلال ما ورد فيه باعتباره "فتوى”" ضد الشيوعية. وبالطبع فإن هناك اختلاف بين إصدار فتوى تحريضية تعبوية إلغائية، وبين رأي واجتهاد بخصوص فكرة، بهدف دحضها وتفنيدها وإثبات ضررها، سواء كان مثل هذا الرأي صائباً أم خاطئاً، لأن سياقاته ستكون مختلفة). قد جاء في فتوى الحسني البغدادي التي نشرها الدكتور عبد الحسين شعبان ، ضمن احد الحلقات نصاً جاء فيه : (وسواء كانت فتوى أم رأياً) :
 [ ...  الشيوعية فئة ملحدة، صريحة الإلحاد،  في كتبهم المنشورة وسائر كلماتهم الشائعة التي لا يمكن تأويلها ويكفي في ذلك هجر اسم الجلالة، وتعقيب من نطق به بأنواع الأذى… حتّى أنّهم بهذا المبدأ قد قضوا على عبادة الله في أديانهم؛ بل حجزوا عليهم في جميع ما يعود إليهم خدائع كثيرة، وقد أشرنا إلى جملة منها وقد سرت هذه الفتنة إلى بلادنا، وقد اغترّ بها أناس كثيرون حتّى أصبحوا من أكبر دعاتها وهم لا يشعرون، فاشتدّ الاختلاف وعمّت الفوضى وأريقت الدماء وهتكت الأعراض واستهين بالحرمات وتوسّع الفساد بأنواعه، وكان لهؤلاء أعظم تأثير على المستضعفين وقد ابتلى الأبرياء من المؤمنين بأنواع القذف والتكفير ونحوهما بذلك نسأله تعالى تحسين الحال. إنّ الشيوعية فتنة وقعت في زماننا جاءتنا من أعدائنا وهي أكبر فتنة قاضية على الدين والنظام فالواجب على جميع المسلمين ولاسيّما حكوماتهم مقاومتها والقضاء عليها فعليكم أيها المسلمون أخذ تمام الحزم لهذا الأمر بكلّ طريق حاسم لها].
لقد أسس الحسني البغدادي الكبير لمدرسة فكرية حول الموقف مع الرأي الآخر واستمالته للعمل معه عند اشتداد الخطوب وحاجة الأمة إلى الوحدة حافظ عليها بدقة الخطاب المعاصر للسيد الحسني البغدادي الحفيد ، الذي يرى في الشيوعية وحملة أفكارها منظورا آخر يرى فيه :
(...  ان الموقف المعاصر من الشيوعية اليوم بات مختلفا جدا، فهو لا يحرّم عمل الشيوعيين أو يجرّمهم؛ بل يعارض الفكرة الشيوعية المادية، لكنه مستعد للتعاون معهم لأهداف سياسية ومطلبيه تخص حياة الناس ومستقبل وطنهم)، وقد جاء ذلك  في مقابلة له مع جريدة "قاسيون"،  التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري، وأعيد نشرها في كتاب [ " فتاوى أحمد الحسني البغدادي في فقه المقاومة وثقافة الاستسلام" ، إعداد وتحقيق علي الحسني 24/1 الطبعة الرسمية الأولى، نيسان ، 2010].
 ورداً على سؤال حول مقولة ماركس ) الدين أفيون الشعوب) وإلحادية الماركسيين: يجيب الحسنى البغدادي الحفيد :  [...  إن كارل ماركس قرأ الدين المسيحي المنحرف (ويقصد الكنيسة وبعض رجالها وخصوصاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) من خلال أسطورة الخطيئة الموروثة التقليدية، التي يقام عليها ركام هائل من الطقوس والتشكيلات ومن الأساطير والخرافات، ويعني بذلك إعطاء "صكوك غفران" للبسطاء من الناس في سبيل الخلاص الأبدي من العذاب الآخروي… من هنا جاءت مقولة ماركس " الدين أفيون الشعوب"، علماً بأنه لم يقرأ الدين المحمدي الأصيل، الذي لا يرضى بالخنوع والذل والعبودية واستغلال الإنسان للإنسان].
ويفرّق  السيد احمد الحسني البغدادي" الحفيد" : (... بين من آمن بالتعاليم “الماركسية – اللينينية”،  كانتماء سياسي وبين من كفر بالأديان السماوية في معناها، وهو ما استغلته القوى الرجعية ضدهم كما يقول واعتبرتهم جميعهم " ملاحدة"  بلا استثناء، في حين إن الانتماء السياسي مع البقاء على العقيدة وعدم إنكار أصول الدين وفروعه شيء، والكفر والإلحاد شيء آخر، فمن آمن بالشيوعية كانتماء سياسي وآيديولوجي وظلّ على دينه فهؤلاء ” مسلمون لا ملحدون” حتى لو كانوا ماركسيين).
نتفق مع الدكتور عبد الحسين شعبان بان مناقشة موضوع الفتوى من الشيوعية ومواقف الإمام الحسني البغدادي من الحكام في العراق وايران ومن الخميني نفسه، لازالت قضايا شائكة ولازال الخوض بمثل هذه الكتابات تشكل (موضوعا شائكا يحتاج إلى صبر وقدرة النفاذ إلى حقل يظن الكثيرون انه حقل ألغام يتناول بعض المحظورات المعاصرة بين الدين والسياسة . وهناك من حاول ان يفض الاشتباك، وهناك من اقتحم ليطلع ويكتشف ويعرض الحقائق بموضوعية البحث السياسي والتاريخي والفكري الناضج البعيد عن اهتمامات القصد العادي). ولكنا قرأنا مراجعة فكرية وعميقة لكل تلك النقاط والمواقف تمكن منها الدكتور شعبان ببراعة وذكاء وحكمة وبموضوعية أيضا.
وإذا كانت تلك الفتاوى وغيرها من المواقف قد أثارت كفتوى الحكيم احتكاكات في الشارع وتقاطعات حادة وأحداثاً صاخبة، فإن فتوى الحسني البغدادي، قياساً لفتوى الحكيم، ظلت حبيسة الأدراج، وجاءت باهتة ومتأخرة التوقيت،  وكأنها وصلت في غير وقتها،؛الأمر الذي لم تثر أي ردود فعل بشأنها.  وقد يعود الأمر إلى عدم رغبة الحسني البغدادي توظيفها على نحو دعائي واستفزازي، فقام بوضعها بصفتها " رأي" في  مكتبته، ولولا الأميني، فقد يكون مثل ذلك الرأي أو تلك الفتوى في الأدراج إلى يومنا هذا، وقد يكون الزمن قد طواها، ويا حبّذا… لأنها كانت في غير سياق منهج البغدادي. وحسب معرفتي بنهج " رجال الدين" ، فقد يكون البغدادي كتبها تقيّة، حتى إذا ما سُئل عن رأيه، فسيقول إنه كتبه منذ حين، وهذا ما حصل حسب تقديري، وأرجو ألاّ أكون مخطئاً في ذلك.
وإذا كان الحسني البغدادي " الحفيد"  الذي سار على خطى الجد في راديكاليته ومواقفه السياسية الوطنية والعروبية، ولاسيّما في موقفه المتميّز الرافض للاحتلال الأمريكي، وكان من أبرز رجال الدين الذين دعوا لمقاومته والوقوف ضده بجميع الوسائل المتاحة وأبدى استعداده للتعاون مع جميع القوى لتحقيق هذه المهمة النبيلة، فتلك أمانة حفظتها عائلة السيد الحسني البغدادي وخاصة من قبل حفيده وخليفته الثائر المقاوم.

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha