مقاطعة المحتل الاميركي والتابعين له اقرا بالتفصيل ما ورد في كتاب: الإمام الحسني البغدادي للمفكر العربي د. عبد الحسين شعبان تصريح حول القدس لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي مشروع فتنة محمّد الحسني البغدادي المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 - 1392 / 1881 - 1973 خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الثاني خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الاول رسالة تاريخية حول رفض كافة عروض السلطة بقبول الدعم المالي بيان سماحة آية الله العظمى السيد احمد الحسني البغدادي حول استفتاء تقرير المصير في «كردستان» العراق لمحات عن حياة الامام المجاهد آية الله العظمى السيد البغدادي 1298هـ - 1392هـ

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة الثانية عشر والاخيرة أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة الثانية عشر والاخيرة أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي
مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن
المسلم الحقيقي لا يكون طائفياً والوردي
يرى التعصب يكمن فيها
التاريخ والسياسة
الحلقة الثانية عشر والاخيرة

أ.د. عبد الحسين شعبان

وإذا كان “الجهاد الابتدائي” يتطلّب إذناً من الرسول محمد ومن بعد “الأئمة المعصومين” فإن مثل هذه الظروف حالياً غير متوفرة، إضافة إلى “الاستئذان” بشأن وجوب الجهاد مع “الإمام العادل” حسب الإمام علي موسى بن الرضا. ولهذا يذهب العديد من الفقهاء إلى القول بـ”عدم كفاية الجهاد بإذن الفقيه”، بل لا بدّ من الرسول أو من ينوب عنه “الإمام المعصوم” حسب الفقه الشيعي كما ورد في كتاب ” جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام”  لصاحبه الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1850 في النجف، والذي يعتبر أفقه علماء عصره، وقد أخذت العائلة اسمها من الكتاب ومع مرور الأيام أصبحت عائلة الجواهري.
بتقديري إن فكرة “الجهاد الابتدائي” لم تعد موجودة إلّا في الكتب القديمة أو استعادتها لأغراض بحثية وتاريخية أو مستنسخة ليس إلاّ، ويمكننا القول إن تطبيقاتها العملية هي في أذهان التنظيمات الإرهابية التي تعلن منازلة عالمية ضد الكفر والكفّار وضد الكتابيين وضد البشر ككل بسبب اختلاف العقائد والأديان وطرائق العيش، لإرغامهم على الامتثال للإسلاموية التكفيرية الإرهابية التي تقوم على أساس الإسلاملوجيا أي (الإسلام ضد الإسلام)، وهي على العكس مما يحاول الغرب إلصاقه بالإسلام على أساس إثارة الرعب والخوف والرهاب منه والتي سبق وأن أطلقت عليها منذ نحو عقدين من الزمان “الإسلامفوبيا” أي الرهاب من الإسلام، باعتباره ديناً يحضّ على الإرهاب والعنف.

حالات محدودة
لذلك ذهبت الاتجاهات الفقهية الحديثة إلى التخلي عنه لعدم صلاحه، ناهيك عن عدم واقعيته، وعلى نحو محدود هناك بعض الاستثناءات التي تتعلّق بحالات محدّدة إذا توفّر الشرط الموضوعي والذاتي، والجيش والسلاح والمال، ومن بين هؤلاء السيد أبو القاسم الخوئي الذي عمّم الجهاد إلى ما بعد ذلك أو ما يطلق عليه “زمن الغيبة” وذلك في كتابه “تكملة منهاج الصالحين” للمزيد من المعلومات والاطلاع على أفكار الإمام الخوئي (أنظر: الإمام أبو القاسم الخوئي الموسوي- مجلدان : الأول ، العبادات والثاني المعاملات، الناشر: مؤسسة الخوئي الإسلامية، الطبعة الثانية والثلاثون  :1424هـ ، 2004م وكتاب تكملة منهاج الصالحين، للإمام الخوئي ، الناشر: مدينة العلم ، الطبعة الثامنة والعشرون 1410 هـ، 1989م) مؤكداً على وجود القتال والجهاد على المسلمين ضد الكفار والمشركين استناداً إلى القرآن الكريم ” فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم …” (سورة التوبة: الآية 5) “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة…” (سورة البقرة: الآية 193 وسورة الأنفال : الآية 39)? حتى يسلموا أو يقتلوا، وضد أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (سورة التوبة: الآية 29).
وتعتبر هذه الآيات من آيات السيف وليس من آيات الإسماح. وهنا يقتضي إخضاع بعض هذه النصوص إلى سياقها التاريخي، إذْ لا يمكن مدّها لتكون صالحة لكل زمان ومكان، لأنها قيلت لحالات محدّدة ولظروف محدّدة أيضاً، الأمر الذي يعني انتهاء مفعولها بزمانها، وذلك بالاستناد إلى القرآن الكريم أيضاً، كما جرى الاستشهاد به بالتعامل مع أهل الكتاب وفقاً لكلمة سواء، لأنّ ما كان سائداً من أوضاع خاصةً في زمن الرسول، لم تعد مثلها في زماننا، فالتاريخ لا يمكن إعادته، والزمن لا يتوقف والتغيير من مقتضيات الحال، ولهذا لا بدّ من البحث بما يتناسب مع زماننا، فضلاً عن ذلك لا يتوفّر إجماع حول ذلك، من أهل الخبرة والبصيرة.
وهناك من يفسر كلمة “الابتدائي” أنها لا تعني البدء بالحرب، بل إظهار القوة والتهديد بها وممارسة كل أنواع الضغط لإخضاع الطرف الآخر، وخصوصاً إذا ما تعرّضت حقوق المسلمين للانتهاك. وعلى أي حال إن هذا الجهاد يؤسس لعلاقة الحرب مع غير المسلم، كافراً أو مشركاً أو حتى موحّداً، تلك التي تتطلّب البحث بما يناسبنا في إطار التطوّر الفقهي الدولي والقوانين والمعاهدات الدولية، التي تعبّر عن توازن القوى في الظرف الملموس، سواء في الماضي أو في الحاضر وفي المستقبل أيضاً.
أستطيع القول إن فتوى السيد علي السيستاني المعروفة باسم ” الجهاد الكفائي” لم تكن فتوى فقهية قصدية، لأن الجهاد الدفاعي من المسلمات البديهية، وهي التي تقرّها القوانين الدولية  والوطنية وجميع الشرائع السماوية، وهي تقوم على الدفاع عن النفس ضد العدوان والاحتلال وانتهاك الحقوق، وهذه لا تحتاج إلى فتوى، فكل معقول يدركه العقل ولا حاجة إلى معجزة أو دليل، حسب الرومي، “لأن العقل أعزّ من كل شيء” لكن الفتوى كانت “ضرورية” لاعتبارات سياسية ودينية، حيث كان هناك تهديداً لمدن دينية، مثل كربلاء والنجف وسامراء، وهي مدن لها قدسية ومكانة خاصة، لهذا حين أصدر السيستاني فتواه لقيت صدى إيجابياً، لأنها جاءت متناغمة ومنسجمة مع واقع الحال واستهدفت تثوير الوضع  الرافض لاحتلال داعش للموصل، وكذلك تحفيز الدفاع عن الوطن ضد الهجمة الداعشية الظلامية التكفيرية. وكانت دافعاً للعقل الجمعي الذي كان مهيئاً لمقاتلة داعش، حتى وإن كان لكل أغراضه.
وكانت فتوى السيستاني قد اعتمدت على عنصرين أساسيين: الأول- إن الأمة غير متفقّهة، لذلك اقتضى الأمر أن يلعب الفقيه دوره في تنويرها. والثاني- إن داعش احتلت الموصل وهي في طريقها للتمدّد عراقياً وربّما إقليمياً، لهذا كان لا بدّ من تعبئة وتحريض ضروريين، وتلك في علم السياسة ما يطلق عليه “اللحظة الثورية”، التي التقطها السيستاني، ليصدر فتواه، وقد لا يكون ذلك بمعزل عن ضغوط وإشارات سياسية محلية وإقليمية، لكنها كانت تعبيراً عن انسجام الظرف الموضوعي مع الظرف الذاتي، فكان تأثيرها كبيراً والاستجابة للدفاع عن الوطن تتقدّم على غيرها من الأهداف.

جهاد كفائي
إن ما أطلق عليه “الجهاد الكفائي” هو فرع من “الجهاد الدفاعي”، مع الأخذ بنظر الاعتبار الإيفاء بالغرض، لذلك أسماه “كفائياً”، ومن الطبيعي عند الهجوم على أي بلد، سيهبّ أبناءه للدفاع عنه والذود عن حياضه، وهو أمر طبيعي يحصل في كل زمان ومكان. وأظن أن شعباً لا يدافع عن نفسه، سيكون شعباً من العبيد، ولا أعتقد أن العراقيين كذلك، بل هم شعب من الأحرار والمتطلّعين إلى حريتهم واستقلالهم، ولذلك فهم سيدافعون، بل ودافعوا بالفعل وفي كل الأوقات عن بلادهم بكل ما أوتوا من قوة وبأس، لكن دور الفتوى بغض النظر عن الجانب “الشرعي” فيها، هو دور تحريضي وجزء من  التعبوية التي حاولت أن تشحذ الهمم باتجاهها، لأن العدوان هو مساس بوجود الإنسان وكيانه وأرضه وعرضه وماله وشرفه، والكفاح ضدّه في نهاية المطاف هو “جهاد دفاعي”.

ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار
الإمام علي

وجوب النهضة: درس في الكفاح الوطني
أخذ السيد البغدادي الكبير في كتابه “وجوب النهضة” بالجهاد الدفاعي بل إن هناك من حاول القول إن هذا الكتاب بما تضمنه من أحكام خاصة بالدفاع عن الوطن، مهما كان شكل الحاكم وممارساته، تشمّ منه “رائحة التسنّن”، خصوصاً وقد كُتِبَ إبان حكم الدولة العثمانية، وللبغدادي آراء بخصوص الجهاد، فهو يستند إلى “دعاء الثغور” الذي تقول مقدمته  ” أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبغَ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ…” وهو دعاء منقول عن الإمام السجاد، الذي هو عبارة عن دعوة للجهاد حفاظاً على الدولة الإسلامية، ولصدّ هجوم المعتدين ممّن يرابط في الثغور الّتي تقع في أطراف البلاد الإسلامية. وهو الدعاء رقم 27 من أدعية الصحيفة السجادية .
المقصود بالرباط والمرابطين هو جواز مقاتلة العدو حتى مع السلطان وإن كان “جائراً”، ففي ذلك حسب بعض التنظيرات الشيعية، ولاسيّما التي وردت على لسان الإمام الصادق أن القتال هو من أجل الوطن والنفس والعرض، وحسبما يقول: “قاتل من أجل نفسك وليس من أجل السلطان”.
وهو ما ذهب إليه البغدادي الذي نظر إلى أن الصراع الأساسي هو مع العدو البريطاني المحتل، أما الإمبراطورية العثمانية، فعلى الرغم من ممارساتها الطائفية والعنصرية، سواء القيام بحملات تأديبية لجباية الضرائب أو إخضاع التمردات على حكمهم، فإنها لا ينبغي أن تقف عقبة أمام مهمة مقاومة الأجنبي، ولاسيّما غير المسلم، ولهذا أصدر فتواه لإقناع العشائر التي كانت قد ذاقت الأمرّين من حكم العثمانيين، بل كانت تتمنّى التخلص منهم حتى على يد البريطانيين، في لحظات جزع وعدم وضوح رؤيا، ولهذه الأسباب حاول البغدادي التنظير، في لحظة دقيقة للمفاضلة بين عدوّين أو عدو أجنبي وخصم مسلم، فاختار الأخير على الأول.
وبالعودة إلى كتاب “الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة” ليوسف البحراني (المتوفى 1772 م) الذي يعدّ من رموز المدرسة الإخبارية التي تختلف عن المدرسة الأصولية بأنها ترفض الإجماع والدليل العقلي كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وكتاب “مستند الشيعة في أحكام الشريعة” لأحمد بن محمد مهدي النراقي،  وكتاب “مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام”  للفقيه المحقق محمد بن علي الموسوي العاملي ( مؤسسة آل البيت، قم، 1410هـ) فإنها جميعها أخذت بالجهاد الابتدائي شرحاً وتفسيراً، وباستثناءات محدودة تطرقت إلى الجهاد الدفاعي، في حين إن السيد البغدادي كرّس نحو 314 صفحة للجهاد الدفاعي.
وإذا كنتُ توقفت عند كتاب “وجوب النهضة” فإن فلسفته السياسية هي التي اجتذبتني مقارنة بمؤلفاته الأخرى المطبوعة والمخطوطة الأخرى التي تدور في “حاشية وتعليق على كتاب العروة الوثقى” للسيّد اليزدي، ولاسيّما قسم العبادات ورسائله العملية التي تتعلّق بـ “هداية الأنام ومختصرها” و”مناسك الحج”، ومخطوطة عن العقائد والرجال والأخلاق والفقه، إضافة إلى أرجوزة في الصوم والاعتكاف والخُمس (حوالي 700 بيت) وهي مذيّلة بخطّ يده، وهذه كلّها تدور حول قضايا العبادات والمسائل التقليدية، وكان قد انشغل بالتدريس وتقديم آراء وأفكار عديدة، حاول “الحفيد” جمع بعضها وتبويبها لكي يطّلع عليها المعنيون.

لقد ضعفت نزعة التديّن في أهل العراق وبقيت فيهم الطائفية …
علي الوردي


خاتمة

لو اطّلعنا على خطاب ما يطلق عليه ” المرجعية الدينية” ولا سيّما فتاواها وآرائها، بما فيها ما يتعلق بعدد من القضايا الساخنة والتي تحتاج إلى وجهة نظر محدّدة، سنراها تمتاز بالعمومية والفضفاضية  والحذر والتردّد في الكثير من الأحيان، خصوصاً إذا كان ثمة مواجهة مع الدولة ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ويعود ذلك لأسباب عديدة منها تجنّب الخوض في الشأن العام بما فيه من تداخلات سياسية واجتماعية، واصطفافات موالية أو معارضة، فضلاً عن ذلك فإنها منذ فشل ثورة العشرين من تحقيق أهدافها ظلّت تخشى الانخراط في السياسة أو مقاربتها، خصوصاً  القسوة التي استخدمتها سلطات الاحتلال البريطاني ضدها، نفياً وعزلاً وتهميشاً.
ولهذا السبب، فضلاً عن عدم وعي الدور الذي يمكن أن تقوم به، نأت بنفسها عن الانخراط في الشأن السياسي أو مواجهة السلطة أو اتخاذ مواقف ذات توجّه سياسي، وانصرف الغالبية الساحقة منها إلى الأمور الحياتية كالعبادات والحلال والحرام والطهارة والنجاسة والمعاملات وغير ذلك، وإن حاولت الدخول في عوالم السياسة ودروبها، فقد كان دخولاً من باب المطالب العامة، واستمرّ الأمر كذلك، باستثناءات محدودة حتى ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958? فاندفعت بعض الأوساط الدينية لمقاربة العمل السياسي، سواء كمرجعيات أو حركة سياسية توّجت بتأسيس حزب الدعوة الإسلامية وواجهات علنية تابعة للمرجعية ، تمت الإشارة إليها.
وحتى الدراسة في الحوزة العلمية بقيت تقليدية وإلى حدود غير قليلة راكدة وتعتمد على مناهج السلف، وإن جرت محاولات لتجديدها في أواسط الخمسينات، لكنها بشكل عام استمرت على منوالها ، بما فيها الرسائل العملية، حتى إن البغدادي ظلّ يعتقد وهو على حق بعدم جدوى طبعها، لأنها تكرار أقرب إلى التقليد للسابقين، وحسب محمد حسين كاشف الغطاء، ففي هذه الرسائل “يسرق الّلاحق من السابق”، ويتفق مع هذا الرأي الباحث الإسلامي عادل رؤوف في كتابه “عراق بلا قيادة” (إصدار المركز العراقي للإعلام والدراسات ، دمشق، 2002).
وكل لاحق يضيف إلى السابق حواشي وملاحظات جزئية قليلة لا تشكل إغناء أو إثراءً إلّا على نحو محدود، وهو الأمر الذي حدا بالبغدادي للانصراف إلى التدريس الذي كرّس له نفسه، لأنه كان يريد أن يُحدث تغييراً في نمط التفكير والعقول من خلال جدل ونقاش وتبادل وجهات نظر وآراء وأخذ ورد وتأييد وتنديد مع تلامذته ومريديه، وخصوصاً مع عدد من مجايليه في مجلسه الخاص وفي بعض مطارحاته الفكرية والأدبية.
وكان الخطاب الإسلامي المرجعي قبل محمد باقر الصدر عموماً يتّسم بغياب التوجّه النقدي الذي اكتسب بعداً جديداً مع منهج الصدر ورؤيته المتقدمة، لكن الإضافة النوعية الفكرية للصدر تتمثل في محاولته في نقل الجدل إلى المفاهيم وعدم الإبقاء عليه في الأحكام الشرعية. وللأسف فإن “المرجعية” شهدت منافسات شخصية وسياسية شديدة وحادة واتهامات تسقيطية وبعضها ليس بعيداً عن القوى الخارجية، إضافة إلى تشكل محاور ومصالح، فضلاً عن الصراع المحموم على ما سمّي بالموقع الأول، والحصول على الحقوق والمكتسبات.
وادت الحواشي دوراً سلبياً في تأجيج النزاعات، فمن جهة كانت تقوم بعملية التمجيد والتقديس لمن تمثّله أو تحسب نفسها عليه، ومن جهة ثانية تحاول تشويه سمعة رجل الدين الآخر لدرجة تبشيعه والتشنيع به حتى وإن كان عالماً جليلاً، طالما هناك حسابات شخصية أو سياسية ضده، كما لعب الجهل والانحيازية المطلقة دوراً في صب الزيت على نار الصراع، وكلّما هدأت أو اقتربت من أن تخمد يجري تأجيجها، بشن حملات خفية وأخرى علنية لتشويه سمعة الخصم الذي تكون العلاقة معه استئصالية وإلغائية أكثر حتى من العدو، ولعلّ المجتمع النجفي، وخصوصاً الديني يعرف الكثير من القصص والمفارقات والملاسنات والحكايات بين المراجع، حيث يختلط الغث بالسمين والحق بالباطل والواقعي بالافتراضي، والخاص بالعام. وكما جاء في سورة الحشر الآية 14 “… تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى”.
ولعلّنا نستذكر هنا بيتين من الشعر للجواهري تنطبق على الصراع بين بعض رجال الدين وهو ليس حكراً عليهم، بل إن السياسيين في الكثير من الأحيان أكثر شهوة للتسقيط والإيذاء والتنديد بالخصم، لاسيّما في حالات الصراعات الداخلية حيث تطغى العدائية والكراهية والكيدية إلى درجة كبيرة، خصوصاً بين القيادات والمسؤولين وتشترك في ذلك الأحزاب جميعها من حزب البعث والقوميين العرب والكرد والحزب الشيوعي والحركة الدينية بجميع قواها. يقول أبو فرات:
وتجمّع الأقطاب، يأكل بعضهم بالحقد بعضا
                                                            يتفحّصون مشاكل الدنيا سماوات وأرضا
أيعالج المرضى أطباء بذات الجنب مرضى؟
                                                             يشكو المحبة “واحدٌ” لـ “ثلاثة” يشكون بُغضا

اطروحات حادة
وبقدر “مبدئية” البغدادي فقد كان حاداً في أطروحاته وهو يعتبر ألّا فائدة من التديّن أو المبادئ إن لم يقف المرء بوجه المفسدين، فهناك رجال دين وهناك متديّنون، حتى وإن لم يتفقهوا في الدين، ومثلما هناك دين فهناك ضمير، وأحياناً يحصل التعارض والتناقض بين المصلحة والمبدأ، ولا شيء يُنزِلُ من قيمة رجل الدين إلاّ حين يكون “ممثلاً” فيظهر عكس ما يُبطن، ويتصرّف عكس ما يدعي، وبهذا المعنى يكون مثل الزهور الاصطناعية، دون رائحة أو جاذبية، لأنها سرعان ما سيعرفها الناظر إليها ولو بعد حين، حتى دون الحاجة إلى لمسها وسيكون رجل الدين بلا مزايا إن لم يضع الضمير نصب عينيه.

وحسب الشاعر الجواهري مرّة أخرى:
ومن لم يخف عقب الضمير / فمن سواه لن يخافا .

وأختتم بالقول بقدر حاجة الناس الروحية إلى الدين التي ستبقى ما بقية الحياة على سطح المعمورة، فهناك حاجات عقلية وفكرية وثقافية واجتماعية ، مثلما هناك جوانب علمية وعملية لا يمكن للإنسان أن يستغني فيها عن الدين أو ينكره أو يهمله أو يقلّل من شأنه، خصوصاً وأنه يشكّل جزءًا لا يتجزأ من ثقافة الأمم ووجدانها وهو إحدى أهم الظواهر الاجتماعية والسايكولوجية التي تحتاج إلى دراسة ومعرفة ومعايشة تلبي احتياجات البشر وتأخذ بنظر الاعتبار تطوّر مجتمعاتهم .
وتبقى ظاهرة الإمام البغدادي وشخصيته الإشكالية، مسألة متميّزة في إطار الهوّية الدينية التي حاول أن يعبّر عنها بوضوح وجرأة واجتهاد، ولا يكفي المرء أن يكون ” متديّناً” أو رجل دين أو يرتدي زيّه، فالعبرة دائماً بالأفعال والمواقف، وليس بالأقوال والمزاعم والتخفي وراء قداسة الدين أو كتاب الله الحكيم، وحسب انشتاين فإن ” كل الأديان والفنون والعلوم هي في الحقيقة فروع لنفس الشجرة، وكل هذه المناهج موجهة نحو رفعة الإنسان وإرشاده نحو الحرية الفردية”، ولا قيمة أعلى منها على المستوى الإنساني، لاسيّما بعد حق الحياة، بل إنها المدخل للحرّيات والحقوق الأخرى، سواء كان الإنسان متديناً أو غير متدين، مؤمناً أو غير مؤمن، مسلماً أو غير مسلم ، لأنّ ما هو مشترك بين البشر هو الأساس، والحرّية في التديّن والحق في الاعتقاد، يمثلان المدخل الحقيقي لسسيولوجية الدين في المجتمع، وسيكولوجية التديّن تعطيه بعدين أساسيين هما الإنساني والحقوقي مثلما في بعديه الروحاني والأخلاقي، وهما جوهر الدين وغاية التديّن، ومثلما هي الغاية نبيلة، فالوسيلة ينبغي أن تكون كذلك لأنهما يرتبطان على نحو عضوي ومتلازم لا إنفصام بينهما، وهما مثل البذرة إلى الشجرة على حد تعبير قائد المقاومة اللّاعنفية المهاتما غاندي.
ثم كيف برجل دين يكون طائفياً مثلاً، لأن المتديّن الفعلي والمؤمن الصادق والمسلم الحقيقي لا يمكن أن يكون طائفياً، وصدق علي الوردي حين شخّص ظاهرة الطائفية فاعتبر التعصّب أساسًا فيها، وكل متعصّب متطرّف في حبّه أو كرهه، وقد يذهب أبعد من ذلك حين يحاول إقصاء الآخر أو تهميشه فيلتجئ إلى العنف، الذي هو استهداف مقصود ومحدّد، والذي يقدم عليه يعرف تماماً الضحية، أما إذا استخدم العنف عشوائياً بهدف إرعاب الآخر وإحداث ضرر مادي ومعنوي وبشري به، فإنه قد لا يعرف الضحايا، وهو ما ينطبق عليه تعريف الإرهاب، وأهدافه سياسية في الغالب حتى وإن ارتدت ثوباً طائفياً أو مذهبياً أو دينياً. كما هو عنف الجماعات الإرهابية، سواء كانت داعش وقبلها القاعدة ومتفرّعاتها.
وإذا كان العنف الأول تحكمه القوانين الجزائية الوطنية، فإن العنف الثاني الذي يتخذ شكل الإرهاب يمكن أن يخضع للقوانين الدولية، خصوصاً إذا استهدف جماعة ثقافية: دينية أو مذهبية أو إثنية أو قومية أو سلالية أو لغوية.
كنت أمازح السيد محمد بحر العلوم دائماً بقول أردّده عليه ويطرب له، أقول له: علاقتي بالدين لها طابع خصوصي، حيث أريد جمع المذاهب، فلا أجدني أرغب بالاستفراد بواحد منها ، فإذا أردت أن تتحلّل من أحكام الزكاة فكن مالكياً، وإذا أردت أن تتحلّل من أحكام الربا فكن شافعياً، وإذا أردت أن تتحلّل من أحكام تحريم الخمور فكن حنفيّاً، وإذا أردت أن تتحلّل من أحكام الزواج فكن شيعياً، وهكذا ستخرج من الشريعة بالشريعة وكنّا دائماً ما نستذكر ذلك مع الصديق يحيى الجمل.
ولا يكفيني أن أجمع المذاهب، بل إنني أتمنى أن تجتمع الأديان في وحدة دينامية تناسقية أساسها المحبة والإنسانية لأن “الإنسان مقياس كل شيء” حسب الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس، والإنسان سواء كان مؤمناً أو غير مؤمن، مسلماً أو غير مسلم، فإنما يجمعه بالآخر هو المثل والقيم والحق والعدل والسلام والجمال والعمران، وكما يقول القديس بطرس أحد تلامذة المسيح ” طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّة”.
لقد ظلّت تسكنني قصيدة محي الدين بن عربي التي تعبّر عن سسيولوجيا الدين والتديّن والتي جاء فيها :
لقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة                       فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ
وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة  طائفٍ                           وألواحُ توراة ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ                            رَكائِبُهُ فالحُبُّ ديني وإيماني

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha