مقاطعة المحتل الاميركي والتابعين له اقرا بالتفصيل ما ورد في كتاب: الإمام الحسني البغدادي للمفكر العربي د. عبد الحسين شعبان تصريح حول القدس لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي مشروع فتنة محمّد الحسني البغدادي المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 - 1392 / 1881 - 1973 خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الثاني خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الاول رسالة تاريخية حول رفض كافة عروض السلطة بقبول الدعم المالي بيان سماحة آية الله العظمى السيد احمد الحسني البغدادي حول استفتاء تقرير المصير في «كردستان» العراق لمحات عن حياة الامام المجاهد آية الله العظمى السيد البغدادي 1298هـ - 1392هـ

رسالة وحوار وشهادة

رسالة وحوار وشهادة

رسالة وحوار وشهادة

د. عبد الحسين شعبان

حين وصلتني رسالة مملّحة من سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي إلى حفل تكريمي في تونس، وقام بتلاوتها عريف الحفل معالي الوزير الدكتور خالد شوكات رئيس المعهد العربي للديمقراطية، كان إلى جانبي الشيخ عبد الفتاح مورو النائب الأول لرئيس البرلمان التونسي، وهو فقيه ضليع وخطيب بارع وله مطارحات فكرية مهمة وآراء  قيّمة في الفكر الإسلامي، فسألني ومن يكون السيد البغدادي، فأجبته عنه وكان قد استذكره من خلال مشاركاته في مؤتمرات عربية وحضوره الفاعل فيها.
ثم، تناول حديثنا عدداً من الشخصيات الدينية، وجئت على ذكر سماحة الإمام السيد محمد الحسني البغدادي، الذي كنت قد حدثته عنه في لقاء سابق جمعنا في ندوة فكرية في أنقرة، وقلت له إنني أعكف لكتابة نص أو سردية عنه، أولاً، لما يستحقه الرجل الذي لم يأخذ حقّه في العالمين العربي والإسلامي،  وثانياً، لإبراز الجانب الوطني والإنساني في شخصيته، الذي يستحق إضاءة كبيرة في هذا الظرف بالذات، ولاسيّما انسياق بعض رجال الدين وجماعات حزبية باسم الدين للحصول على الامتيازات والمغانم، ناهيك عن انتشار أفكار التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب، وليس أدلّ على ذلك ظهور تنظيمات القاعدة وجبهة النصرة وداعش وربيباتها، إضافة إلى الانقسام الطائفي والمذهبي، الذي يشهده العالمين العربي والإسلامي، ولعلّ سلاح المثقف والكاتب مثلي ومن أمثالي، سواء كان متديناً أم غير متدين، هو القلم لنذكّر  ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾، سورة الذاريات، الآية 55. 
والسيد البغدادي الكبير هو جدّ السيد البغدادي (الحفيد)، الذي سار على خطى جدّه في ميدان الوطنية، وعفّة النفس، وحياة الزهد والتقشف، وتعرّض بسبب مواقفه الجريئة تلك إلى ما تعرّض إليه من تشرّد، ومحاولات عزل وإقصاء. وعلى الرغم من بعض الاختلافات معه في هذا الجانب أو ذاك، ولاسيّما في أسلوبه، الذي يمتاز بالحدّة أحياناً، لكنني كنت ولا أزال أقدّر صدقيته وإخلاصه وتجرّده، وتلك سمات تشفع له حتى بعض اندفاعاته.
ولأن السيد البغدادي (الحفيد) صوتٌ شجاع ومميّز، فقد لقي اهتماماً من جانب أوساط معيّنة من السياسيين وجرت محاولات عديدة لجذبه لجانب هذا الفريق أو ذاك، لكنه آثر عدم الانخراط إلّا في مشروعه، الذي كرّس له نفسه، بل وانصرف في حياته، وهو يتجاوز عمر السبعين الآن للكتابة والبحث والتنظير، وإعادة النظر بأطروحات ومسلّمات تجاوزها الزمن، منطلقاً من محاولة  تجديدية منسجمة مع التطور، وخصوصاً في العقد الأخير من حياته العامرة، وتعكس ذلك، مؤلفاته وكتبه، التي اطّلعت على العديد منها، وقرأت بعضها بشغف ومتعة، وهو ما أشرت إليه في كتابي عن جدّه.
وأستطيع القول: أن السيد البغدادي متصالح مع نفسه، أخطأ أو أصاب، لأنه مقتنع بما يقوم به، حتى وإن كان عكس التيار السائد، بل وبالضد منه . وحين يقول رأيه تراه غير مكترث بما يُقال عنه، لأنه يعبّر في ذلك عن قناعات يؤمن بها ويدافع عنها، وحين يظهر له العكس، ينسحب منها ليتّخذ الموقف، الذي ينسجم مع ما توصّل إليه، وتلك سمة العصر والحياة والتواضع العلمي.
ولأنني أعرف العائلة حق المعرفة، وسبق لي أن زرت منزلهم في النجف لأكثر من مرّة منذ أواخر الخمسينيات، وأعرف حياتهم البسيطة والمتواضعة والأبيّة والكريمة في الوقت نفسه، فلذلك أقدر تماماً إعراض جدّه وهو من بعده عن الكثير من المغريات، التي وضعت أمامه، وحاولت استدراجه، لكنه  أدار لها ظهره، والبغدادي الحفيد هو الآخر غير مستعد للتنازل قيد أنملة عن خطه الوطني والعروبي والإنساني.
وكنت أمازح السيد البغدادي بقولي له هناك شيئان لا بدّ من التنازل، بل والخضوع لهما براحة واطمئنان، حتى وإن كنّا على قلق، فبفضول واستغراب سألني وما هما؟ فقلت: الحقيقة والطبيب، فالحقيقة غالية علينا، وهي تستحق أن نتنازل لها جميعاً ونمتثل لأحكامها وإن كانت نسبية، وذات وجوه عديدة، لكن علينا أن نعطيها ما تستحقه من سمو ورفعة. أما الطبيب فدكتاتوريته واستبداده محببين، وإذا كنت قد وقفت ضد جميع الدكتاتوريات، فإنني بكل تواضع ورحابة صدر أنحني أمام دكتاتورية الأطباء، لأنها هي الاستثناء، الذي يجلب لك العافية. هذا هو قلقنا الإنساني، وكما يقول المتنبي:
فَما حاوَلْتُ في أرْضٍ مُقاماً   ولا أزْمَعْتُ عَن أرْضٍ زَوالا
على قَلَقٍ كأنّ الرّيحَ تَحْتِي  أُوَجّهُها جَنُوباً أوْ شَمَالاً
حين أكتب عن السيد أحمد الحسني البغدادي، من موقع الصداقة والمحبة فإنما أكتب عن جيل عراقي توزّع بين تيارات مختلفة: فيه الماركسي والشيوعي، وفيه القومي والبعثي، وفيه الإسلامي والمتديّن، وهو جيل استنزفه الصراع العبثي، خصوصاً حين كان دموياً وإقصائياً وتهميشياً منذ ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958، دون أن ترسي سفينته إلى شاطئ الأمان والسلام.
لقد اعتقد جميع الفرقاء أن بإمكانه أن يسود ويهيمن ويحكم ذلك  بالمغالبة والمطاولة والملاواة، لكن ذلك دفع البلاد  والعباد إلى الاحتراب، وعطّل التنمية، ومنع الناس من نيل حقوقها في المساواة والعدل والشراكة، وفي حياة كريمة تلبي متطلبات الحد الأدنى من الصحة والتعليم والعمل والكرامة الإنسانية.
  ولكي تنهض بلادنا من كبوتها، وتعيش تحت الشمس، وتسلك سبل التطور الحضاري، فلا بدّ من اعتماد التسامح واللّاعنف والمشترك الإنساني، أساساً لقيام عقد اجتماعي جديد، بحيث تكون فيه العلوية لحكم القانون، ولا سيادة لغيره، والإقرار بالتنوّع والتعددية وتداولية السلطة سلمياً، وفي أجواء من الحرّيات العامة والخاصة، وبوجود قضاء مستقل ونزيه حيث يمكن المساءلة في إطار من الشفافية والمسؤولية، والأمر له علاقة بإعادة بناء الدولة على أسس مدنية وعصرية تحترم الأديان ومكانتها وتحمي عقائد الناس وحقوقها في الاختيار.
وإذا كنت قد جئت في كتابي " الإمام الحسني البغدادي - مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن" على ذكر السيد أحمد الحسني البغدادي الصديق العزيز، فلأنه كان المنطلق والمحفّز والمرجع في تدقيق الكثير مما كتبته عن جدّه، سواء في المعطيات، أو الاستنتاجات، وفي الاختلافات والاتفاقات.
وللأمانة أقول، وكشهادة شخصية بعد عقود من المعرفة والعلاقة المباشرة وغير المباشرة ، إن للبغدادي مزايا أربع:
أولها استعداده ، بل ورغبته في الحوار، وهو بذلك يحاول تنشيط فكره وفي الحوار بحث عن الحقيقة وهذه تهدف إلى الامتلاء، وهذا الأخير يفتش عن الدلالة.
وثانيها - تواضعه الجم، وهو بذلك تواضع من يعرف قدر نفسه، فالتعالي يفقد رجل الدين جزءً من رمزيته، وحتى لو أظهر له الوسط احتراماً، لكن ذلك لا يمنحه في قرارة النفوس المحبة الحقيقية، وقد يكون في جزء منه احتراماً زائفاً.
وثالثها - عفويته التي تقرّبه من الناس، وعلى الرغم من ظروفه الخاصة والعامة، التي قد لا تجعله قادراً على التواصل مع الآخرين، مثل بعض أقرانه من رجال الدين، بسبب عدم تكافؤ الفرص ، لكنه يحظى بشعبية واسعة، ولاسيّما من مثقفين عراقيين  كثيرين، وخصوصاً من الوسط غير الديني، مثلما يحظى بسمعة طيبة في أوساط ثقافية عربية، وهو ما لمسته بنفسي خلال السنوات العشرين الأخيرة، حين تجدّدت صلتي بالسيد البغدادي .
ورابعها - إنه شخصية مرحة وفيها نوع من الظرف وخفة الدم، وهذا ما يذكرني بالسيد محمد بحر العلوم الذي غالباً ما كنت أمازحه، فالوقار والهيبة لا تتأتى من العمامة السوداء أو من مظهر رجل الدين، بل من الصدق والصفاء والإيمان الروحاني، وتلك واحدة من خصاله ونباهته مثلما هي مزيّة أساسية في شخصية السيد بحر العلوم ونباهته، الذي لم يحسن التصنّع، أو التكلّف، أو الظهور بغير حقيقته، وتلك لعمري من ميزات صديقي السيد أحمد الحسني البغدادي.
وإذا كانت حيرة البغدادي معرفية وفكرية واجتهادية، فحسب ابن عربي: الهدى في الحيرة ، والحيرة حركة ، والحركة حياة .


بيروت في 17/3/2018


حين هاتفني الصّديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث  -  سوريا) إلى فندق «الفردوس تاور» (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال: إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً: تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان، بعد أن نقل سمّاعة الهاتف إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثّراً بالسّلام والسؤال عن الصّحة والعائلة، وأنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي. ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته: ما الذي يربطك بآية اللّه الإمام السيد محمّد الحسني البغدادي؟ فقال: إنه جدّي، فقلت له: إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال: نعم، فقلت له: وصلنا إلى حيث المشترك.
والحسني البغدادي الكبير هو الفقيه الموسوعي الثقافة والمنشغل بالتاريخ مفهوماً ومنهجاً ورؤية فلسفية، وخصوصاً التاريخ الإسلامي القديم، ولاسيّما «الرسالة المحمّدية» وما بعدها في «الخلافة الراشدية». وينتمي لأسرة علمية ضمّت العديد من الفقهاء والمحقّقين والشّعراء، وكانوا يلقّبون بآل العطار نسبة إلى جدّهم الأكبر السيّد «محمّد العطار»، الذي كان في سوق العطارين في منطقة الشورجة ببغداد.
والإمام محمد الحسني البغدادي هو ابن صادق بن محمد بن راضي بن حسين بن أحمد بن محمد العطار البغدادي، ويتواشج نسبه بالسيد الحسن المثنّى بن الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، وقد وُلد في مدينة النّجف في 25 حزيران (يونيو) 1881. وتتلمذ على يد والده وعدد من أفقه علماء عصره مثل الآخوند ملّا محمّد كاظم الخراساني وشيخ الشّريعة الأصفهاني ومحمّد سعيد الحبوبي وباقر الجواهري وضياء الدّين العراقي والميرزا محمّد حسين النائيني، الذي ظلّ ملازماً له نحو عقدين من الزمان.
وأظهر الحسني البغدادي تفوّقاً متميّزاً، واهتمّ منذ مراحل دراسته الأولى بالتاريخ العربي  -  الإسلامي إلى جانب الفقه والأصول والأدب، وحصل على مرتبة الاجتهاد عشية ثورة العشرين، ولم يكن قد بلغ نهاية عقده الرابع، حيث تفرّغ للبحث والتدريس. وهو «المدرّس الفقيه»، و«الفقيه المدرّس» على حدّ تعبير الباحث الأديب حميد المطبعي، الذي يقول عن مجلسه الأدبي إنه أثمر عن مجادلات فكريّة منفتحة.
ومن أهمّ مؤلفاته بحثه الجامع الموسوم «التحصيل في أوقات التعطيل»، ويقع في 6 أجزاء، ولم يُطبع منها سوى الجزء الأوّل والثّاني والثّالث والرّابع (مؤسّسة دار النبراس، النّجف، 2005)، وكما علمت من السيد الحسني البغدادي (الحفيد) بأن الأجزاء المتبقية ما زالت مخطوطة، الأمر الذي يقتضي بذل الجهود وتقديم الدعم لكي يرى الجزءان الأخيران النّور، ويطّلع عليهما الباحثون بشكل خاصّ والقرّاء بشكل عام، خصوصاً وأنهما جزء من سفر واسع في التاريخ والأدب والرجال والعقائد والفقه والأصول. وكذلك كتبه «خير الزاد ليوم المعاد» و«مناسك الحج» و«حاشية على العروة الوثقى» (1956) و«أرجوزة الصوم والاعتكاف والخُمس» وكُتُب أخرى لعلّ من أهمّها كتاب «وجوب النهضة لحفظ البيضة» (1967) وقد حققه «الحفيد» أحمد الحسني البغدادي وأطلق على تسميته «وجوب النهضة  -  رؤية تأسيسية استباقية حول الجهاد الدفاعي» الذي سنأتي على ذكره .
وعُرف عن الحسني البغدادي، صلابة الموقف وشجاعة الرأي والوضوح في التعبير، إضافة إلى الوطنية العراقية والتوجّه العروبي الوجداني. وقد توفّي في 2 كانون الأوّل (ديسمبر) 1973، بعد مسيرة طويلة حفلت بمواقف سياسية جريئة ووجهات نظر دينية إشكالية شكّلت أحد أبرز ملامح شخصيته....


*           *         *

قال لي السيّد أحمد الحسني البغدادي «حفيد» البغدادي الكبير: «أنتم أخوالنا»، فعدتُ بذاكرتي إلى النّجف وإلى نحو أربعة عقود مضت وكنّا حينها في أواخر التسعينات، وحاولت أن أستعيد صورة السيد أحمد «الحفيد»، خصوصاً حين اعتمر العمامة في مطلع الستينات، وكان يومها فتى نحيفاً حتى إن عدّة ملابس رجل الدّين والعباءة الخفيفة التي ارتداها كانت تبدو فضفاضة عليه، وفي وجهه النّحيل المتّسم بالسماحة والطيبة، أخذت تنبتُ شُعيرات سوداء، حيث يكتمل المشهد مع العمامة السوداء والسالفين السوداوين والحاجبين اللّذين يعلوان عينيه المشعّتين الموحيتين بالكثير من الانتباه واليقظة.
وكان السيد «الحفيد» حين يحاول أن يداري خجله أحياناً ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة، ليزيل الحاجز، فيبدأ بالحديث أو بالسلام وأحياناً بالأسئلة. تذكّرت ذلك الفتى «الملاّئي» كما كنّا نقول، وهو يستقبل زوّار مجلس جدّه العامر ذي المنزلة الرفيعة والمهابة الكبيرة والجرأة المعهودة...

*           *         *

تربّى السيد الحسني البغدادي «الحفيد» في كنف جدّه وتعلّم الكثير منه وتذوّق الوطنية من كأسه، وكان قد انصرف وهو في عقده الثاني إلى الدراسة الحوزوية وتلقّى دروسه الفقهية الأولى التي تسمّى بـ «المقدّمات»، حيث يدرس فيها الطالب النحو والصرف والبلاغة والمنطق ومقدمات لدراسة الفقه والتخصّص فيه والبديع والبيان وعلم الكلام، إضافة إلى الفقه والتاريخ. أما المرحلة الثانية فتسمّى بـ «السطوح»، حيث يدرس الطالب المتون الفقهية الاستدلالية، ومتون أصول الفقه التي تتضمّن الآراء العلمية في أية مسألة ومناقشتها ومحاكمتها والاستدلال بالرأي الذي يختاره ويتوصل إليه. وفي المرحلة الثالثة على الطالب أن يقدّم ما اصطلح عليه «بحث الخارج»، ويحضر الطالب في هذه المرحلة دروس أعلام المجتهدين في الفقه وأصوله وهي آخر المراحل الدراسية.
وحين يتخصّص الطّالب بدراسة الفقه وأصوله يطلق عليه «المجتهد»، والاجتهاد يعني القدرة على استنباط أحكام الشريعة الإسلامية من أدلتها، وتلك منظومة لا بدّ من استيعابها وهي تتعلّق باللغة العربية ونحوها وصرفها وبلاغتها، إضافة إلى علم المنطق وعلم الكلام والعرفان وعلم الرجال والتفسير والحديث وشيء من الفلسفة. وهذه الأخيرة ظلّت غائبة عن المدارس الحوزوية، مع استثناءات محدودة جداً أخذت طريقها في العقود الأخيرة الماضية، حيث ارتفعت دعوات للمطالبة بإعادة النظر بالمناهج الدراسية في الحوزات الدينية وتطويرها وإدخال أساليب وطرق جديدة في التدريس بما ينسجم مع التطوّرات في حقول التربية والتعليم على المستوى العالمي.
وحتى وقت قريب، كان الشيخ يوسف البحراني، وهو صاحب كتاب «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة»، يعتبر ضرر قراءة الفلسفة ومطالعة كتب الحكمة والكلام أكثر من نفعه، لأنه تشكيك في قلوب الضعفاء وزلزلة لاعتقاداتهم، وهو القائل بعدم جواز الاستقلال بالعقل( ).
وكان من أبرز من اهتمّ بالفلسفة آية اللّه عبد الكريم الزنجاني الذي سيأتي ذكره، فقد تعمّق فيها واستوعب أسسها وحاول أن يخصّصها للمنهج الحوزوي الجديد باعتبارها «أم العلوم» بطريقة بدت هادئة وسلسة، وإن كانت محدودة .
وتلكم هي المراحل التي مرّ بها «الحفيد»، حتى تمكّن من الفقه وحاز لقب «حجّة الإسلام والمسلمين» ثم «آية الله»، ونال الدرجة العلمية في استنباط الأحكام. وكان الفتى المتديّن الذي سيندمج في عالم الفقه واللغة والتاريخ والوطنية في الوقت نفسه، يفكّر بهمّ الوطن على طريقته الخاصة، ولعلّه وجد ضالته في البداية في تنظيم أسَّسه عز الدّين الجزائري وكانت أهدافه ثقافية واجتماعية ودينية اتّسمت بنوع من الغموض، لكن وجهتها السياسية بدأت مع ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وضمّت مجموعة متميّزة ومتحمّسة من الشباب بينهم محمد صالح الحسيني الذي اغتالته المخابرات العراقية في بيروت العام 1981 والسيد البغدادي «الحفيد» ومحسن عباس زاغي وعبد الأمير الدخيّل شقيق العضو القيادي البارز في حزب الدعوة عبد الصاحب الدخيّل الذي أعدم في مطلع السبعينات وأطلق على ذلك التنظيم حينها «حركة الشباب المسلم».
وكان للحركة منهج سمّي «دستوراً» أو «نظاماً» داخلياً، كما أصدرت بعض النشرات تصدّرها شعار «مجتمع مسلم ودولة إسلامية: سعادة الدنيا ونعيم الآخرة» وقد أورد الباحث صلاح الخرسان بعض التفاصيل عنها( ).
 وكان هذا التنظيم الذي تخلّى عنه لاحقاً بعض أعضائه قد استمرّ على نحو مختلف بقيادة الجزائري ليؤسس «حركة الشباب العقائديين»، لمواجهة المدّ الشيوعي، ومعه مجموعة صغيرة أخرى أسست ما سمّي «شباب العقيدة والإيمان»، وكان من بين موجهيها السيد محمد علي المرعبي وشخص آخر يدعى عبد الرزاق التورنجي وهو إيراني الأصل، ويلبس العقال والكوفية ويجتمع ببعض الإسلاميين في الصحن العلوي، وقد شكّك الإسلاميون به لاحقاً واتهموه بالعمل لصالح الأجهزة الأمنية، وكانت حركته وعلاقاته تتّسم بالغموض والإبهام، والغريب أنه في أيام مرجعية «الخوئي» أصبح وكيلاً رسمياً له، وقد اعتمر العمامة «البيضاء» ولقّب نفسه بالشيخ عبد الرزاق الواعظ (وهو ليس من آل الواعظ في بغداد وهم عائلة سنّية معروفة أو من آل الواعظ في النجف وهم أسرة شيعية وشيوعية معروفة).
ولعلّ هذه الارهاصات التنظيمية الأولى تفاعلت مع غيرها، وكانت جزءًا من «حركة إسلامية» تداخلت مع حركات أخرى وعُرفت لاحقاً باسم «حزب الدعوة» الذي تأسّس كردّ فعل للمدّ الشيوعي الذي بدأ بعد ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958....


*           *         *

وسار الحسني البغدادي «الحفيد» على خطى الجدّ في راديكاليته ومواقفه السياسية الوطنية والعروبية، ولاسيّما في موقفه المتميّز الرافض للاحتلال الأمريكي، وكان من أبرز رجال الدّين الذين دعوا لمقاومته والوقوف ضدّه بجميع الوسائل المتاحة وأبدى استعداده للتعاون مع جميع القوى لتحقيق هذه المهمّة النبيلة. وأتذكّر مرّة قولاً جريئاً له بهذا الصّدد، حين أبدى استعداده للتعاون حتى مع «عاهرة» إذا كانت ضدّ مشروع الاحتلال الأمريكي، ولم يتورّع من قول ذلك، وهو بزيّه الدّيني وعمامته السوداء ولحيته البيضاء، وبالطبع فإن مثل هذا القول مجازي على صعيد «التشبيه والدّلالة» كما يقول علماء البلاغة، قصد منه الدّعوة إلى تعبئة جميع القوى ضدّ المحتلّ وإبعاد ما هو ثانوي وطارئ ومؤقت، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وطويل الأمد، لاسيّما بإذكاء روح الوطنية العراقية وتحفيزها على مقاومة المحتلّ الأمريكي.
أمّا موقفه من الشيوعية، فهو لا يحرّم عمل الشيوعيين أو يجرّمهم، بل يعارض الفكرة الشيوعية المادّية، لكنه مستعد للتعاون معهم لأهداف سياسية ومطلبية تخص حياة النّاس ومستقبل وطنهم، وقد جاء في مقابلة له مع جريدة «قاسيون» التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري، وأعيد نشرها في كتاب( )، إعداد وتحقيق علي الحسني 24/1، الطبعة الرسمية الأولى، نيسان، 2010»، ردّاً على سؤال حول مقولة ماركس «الدّين أفيون الشّعوب» وإلحادية الماركسيين: إن كارل ماركس قرأ الدّين المسيحي المنحرف (ويقصد الكنيسة وبعض رجالها وخصوصاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وقبلهما) من خلال أسطورة الخطيئة الموروثة التقليدية، التي يُقام عليها ركام هائل من الطقوس والتشكيلات ومن الأساطير والخرافات، ويعني بذلك إعطاء «صكوك غفران» للبسطاء من النّاس في سبيل الخلاص الأبدي من العذاب الآخروي... من هنا جاءت مقولة ماركس «الدّين أفيون الشّعوب»، علماً بأنه لم يقرأ الدّين المحمّدي الأصيل، الذي لا يرضى بالخنوع والذلّ والعبودية واستغلال الإنسان للإنسان.
ويفرّق «الحفيد» بين من آمن بالتعاليم «الماركسية  -  اللينينية» كانتماء سياسي وبين من كفر بالأديان السماوية في معناها، وهو ما استغلّته القوى الرجعية ضدّهم  -  كما يقول  - واعتبرتهم جميعهم «ملاحدة» بلا استثناء، في حين أن الانتماء السياسي مع البقاء على العقيدة وعدم إنكار أصول الدّين وفروعه شيء، والكفر والإلحاد شيء آخر، فمن آمن بالشيوعية كانتماء سياسي وآيديولوجي وظلّ على دينه فهؤلاء «مسلمون لا ملحدون» حتى لو كانوا ماركسيين.
وبالعودة إلى «رأي» أو فتوى البغدادي الكبير، وأستطيع القول إنها جاءت في الوقت الضائع، وكأنها إثبات حسن ولاء مجاني، وفي إطار المنافسة بين المراجع، علماً بأن فتوى الحكيم أثارت علامات استفهام بحق الحركة الدّينية، كان بعضها قد جاء على لسان الحسني البغدادي نفسه من وجود شبهات، لاسيّما في ظلّ صراعات حادّة على المستوى العالمي بين معسكرين، متناحرين هما الشرق «السوفييتي» والغرب «الأمريكي» (الشيوعية والرأسمالية) فكيف إذاً انساق إلى ذلك؟
وإذا كانت «الفتاوى» قد أضرّت بالحركة الشيوعية، فإن ضررها كان بليغاً على الحركة الإسلامية ذاتها، التي واجهتها أسئلة كبرى لاحقاً لم يكن بمقدورها الإجابة عليها. فلماذا اتّجه الحسني البغدادي صوب هذا النهج في وقت لم يكن الصّراع حاداً مع الشيوعيين ويستوجب مواجهتهم بسلاح الدّين كوسيلة «مجرّبة» حتى وإن كانت مُستهلكة، لأن البعض يمارسها إلى اليوم وكأنه ينتمي إلى الماضي حيث ترتفع أصوات تدعو إلى مكافحة الشيوعية ومحاربة المادية الديالكتيكية تارة بزعم علمانيتها ودعوتها لفصل الدّين عن الدولة، وأخرى لمنهجها الإلحادي والإباحي، بسبب ما تتبنّاه من رأي بخصوص مساواة المرأة مع الرّجل والدفاع عن الحقوق والحرّيات العامّة والخاصة، وكأنّ الزمن قد تجمّد عنده.
وكنتُ سأتفّهم موقف الحسني البغدادي لو حاول نقدها فكرياً أو تفكيك منطلقاتها، كما فعل كاشف الغطاء أو الخالصي أو محمّد باقر الصّدر بعده، في محاورة سجالية مهمّة، سواء اتّفق البعض معها أو اختلفنا بشأنها، لكنّها محاولة جادّة ورصينة ومؤسسة على نحو مُحكم.
لقد شهد التاريخ القديم والمتوسط والحديث تأثيم وتجريم وتحريم أفكار ومفكّرين، وكان ابن رشد وهو فيلسوف وفقيه وقاضي وطبيب أندلسي ومن مواليد قرطبة في 14 نيسان (إبريل) 1126، قد تعرّض لأشدّ حملة تكفيرية، حيث اتّهم من رجال الدّين بالكفر والإلحاد والزندقة، وهي التّهم التي توجّه اليوم للماركسيين والشيوعيين والتنويريين، وتمّ ترحيله إلى مراكش، حيث توفي هناك في 10 كانون الأوّل (ديسمبر) 1198 بسبب الكآبة والعزلة. وكان رجال الدّين المتزمّتين قد قاموا بحرق كتبه، وذلك لما تحتويه من مفاسد وكفر وإباحية وهرطقة  -  كما قالوا  -  وهي التّهم ذاتها الموجّهة إلى أصحاب الفكر التغييري في كل زمان ومكان. وحين رأى ابن رشد أحد تلامذته يبكي، فقال قولته الشهيرة وهو يخاطبه: «لا تبكِ يا بني فإن للأفكار أجنحة».
لقد ترك ابن رشد لنا ثروة كبيرة اعتمدت عليها بعض الأوساط الغربية في تأسيس العلمانية أو ما يعرف بفصل الدّين عن الدولة، وذلك في كتابه الموسوم: «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» وهو كتاب تناول العلاقة بين الفلسفة (الحكمة) وبين الشريعة، وأكّد فيه على أهمية التفكير التحليلي كشرط أساسي لتفسير القرآن، وذلك خلافاً للاهوت الأشعري التقليدي، كما ردّ ابن رشد على كتاب الغزالي الموسوم: «تهافت الفلاسفة» في كتاب خاص بعنوان: «تهافت التهافت».
 إنّ عملية التحريم والتجريم والتكفير تذكّرنا بسقراط الذي لم يكن يرى أي تعارض بين الدّين والفلسفة، وهناك طرق مختلفة للوصول إلى الغايات المشتركة. وكان غاليلو قد أدين بتهمة «الاشتباه بالهرطقة» والتعرّض لما جاء في الإنجيل، لأنه تحدّث عن مركزية الشمس استناداً إلى تعاليم كوبنريكوس، وأن الأرض تدور حول الشمس، وفرضت عليه الإقامة الجبرية حتى توفي في 8 كانون الثاني (يناير) 1642 بعد أن عاش عزلة كاملة لعدّة سنوات، وكان قد ولد في 15 شباط (فبراير) 1564، وبعد مرور نحو 350 عاماً وبالتّحديد في العام 1983 اعتذرت الكنيسة منه وردّت إليه اعتباره، وتلك عبرة لمن يعتبر.
وكنتُ أتابع الجدل والنقاش الذي اندلع عقب مشروع قانون مساواة المرأة بالرجل الذي طرحه الرئيس التونسي القائد السبسي، وكيف استُحْضِرت «فكرة الكفر والإلحاد» ومخالفة الشريعة والتجنّي على الإسلام، تلك التي روّجتها بعض القوى الإسلامية والإسلاموية ضدّ مشروع القانون، لاسيّما بخصوص الإرث والحق في الزواج من غير المسلم، فقد كانت ردود الأفعال غاضبة وشديدة، بل وتكفيرية ضدّ المشروع والدّاعين والمؤيّدين له، في حين لم نلحظ مثل هذه الحماسة في الموقف من سرقة قوت النّاس وخبزهم وتهديد أمنهم وحياتهم، ناهيك عن تدنيس مقدّساتهم، بما فيها القدس الشريف.
وبودي هنا أن أعرض موقف السيد الحسني البغدادي (الحفيد) من موضوع تعدّد الزوجات وقوانين الأحوال الشخصية، وكنتُ قد ناقشته بهدف استطلاع وجهات نظره بخصوص بعض المواقف الدّينية المتطرّفة والتي تسعى لإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 بحجة منافاته للشريعة، فوجدت لديه رحابة صدر وتفهّماً واستيعاباً للتطوّرات الحاصلة في ميدان حقوق المرأة.
وأستطيع القول إنه من رجال الدّين القليلين الذين اتّخذوا موقفاً نقدياً جريئاً للاتّجاهات الدينية المتشدّدة ذات النزعة الذكورية الاستعلائية، لاسيّما تلك التي تتّهم الآخر بالإباحية ومخالفة الشريعة لأنها تدعو لحقوق المرأة بشكل خاص وحقوق الإنسان بشكل عام.
ومع أن هذه الفقرة تتضمّن استطراداً قد يبعدنا عن النص، لكنني وجدتها مفيدة للإضاءة على مواقف بعض رجال الدّين من خلال الحسني البغدادي «الحفيد»، ففي جواب على سؤال عن ظاهرة «مبتذلة» تبنّاها بعض رموز الحوزة «الدينية» باتّخاذ زوجة ثانية أو ثالثة أو رابعة بزعم وجود كمّ هائل من الأرامل والعوانس (كما ورد في نصّ السؤال) قال الحسني البغدادي (الحفيد) رأياً أجده جريئاً ومتقدّماً، ضدّ من «يبرّر» ذلك، وورد في حديثه بالنص: «التشريع الإسلامي له نهج خاص في التعاطي مع قضية تعدّد الزوجات» بوصفه ملزماً بتطبيق «العدالة»، وبالتالي الجوازُ مشروط بشرط لا يتحقّق في الأمور الطبيعية الاعتيادية، وهذا بحسب الظاهر شجبٌ للتعدّدية (يقصد تعدّد الزوجات) لا تجويزٌ لها. (انتهى كلام الحسني البغدادي الحفيد).
وقد شجّعني مثل هذا الرأي على فتح حوار معه، فسألته عن ما يسمى «قانون الأحوال الشخصية الجعفرية» وموقفه من قرار مجلس الحكم الانتقالي رقم 137 لعام 2003 الذي أراد عملياً إلغاء القانون رقم 188 لعام 1959، والذي كان مصدر خلاف سياسي وفكري حادّ ولا يزال بين التيار اليساري والتيار الديني بشقّيه: الشيعي بشكل خاصّ والسنّي أيضاً.
فكان جوابه: إن تلك المحاولات هدفها بثّ الفرقة وزرع الفتنة، وقد اتّضح الآن على نحو جلي وواضح، فحين تتقاعس مجموعات حزبية ودينية عن القيام بدورها الأساسي في مقاومة الاحتلال الأمريكي، نراها تتشدّد في مواقفها من زواج القاصرات وإهانة كرامة الحياة الزوجية وقدسيتها، خصوصاً التّعامل مع المرأة كأداة استمتاع.
ويمضي (الحفيد) للقول: إن ذلك ما يذهب إليه داعش وأخواته من المنظمات الإرهابية فكيف يُراد لأصحاب هذا التوجّه ولمجلس النواب إصدار مثل هذا القانون؟!
وأجد في إجابة السيّد الحسني البغدادي (الحفيد) رأياً متمدّناً ومتحضّراً، وأستطيع القول: إنه رأي بنفحة غير تقليديّة، خصوصاً وهو يتّفق مع الاعتراضات التي ذهبت إليها لجنة مكافحة كافّة أشكال التمييز ضدّ المرأة، ومثل هذا الرأي الشّجاع يمكن أن يشكّل محوراً جديداً بشأن الموقف من حقوق المرأة( ).
ومن باب الاستطراد أيضاً، جدير بالذكر أن الصراع تجدّد بين التيار اليساري والتيار الدّيني المحافظ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، حيث جرت محاولات في مجلس الحكم الانتقالي لإلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي صدر بعد (الثورة) وذلك في دورة رئاسة السيد عبد العزيز الحكيم (نجل الإمام الحكيم الذي عارض القانون في حينها) ومن المفارقة أن يكون المجلس المذكور قد وافق على القانون الجديد، رقم 137 لعام 2003، الذي شكّل خلفية مرجعية لقانون الأحوال الشخصية الجعفري، لكن بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق رفض المصادقة عليه بحكم صلاحياته، حيث لا تعتبر قرارات مجلس الحكم الانتقالي نافذة إلّا بعد مصادقة بريمر عليها، وأعاده إلى المجلس لمناقشته ومن ثم التصويت عليه، وهنا حصلت المفارقة الثانية حين لم يحظ بالأغلبية التي حصل عليها قبل اعتراض بريمر عليه( ) ...


*           *         *


وهنا خالف (الحسني البغدادي الحفيد) جدّه (الحسني البغدادي الكبير)، ولعلّ الأمر لا يثير استغراباً، فتلك سنن التطوّر التي استوعبها (الحفيد) من خلال قراءاته واطّلاعه على آراء فقهاء آخرين واختلاطه برجال دين مختلفين، بل وفي مخالطته لرموز ثقافية وفكرية وحقوقية وسياسية واجتماعية مختلفة في العراق والعالم العربي. وحسبي هنا أن أحتكم إلى الإمام علي الذي قال: «لا تعلّموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم» وأجد في هذه المقولة حكمة واقعية، لأنها تمثّل رؤية استشرافية عميقة لواقع التطوّر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فقهاً وشرعاً وقانوناً، حيث دائماً ما نكرّر «تبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان»، وقد يبدو حكماً ما صالحاً لزمان لكنه لا يصلح لزماننا، وهكذا.
إن ذلك دعاني للبحث عن موقف أكثر تفصيلاً وتنظيراً (للحفيد)، وقد اطّلعت وأنا أعدّ هذا البحث على محاضرة ألقاها في دمشق على ثلّة من الخطباء والمبلّغين الإسلاميين، (المقصود المؤدلجين والدعاة) بخصوص الشّعائر الحسينية بمناسبة ذكرى عاشوراء ووجدت في بعض مفاصلها جرأة وشجاعة على المستويين الفكري والعملي، إضافة إلى رؤية نقدية هدفها تخليص ما علق بالذهن والممارسة في «الدّين» والتديّن من ترهات لا يربطها رابط بالإسلام وعقيدته السمحاء، لاسيّما تلك التي تتعلّق بتعذيب النفس.
إن استخدام العنف ضدّ النفس حسب سيجموند فرويد عالم النفس النمساوي، هو نوع من أنواع المازوخية (الماسوشية) Masochism التي تعني: اتّحاد غريزة الهدم مع غريزة الجنس موجهة نحو الذات، حتى وإنْ كان الأمر بحجة «التطهّر» والتخلّص من أدران الذّنوب والآثام، وذلك من خلال البكاء والنواح واللّطم والتمثيل واستعادة الواقعة الكربلائية ومعركة الطف في العام 61 هجرية التي استشهد فيها الإمام الحسين، وتستوجب حسب الحسني البغدادي (الحفيد) استثارة القلوب وتحفيز العقول على استيعاب المأساة التي ظلّت استعادتها رمزياً مستمرّة ومتصاعدة طيلة القرون الماضية، خصوصاً بربطها بقيم الشّجاعة ومقاومة الظّلم والانتصار للحقّ والعدل. والمازوخية هي بالضدّ من السادية Sadism التي تعني استخدام العنف الذي تتّحد فيه غريزة الجنس مع غريزة الهدم موجهاً ضدّ الآخر للحصول على المزيد من التلذّذ باستخدام العنف.
ويقارن الحسني البغدادي (الحفيد) بين نوعين من الاحتفاء بذكرى عاشوراء الأول: عاشوراء الثورة التي هدفها تحرير الإنسان وذلك هو الجوهر. أما الثاني فهو عاشوراء البكاء والانشغال بالإطعام لدرجة الإسراف والتبذير، خصوصاً بإيذاء النفس وضرب الرؤوس والظهور بالآلات الحادّة والجارحة، وزادت المسألة تشويهاً بالقيمة الحقيقية من الاحتفال بعاشوراء الثورة والشهادة لدرجة أخذ البعض يمشي على النيران، بل ويزحف فوقها وغير ذلك.
ويرى الحسني البغدادي (الحفيد) أن بعض هذه الطقوس «متحجّرٌ» وبلا جدوى و«راكدٌ» لدرجة الجمود، بحيث لا روح فيه ولا حركة نابضة، وهو ما يعتبر تلك الممارسات «مخالفة شرعية لا تغتفر».
ولم يكتفِ بذلك، بل يوجّه نقده إلى الوعّاظ والخطباء ويعتبر بعض كلامهم تخديرياً وخرافياً، لاسيّما بعض السيناريوهات والمبالغات التي يقدمونها، وعملهم هذا هو أقرب إلى «عمل لا إسلامي».
وأكثر من ذلك فإنه يعتبر تلك الممارسات من نتاج الدولة الصفوية في إيران، حيث أن الطقوس الخاصة بمراسم الشبيه والتمثيل وضرب الرؤوس والأجساد بالسيوف والآلات الجارحة باسم إحياء الشعائر الحسينية لم تكن موجودة في الإسلام. ويجادل بكونها ليست مستحبة (مرغوبة) دينياً أو تكليفاً شرعياً. وهي لا تعني سوى التمسّك بالقشور وترك الأصول، والمقصود بذلك مضمون وهدف ومعنى الرسالة الحسينية الثورية الجهادية الاستشهادية.
ويعتبر الحسني البغدادي (الحفيد) ذلك تشويهاً لصورة «التشيّع العلوي الأحمر» والتعتيم على «مشروع الحسين وثورته واستشهاده» ويطرح أهمية وضرورة التصدّي لها بالنقد والتحليل، وإثبات بطلانها، بل خرافتها وبُعدها عن الإسلام، لأنها «بدع مستحدثة وابتكارات ضالة مضلّلة، حتى إن بعض أصولها يعود إلى المسيحية القديمة» . وقد أعجبني ما ذهب إليه من أن «التشيّع العلوي لا ينفصل عن التسنّن العمري» وهو تواصل في إطار اجتهادات وتطبيقات إسلامية تعود إلى العهد الراشدي وامتداداته الفكرية.
ويعيد الحسني البغدادي (الحفيد) جذر المسألة إلى الخلاف الفارسي (الصفوي) مع الدولة العثمانية، حيث استخدمت المذهبية مبرّراً للصراع ولإدامته. وقد كان المفكّر الإسلامي علي شريعتي من أول من تحدّث عن «التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي» في كتابه الشهير، الذي كان يُفترض أن يصدر بعنوان «التشيّع الأحمر والتشيّع الأسود»، والأصل فيه مجموعة محاضرات كان يلقيها في تجمّعات شبابية ضخمة، وقد تم جمعها وطبعها بالعنوان المعروف المشار إليه في أعلاه والذي صدرت فيه، في حين أن عنوانها الأصلي أصبح مجهولاً.
وبقدر ما كانت آراء شريعتي تحظى بإعجاب وتأييد من جانب أوساط واسعة، فقد لقيت رفضاً وتحفظاً من ثلّة من العلماء بينهم مرتضى مطهّري في إطار خلاف بينه وبين شريعتي، لا يخلو من منافسة وحسد، كما جرت محاولات لإيغار صدر الإمام الخميني عليه، لكن الأخير لم يعلّق على ذلك حيث كان لا يزال يعيش في النجف.
وحين دقّقتُ فيما طرحه (الحفيد) من آراء راديكالية وأفكار ثورية ونزعات تمرّدية، زال الالتباس لديّ، بل إن حيرتي تبدّدت وزادت قناعتي رسوخاً، فموقف (الحفيد) من القضايا السياسية لا يقلّ جذرية من موقف الحسني البغدادي الأكبر، حيث وجدته يعتبر نفسه «يسارياً إسلامياً تقدّمياً» وحتى بطريقة اعتذاره من الرموز الدينية القابعة في النّجف حسبما يقول، فإن هدفه هو التطلّع إلى إسلام حقيقي طبقاً لرسالة الرسول محمّد والخلفاء الراشدين، وهو اعتذار مرفق بطلب أقرب إلى احتجاج لأنه يعتبر نفسه مدافعاً عن الحق، وكل دفاع عن الحق إنما هو انحياز للعقل، بل إن كل شيء خاضع له﴿ ﴾...


*           *         *


وكانت كلمة «الجهاد» قد استُبعدت من كتب بعض رجال الدّين منذ فترة طويلة على الرّغم من أنّ ثلاثة من فقهاء الشيعة المتأخّرين أخذوا بفكرة «الجهاد الابتدائي»، وهم آية اللّه الأنصاري وأبو القاسم الخوئي والحسني البغدادي، ويمكن إضافة السيد علي الخامنئي أيضاً، ومن الجيل الجديد أحمد الحسني البغدادي (الحفيد) وشقيقه السيد علي الحسني البغدادي.
والفارق واضح بين البغدادي والخوئي، والأخير باحث وفقيه له مؤلّفات كثيرة، ففي حين اتّخذ الخوئي مواقف نظرية، «متقدّمة» بخصوص «الجهاد» إلّا أنها كانت «تجريدية» من الناحية الفعلية والتطبيقية، فقد أحجم عن تكييفها للظرف الموضوعي الملموس، خصوصاً بعد أن نأى بنفسه عن أي دور سياسي، بينما كان منهج السيّد الحكيم ينصبّ على دور إصلاحي برفعه شعارات مطلبية، يعتقد أنها تتناسب مع توازن القوى. أما الحسني البغدادي فقد كان داعية لفكرة الجهاد الدفاعي على نحو عملي ومنسجم مع الدور الذي يريده لرجل الدّين كعنصر مؤثّر في خلق الوعي الشعبي.
وكان الخميني قد ذهب أبعد من ذلك بالدعوة الصريحة والواضحة إلى الجهاد، بل كان مؤمناً ومنظّراً لفكرة قيام «حكومة إسلامية» في إطار ما أطلق عليه «ولاية الفقيه». والولي الفقيه هو «النائب عن الإمام» في ما يسمى بعصر الغيبة، والذي يمكن أن يتمتّع بصلاحيات تكاد تكون مطلقة، أي أنها أقرب إلى صلاحيات الإمام الغائب، وهو ما اعتمده الخميني بعد الثورة الإيرانية في العام 1979 وثبّته دستورياً، مع أن غالبية فقهاء النّجف والحوزة النّجفية لم يكونوا مع فكرة «ولاية الفقيه» لا في الماضي ولا في الحاضر. وكان الحكيم قد رفض فكرة ولاية الفقيه وكذلك فكرة الجهاد الابتدائي، إلاّ أنّه اتبع منهجاً تدرجياً معارضاً، وهو أسلوب اتّخذه لنفسه، وكان يرى فيه الأكثر تأثيراً قياساً بغيره، خصوصاً في ظلّ قراءته لتوازن القوى، وما موقفه من الشيوعية وتكفيرها إلّا دليل على قدرته على مجابهة مدّ ثوري وحركة صاعدة آنذاك، بوسائل القوّة الناعمة( ).
إن استعادة موضوع الجهاد من جانب الحسني البغدادي هو بمثابة إعادة تأسيس للفكرة التي ظلّ يدعو لها، سواء في السابق دفاعاً عن الدولة العثمانية ضدّ الإنكليز أم لاحقاً لمقاومة الاحتلال «الإسرائيلي» بعد العام 1967. ويعتبر البحث من الدراسات الفقهية  -  الاستدلالية، وهو مصدر أساس للمدارس الفقهية على اختلاف توجهاتها، وخارج نطاق التوجّه الطائفي، لأنها تخصّ الأمّة التي يريدها أن تصطف في مواجهة أعدائها والتصدّي لعدوانهم.
وكان البحث من السعة والتفريع والتحقيق بحيث يعتبر مصدراً أساسياً جديداً ومتقدّماً للدراسات الفقهية المعمّقة، بعكس سائر المباحث الأخرى، لاسيّما كتاب الطهارة والصلاة والبيع والخيارات( ) وقد قام (الحفيد) بتحقيقات وتعليقات وترتيبات فصول كتاب «وجوب النهضة» وقد أسماه «وجوب النهضة  -  رؤية تأسيسية استباقية حول الجهاد الدفاعي، الطبعة الرسمية الأولى، 2012م» وقدّمه إلى الجمهور باعتباره كتاباً راهنياً.
وقد نقل لي الحسني البغدادي «الحفيد» أنه سمع من جدّه في مجلسه ما يفيد أنه كتب كتاب «الجهاد الدفاعي» كمبْتكَر لم يسبقه إليه أحد من تيار الفقهاء التقليدين، بل ولا من تيار المفكّرين الإصلاحيين من أمثال: السيد جمال الدّين الأفغاني والشيخ محمد عبده ونحوهما، خصوصاً وأنه حاول تفنيد شبهات المستشرقين الغربيين حول جهاد الكافرين والمشركين. وحسناً فعل «الحفيد» حين كتب مقدّمة له، إضافة إلى ترجمة عن حياة الحسني البغدادي الكبير، وأعاد طباعته بحلّته الجديدة.
ويعود ذلك إلى حرص الحسني البغدادي «الحفيد» ومساهمته في الترويج لفكرة مقاومة الاحتلال الأمريكي ونشر ثقافة الدفاع عن الوطن والقيم، التي تبنّاها منذ العام 2003، ولاسيّما «الحق في مقاومة الاحتلال» وكان «الحفيد» قد أسّس منذ أواسط التسعينات «حركة الإسلاميين الأحرار» التي لها بعض الامتدادات في أهوار الجنوب، إضافة إلى النّجف وبغداد وبعض المدن العراقية من المؤيّدين لآية اللّه الحسني البغدادي، وحين انكشف أمرها بعد ترصّد من جانب السلطة البعثية، التي لاحقته، فاضطرّ للهروب إلى إيران في العام 1998 ومنها انتقل بعد بضعة أشهر إلى دمشق، وتعرّض بعض أعضاء الحركة إلى التنكيل، بما فيها إعدام بعض من قياداتها.
وكتاب «وجوب النهضة» هو درس في الكفاح الوطني والقومي من أجل الحقوق وضدّ المعتدي والمحتلّ، مثلما هو درس في فقه المقاومة والدفاع عن الوطن. وعلى الرغم من أنه كان قد كُتب إبّان الحرب العالمية الأولى، لكن حيثياته واستنتاجاته لا تزال راهنة وحيوية، وفيها إعادة قراءة معمّقة لفقه المقاومة في مواجهة (الاستكبار) العالمي، وخصوصاً بعد اتّفاقية سايكس  -  بيكو لتمزيق البلدان العربية، العام 1916 وحتى اليوم.
ويعتبر الجهاد من فروع الدّين، مثل الصّلاة والصّوم والزّكاة والخمس والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتولي لأولياء اللّه والتبرؤ من أعدائه. ويقسّم الفقهاء الجهاد حسب المفهوم الإسلامي إلى نوعين أساسيين هما: النوع الأول «الجهاد الابتدائي» وهو الجهاد الدعوي أو الأصلي، والأساس فيه إعلان الحرب على الكفار والمشركين والكتابيين لرفع كلمة «لا إله إلّا الله». والنوع الثاني «الجهاد الدفاعي» وهو جهاد من يشنّ الحرب على بلاد الإسلام ويحاول مهاجمة المسلمين أو احتلال أرضهم، وهو جهاد مباح حتى في الأشهر الحُرم.
ويُضاف إلى ذلك الجهاد الفردي وهو بمثابة الدّفاع عن النفس، كما هو معروف في القوانين الجزائية الوطنية التي تعطي «الحق في الدفاع عن النفس» عند التعرّض لاعتداء أو هجوم. والجهاد بشكل عام هو جهاد بالنفس والتضحية بها أو بالمال والعِرض وبكل ما لديه من عوامل قوّة ومنعة.
من جهة أخرى فهناك الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر، وقد ورد على لسان النبي محمّد، حين عاد المسلمون من إحدى المعارك، قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، فسألوه: وهل هناك جهاد أعظم من الجهاد ضدّ الكفّار؟ فأجاب: نعم إنه جهاد النفس، ولا شكّ أن جهاد النفس سابق على أنواع الجهاد الأخرى، ومن لم يستطع الانتصار على نفسه وحمايتها من الشرور والرذيلة والقسوة، فإنه لن يستطيع الانتصار على العدوّ لأن القتال مكروه إلى النفس البشرية. وجاء في سورة الإسراء الآية 85 «ويسألونك عن الرّوح، قل الروح من أمر ربّي، وما أتيتم من العلم إلّا قليلا»، وقد اعتبرت الصوفية حب الدنيا رأس كل خطيئة، لذلك انصرفت عنها وعن لذائذها.
وجاء في سورة البقرة الآية 216 ما يفيد هذا المعنى حيث تقول: «كُتب عليكم القتال، وهو كُرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم...» ولكي تنقاد النفس وتطمئن إلى جهاد الأعداء، لا بدّ من مجاهدة النفس والتغلّب على أهوائها ونزواتها. والجهاد الأكبر يورث النّور في القلب بصفائه وبأخذه النّور يصير محلاً لانعكاس نور اللّه حسب جلال الدّين الرومي...

 


مقتطفات من كتاب: «الامام الحسني البغدادي»
مقاربات في سسيولوجيا الدّين والتدين (التاريخ والسياسة)
للمفكر العربي عبد الحسين شعبان
ص: 73 وما بعدها، 84 وما بعدها، و 190 وما بعدها،
 211 وما بعدها، و 242 وما بعدها،
ط: دار احياء تراث الإمام البغدادي، النجف، 2018م.

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha