رسالة مفتوحة لسماحة الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي الى العراقيين الاماجد حول انبثاق التظاهرات في المدن العراقية احمد الحسني البغدادي الظاهرة الجهادية والمعرفية المعاصرة د. نذير القرشي بيان ثبوت هلال شهر شوال الأغر بيان حول حلول شهر رمضان المبارك اقرا بالتفصيل ما ورد في كتاب: الإمام الحسني البغدادي للمفكر العربي د. عبد الحسين شعبان تصريح حول القدس لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي مشروع فتنة محمّد الحسني البغدادي المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 - 1392 / 1881 - 1973 خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الثاني خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الاول

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة التاسعة أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة التاسعة أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي
مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن
رفض مساعدة من البكر بواسطة طلفاح والمزاج الحاد وراء الخلاف مع الحكيم الأب
التاريخ والسياسة
الحلقة التاسعة

أ.د. عبد الحسين شعبان

وخلال وجوده في النجف منذ 1964 ولغاية العام 1973 (وفاة السيد الحسني البغدادي) كانت علاقاتهما جيّدة وحميمة والزيارات بينهما قائمة. ولعلّ جزءًا من ذلك يعود إلى موقف الحسني البغدادي الداعم لانتفاضة خرداد من أحداث الثورة ومن الخميني شخصياً، وكانت الفاتحة قد أقيمت في النجف على أرواح شهداء الانتفاضة، وحضرها الحسني البغدادي بنفسه، وكان لذلك تأثير كبير على حركة التضامن، حيث كان بعض رجال الدين متردّداً أو أنه اتخذ مواقف ذات سقف أدنى من موقف السيد البغدادي .
وكان الحسني البغدادي قد أرسل برقية استنكار إلى الشاه وقام بتوزيعها على شكل منشور، وبادرت إذاعة صوت العرب من القاهرة على إذاعتها والتعليق عليها، كما نشرتها في وسائل إعلام مختلفة، علماً بأن ذلك كان وقت هيمنة الحرس القومي على مقاليد الأمور، لكنه لم يبالِ بمثل هذا التحرّك الشجاع.
وكان د. الشيخ محمد هادي الأميني قد نقل برقية السيد البغدادي إلى شاه إيران محمد رضا بهلوي، وهذا نصّها: (نص برقية الحسني البغدادي إلى شاه إيران):
عاهل المملكة الإيرانية محمد رضا بهلوي – طهران
“انخداعكم لأعداء الإسلام الذين كان مقصدهم الوقيعة في شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلّم والقضاء على الإسلام والمسلمين .. هو الذي أدى إلى سوء صنيعكم بالشعب الإيراني وعلمائه الأبرار قتلاً وإرهاباً وحبساً وتبعيداً. وأعظم من ذلك بغيكم على علماء الدين،وعلى رأسهم الإمام آية الله الخميني، الذين بهم تقام الدولة، وتنظم الرعية. كيف لا وهم حجج الله وآياته ، وأعلام الدين ودعاته؟ … وقد يؤدي سوء صنيعكم إلى سوء عاقبتكم في الدارين هواناً وخسراناً، وصريح القرآن في كثير من آياته هو البطش والانتقام من الجبابرة والطغاة. وأن فاجعة إيران لم تكن خاصة بهم، بل عمّت كافة المسلمين، فإنهم منكم ناقمون، وعليكم ساقطون، والأمر يحدث بعده الأمر.”
(محمد الحسني البغدادي)
وحين اندلع الخلاف في العام 1969 بين إيران والعراق حول شط العرب، ألغت إيران من جانبها معاهدة العام 1937 مع العراق، من طرف واحد، علماً بأن هذه المعاهدة كانت لصالحها، مطالبة بحصولها على المزيد من التنازلات من جانب الحكومة العراقية وطامعة في بسط نفوذها على الخليج وقد أقدمت لاحقاً على احتلال الجزر العربية الثلاث أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى العائدة لدولة الإمارات العربية المتحدة العام 1971. وخلال اندلاع الأزمة بين العراق وإيران أرسل شاه إيران قوات بحرية لتفتيش السفن المتوجهة إلى شط العرب، وطالبها برفع العلم الإيراني، فما كان من الحسني البغدادي  إلّا اتخاذ موقف شجاع وهو المعروف بعدائه لحكم الشاه، فأعلن في مقابلة أعيد نشرها في مجلة التراث النجفي مؤخراً (العدد 76-77) العام  2017 نقلاً عن مجلة العمل الشعبي (العدد 15-16 حزيران/يونيو/1969  أن ” لا فرق بين حكومتي إيران وإسرائيل” مندّداً بالتعاون بينهما، وأشار إلى وجوب مساعدة أبناء عربستان.
وللسيد البغدادي مواقف متميّزة بشأن الدعوات الطائفية، ففي العام 1965 أصدر بياناً بعنوان” لا طائفية ولا استكبار”، وبقدر ما كان يقصد بذلك حكومة عبد السلام عارف، فإنه قصد أيضاً بعض معارضيه من الاتجاه الطائفي المعاكس والمتمثّل بالمرجعية الرسمية (الحكيمية). وقد استفسرت عن ذلك البيان من الحسني البغدادي ” الحفيد” فأجابني : حاولنا طبع البيان في “مطبعة الغري” في النجف، لكن أصحابها كانوا يخشون طبعه تحاشياً من ملاحقة السلطات  الرسمية وبعض المتنفذين حينذاك، وبعد أن علمت الأجهزة المختصة بوجود مثل هذا البيان، قامت باقتطاع أجزاء منه محرّفة مضمونه، الأمر الذي دفع الحسني البغدادي الكبير إلى المبادرة بإصدار بيان يحمل صيحات احتجاج على هذا النهج غير الشرعي.
ويمضي الحسني البغدادي “الحفيد” بعرض تفاصيل ما حدث فيقول: أمرني رضوان الله عليه أن أقوم بهذه المهمة الصعبة وأن يكون البيان باسمي شخصياً، فلبيّت الطلب بكل اعتزاز. فذهبت إلى بغداد وكان برفقتي ابن عمّي صادق الحسني البغدادي (الحجّة)، فذهبنا معاً إلى “مطبعة النجوم” وكان صاحبها صديق ابن العم وشرحنا له الأمر، فوافق على نشر البيان شريطة أن يتم تنفيذه بعد انصراف العمّال كي لا ينكشف الأمر. وبالفعل تم طبع البيان في 28 من شهر رمضان المبارك، وجئنا به إلى النجف الأشرف ووزّعناه على علمائها ورجالها (انتهى كلام الحفيد).
وقد حاول الشيخ علي كاشف الغطاء إقناع البغدادي بالتخلّي عن البيان أو عدم توزيعه، خصوصاً وإنه كان يقصد بالاستكبار “الحكومة العراقية” وبالطائفية المجموعة الناشطة من التيار الإسلامي الشيعي الذي كان بينه وبينهم ما صنع الحدّاد كما يُقال، لكن الحسني البغدادي أبى ذلك، وقد حاول أن يشرح موقفه في بيت كاشف الغطاء لممثل رئيس الجمهورية عبد الجليل أحمد العبيدي الذي وصل إلى النجف برفقة محمد بديع شريف رئيس الديوان والشيخ عبد الوهاب الأعظمي أمين عام المؤتمر الإسلامي الأول في بغداد، لاسيّما بتأكيده على الوحدة الوطنية، في حين كان الجانب الآخر يريد منه شيئاً آخر، ولمّا شعر بأنه أدى المهمة قام بترك غرفة الاستقبال وسارع بالخروج.

ثلاثة لا يمكن اخفاؤهم لفترة طويلة:
الشمس والقمر والحقيقة
بوذا

حكاية اللقاء بالسفير الأمريكي
استغربنا حين سمعنا لقاء السيد البغدادي مع السفير الأمريكي في بغداد وحين استفسرنا، علمنا كيف حصل اللقاء، علماً بأن هناك الكثير من الإشاعات التي كانت رائجة بشأن علاقة بعض رجال الدين بالسفارات الأجنبية، البريطانية والأمريكية وغيرها، ولأننا نعرف الحسني البغدادي، فقد كان الأمر محيّراً. وقد نقل لنا صادق الحسني البغدادي (الحجّة)، إن الحسني الكبير كان ضيفاً على أحد أصدقائه في بغداد (المقصود عبد الباقي الطيار) وكان هناك من ينتظر لمقابلته وهو في قيلولة، وإذا بالسفير الأمريكي يطرق الباب ويطلب مقابلة السيد (ويبدو أن ثمة من دعاه واتفق معه، وإلا من أين له أن يعرف بحضور السيد البغدادي؟ وكيف يسوّغ لنفسه مثل هذا التصرّف غير الدبلوماسي؟).
وقد فوجئ السيد بعد أن استيقظ من النوم، وكان رد فعله الأول هو الاعتذار عن اللقاء، ولكن المضيفين أقنعوه بذلك، بأن السفير جاء يستفسر عن صحتكم، ولأنه ضيف، فالتعاليم الإسلامية والتقاليد العربية تقضي بإكرام الضيف، فأذن له بالدخول عليه، ناقلاً له تحيّات رئيس الولايات المتحدة ليندون جونسون.
وهناك من يرتاب بصحة هذه الرواية معتبراً إن اللقاء جاء بترتيب واتفاق، لكنني أميل إلى هذا الرأي، وأعتقد أن الاتفاق لم يكن مع الإمام الحسني البغدادي ، بل مع بعض الحاشية التي كانت تريد استغلال اسمه وتليين موقفه، خصوصاً وإن وضعه في مثل تلك الأجواء قد تضطره إلى المجاملة، وبذلك تكون خطوة أولى للتنازل، لكن السيد خيّب مثل هذا الظن وأفشل مثل هذا التقدير أو الاعتقاد، حين عبّر عن موقفه الحاد إزاء الصهيونية و”إسرائيل” والولايات المتحدة.
وكان الحسني البغدادي قد بادر السفير الأمريكي بالسؤال: ماذا تطلبون منّا وأنتم من يدعم الصهيونية العالمية ويساند “إسرائيل”؟ هل تريدون السلام فعلاً أم تريدوننا أن نستسلم؟، وكان ذلك بمثابة مفاجأة غير دبلوماسية، لكنها لغة الحسني البغدادي المعروفة بفصاحتها ووضوحها ولغة العراقيين السائدة آنذاك، وهم عرفوا وخبروا كيف تمارس “إسرائيل” عدوانها، وكيف يتمّ تعطيل التنمية والتقدم، بحجة مواجهتها وتبديد الأموال لشراء السلاح.
وكان الحسني البغدادي أول الداعين لدعم ومساندة الثورة الفلسطينية “بالجند والسلاح والمال”، فلم يضع قيوداً على العمل الفدائي أو شروطاً لممارسة الكفاح ضد الصهيونية، كما فعل بعض رجال الدين الآخرين في فتواهم التي اتخذت طابع المجاملة، أو هكذا فُسّرت في ظل الحماسة السائدة، وقد توافد عدد من القيادات الفلسطينية لزيارة السيد البغدادي، والتقى وفوداً من فتح والجبهة الشعبية، وتبادل بعض الرسائل مع ياسر عرفات وجورج حبش، وكان عرفات (أبو عمار) قد زاره في المستشفى حين كان يرقد في بغداد في مدينة الطب.
علماً بأنه وجه في حينها نداءً إلى ملوك ورؤساء الحكومات الإسلامية وشعوبها حول مقاطعة الدول التي تساند إسرائيل جاء فيه: “… فالواجب على المسلمين كافة مقاطعة الاستعمار في كل أمر، فيحرم عليكم مساعدة المستعمرين، بل يحرم عليكم كل ما يوجب ضعفكم وقوتهم”.

حين يكون الحديث عن المال،
فإن كل الناس على دين واحد
فولتير

الوطنية والنزاهة
قلتُ إن السيد الحسني البغدادي رفض إصدار الفتوى مع السيد الحكيم، لكنه بمناسبة الذكرى الأولى أرسل برقية إلى الزعيم عبد الكريم قاسم، يستنكر فيها إقامة المهرجانات التي صادفت ذكرى استشهاد الحسين، وكانت قد حدثت بعض المصادمات في المسيب والديوانية والحي وغيرها، وعلى إثر ذلك أرسل الزعيم ، السيد حميد الحصونة قائد الفرقة الأولى لينقل رسالة شفوية منه ، وكان وقتها البغدادي بالكوفة، وقد تذرّع بالمرض، وطلب منه إذا كان لديه شيئاً يقوله فليقله لمرافقيه، لاسيّما بخصوص احتفالات الشيوعيين التي كان قد اعترض عليها.
وقد قال الحصونة إن الزعيم قرّر تقديم مخصصات شهرية للسيّد “ليستعين بها في شؤونه الخاصة والعامة”، وهنا بادر السيد حسام الدين الهادي الحسني بقوله: إن مقام السيد لا يسمح له بقبض مخصصات من أي حاكم مهما كانت صفته. ولكن ممثل الزعيم قال له إن زملاءه من علماء النجف يستلمون هذه المخصصات، بل إن بعضهم هو من طالبهم بها.
وكان قد سبق للحسني البغدادي أن رفض استلام راتب شهري من عائدات الأوقاف الهندية، لما يحوم حولها من صلات بالانكليز، وكان من عرض عليه ذلك هو محمود آغا الهندي  وهو ضابط ارتباط بالسيد محمد كاظم اليزدي وحكومة الاحتلال، وهو ممن يسمّون “علماء الحفيز” أي الـ office (عن اللغة الانكليزية) التي حرّفت لتصبح “الحفيز″، وعلماء الحفيز هم رجال الدين الرسميين.
كما رفض تخصيص راتب له من الرئيس عبد السلام محمد عارف، حين جاءه نجم الدين النعيمي ممثلاً له برفقة عبد الوهاب الأعظمي، بهدف  دق المزيد من الأسافين بينه وبين السيد محسن الحكيم من جهة (الذي تحرّكه إيران كما تقول الرواية الحكومية) وضد الملّا مصطفى البارزاني من جهة أخرى، حيث كانت الحركة الكردية قد عادت إلى العمل المسلّح قبل الوصول إلى بيان 30 حزيران (يونيو) العام 1966 والذي لبّى جزءًا من مطالب الشعب الكردي.
وكان الرئيس عارف كما تقول “الرواية” التي تم تداولها في حينه، قد قرّر تخصيص مبلغ 10 آلاف دينار لإدارة شؤون “الحوزة العربية” وتغطية نشاطاتها. لكن الحسني البغدادي اعتذر عن ذلك بلا حوار أو نقاش، وترك الجلسة قائلاً “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..” وقد نقل هذا عبد الحميد الراضي في حواره  مع الحسني البغدادي (الحفيد) في كتابه: محمد الحسني البغدادي – المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 – 1392 / 1881 – 1973? منشورات مكتبة الإمام المجاهد السيد البغدادي العامة، 2017.
ويبدو أن عبد السلام عارف أراد مكافأة البغدادي على فتواه بتحريم الشيوعية، لكن البغدادي الذي عبّر عن قناعاته، لم يكن يسعى للحصول على مكافأة مالية أو غير مالية له، بل كانت تلك قناعاته، بل واحدة من “شطحاته” التي لم أجد لها أي مبرّر سياسي، لكن رأيه يبقى محترماً، طالماً كان نزيهاً حتى وإن كان “خاطئاً”.
وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) العام 1968 الذي أعاد حزب البعث إلى السلطة،اجتمع الدكتور عبد المجيد الرافعي عضو القيادة القومية لحزب البعث والوفد المرافق له مع الحسني البغدادي الذي زاره في داره (أواخر العام 1969)? وتم تبادل الأخبار والمعلومات عما يجري في الساحة اللبنانية، التي كانت تنذر بحرب أهلية، وخصوصاً في الموقف إزاء الوجود الفلسطيني المسلّح، وكان السيد شبيب المالكي قد حضر اللقاء بوصفه متصرّفاً للواء كربلاء (محافظاً)، وكانت النجف قضاءً حينها تتبع لكربلاء، ولفت الرافعي انتباه المالكي بعد خروجهما إلى حياة التقشف التي يعيشها البغدادي قياساً بأقرانه في لبنان، وطلب مفاتحة القيادة بدعمه مادياً، فكان رد المالكي: إن البغدادي رجل زاهد وتؤكد المعلومات التي  لدينا أنه يرفض الهدايا وأية مساعدات من الجهات الرسمية. وهو ما أكّده لي المالكي شخصياً إضافة إلى رسالته المؤرخة يوم 28/9/2017. وكان قد زاره من لبنان خلال تلك الفترة أيضاً طلال سلمان (رئيس تحرير جريدة السفير لاحقا) والسيد جعفر شرف الدين والسيد موسى الصدر وأديب الفرزلي وكامل الأسعد رئيس البرلمان اللبناني الأسبق.

رفض مساعدة
وكان خيرالله طلفاح  قد طلب من الرئيس أحمد حسن البكر تقديم المساعدة للحسني  البغدادي، طالما يحصل آخرون على مساعدات إيرانية تأتيهم باسم الحقوق، وكان ردّ الرئيس البكر، إن الحسني البغدادي رفض أكثر من عرض منّي ومن الدولة، وهذا هو تاريخه، فكيف يقبل أن يأخذ المخصصات من الشاه عدوّه اللدود. وقد وثقت هذه المعلومة مع منذر المطلك سكرتير مكتب البكر حينها والسفير لاحقاً، الذي أكّد لي أنه سمعها من الرئيس البكر، مع إشارة إلى مرجعيته العربية الشجاعة، وهو ما يؤكد ترفّعه ووطنيته ونزاهته.
وإذا كان موقفه السياسي راديكالياً وعروبياً واضحاً ووطنياً صافياً، لكن بعض أطروحاته، ولاسيّما فيما يتعلّق بالطقوس والشعائر كانت محافظة بل تقليدية، وأستطيع القول إنها شديدة “التخلّف”، خصوصاً وإن بعضها اختلط بما لا علاقة له بالإسلام مثل إيذاء النفس. وإذا كان الحسني البغدادي ينتقد مواقف السيد محسن الحكيم ويشكّك بأطروحاته الممالئة لإيران، لكن الحكيم في هذا الجانب كان أكثر واقعية وملاءمة لروح العصر، ولاسيّما حين يرفض إيذاء النفس، وهو موقف لا يتفرّد به لوحده، وإنما سبقه إليها وبشكل واضح عدد من العلماء وفي مقدمتهم أبو الحسن الأصفهاني والسيد محسن الأمين وغيرهم، في حين كان الحسني البغدادي يميل إلى التسليم بالتقليد السائد، وما ورد من السلف، ودعوة لإحياء  الشعائر بشكل مطلق.

إنك رأيت الصورة، ولكنك غفلت عن المعنى
جلال الدين الرومي

الخلاف بين البغدادي والحكيم
تعود أسباب الخلاف والاختلاف الى منهجين متعارضين ومزاجين مختلفين، فقد كان الحسني البغدادي حاداً في صراحته وواضحاً في رأيه، في حين كان الحكيم أميل إلى الحذر والتحوّط وتقليب الأمور لدرجة التردّد أحياناً، وبعد أن كانت العلاقات طبيعية بين الإثنين، حتى وفاة النائيني (1355 هـ)، دبّت الخلافات بعد ذلك، ولعلّ السبب حسب رأي السيد أحمد الحسني البغدادي (الحفيد)، إن الحكيم طلب من البغدادي ” انتزاع المرجعية” من “الحوزة الفارسية” في النجف، بوصفها ظلمت الحوزة العربية، بطرق ووسائل مختلفة ولا شرعية، أقلّها التمييز، لكن الحسني البغدادي (الكبير) فهم الأمر على إن الحكيم يسعى لضمان المرجعية له، علماً بأن رأيه هي للأكثر زهداً والأتقى عملاً والأكثر ورعاً والأجدر أعلمية، ولم ير مثل هذه الصفات في السيد الحكيم ، فضلاً عن مواقفه السياسية لاحقاً التي باعدت بينهما حد العداء والكراهية .
وبخصوص “المرجعية” فهناك خصائص تفترض توفرها، فإضافة إلى الأعلمية فإنها تتطلب الزهد والتسامح والتواضع، كما تتطلب الأقدمية في العلم وفي سعة المدارك والمعارف والآفاق، وتستوجب تراكم الخبرة والقدرة على قول الحق، إضافة إلى رحابة الصدر والانفتاح ومدّ يد الوحدة والتعاون، لأنّ المرجع ليس للطائفة، بل هو لعموم المسلمين  أو هكذا يفترض. لكن اسم المرجعية حشر أحياناً لأسباب سياسية هنا وهناك في محاولة لإضفاء قدسية عليها، علماً بأن رجل الدين غير معصوم، لأنه إنسان، يخطأ ويصيب  مهما بلغ من سعة علم وإدراك ومعرفة ، لكن الإنسان ليس كاملاً فالكمال لله وحده، ومثلما هناك مواقف توحيدية وإيجابية ووطنية وجامعة هناك أيضاً مواقف هزيلة وضعيفة، بل ومتخاذلة تتستر وراء موضوعية مزعومة.
وفي هذا المقطع أجد نفسي أقرب إلى السيد الحكيم منه إلى الحسني البغدادي، فالحوزة في النجف ظلّت تتلاقفها “المرجعية الفارسية”، ولو عدّدنا من تولى أمرها منذ بداية الدولة العراقية، وحتى الآن، سنرى إن المراجع في غالبيتهم، لاسيّما المؤثر منهم والمدعوم، كانوا من أصول فارسية، وتلك ليست إشكالية عرقية أو قومية، بل إشكالية وطنية بالأساس، وهي تتعلق أيضاً بالهوّية ومتعلقاتها.
وحين أصبح السيد محسن الحكيم المرجع الأول، كان قد حصل على دعم الداخل والخارج، بتأييد من عدد من رجال الدين في العراق من جهة ودعم رجال دين آخرين خارجه أيضاً، وبتأييد من شاه إيران الذي كان قد أرسل له برقية يعزّيه فيها بوفاة البروجردي 1961? وكان هذا يعني اعترافا منه بمرجعيته الأولى بعده، الأمر الذي أدى إلى اتخاذ مواقف متفاوتة إزاء ما حصل في إيران بانتفاضة خرداد العام 1963? ففي حين اتخذ الحسني البغدادي موقفاً حاداً وحتى  غير دبلوماسي في مخاطبته لرئيس دولة، وهو عادة ما تتّخذه القوى المعارضة السرّية، فإن السيد الحكيم كان موقفه ناقداً ولكن بعبارات منتقاة وبحذر شديد، محذّراً من مغبّة الاستمرار في هذا النهج.

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha