بيان ثبوت هلال شهر شوال الأغر بيان حول حلول شهر رمضان المبارك اقرا بالتفصيل ما ورد في كتاب: الإمام الحسني البغدادي للمفكر العربي د. عبد الحسين شعبان تصريح حول القدس لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي مشروع فتنة محمّد الحسني البغدادي المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 - 1392 / 1881 - 1973 خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الثاني خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الاول رسالة تاريخية حول رفض كافة عروض السلطة بقبول الدعم المالي بيان سماحة آية الله العظمى السيد احمد الحسني البغدادي حول استفتاء تقرير المصير في «كردستان» العراق

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة الثامنة أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة الثامنة أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي
مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن    
مرجع يصدر فتوى لإنقاذ البسطاء من المنخرطين في الحزب الشيوعي
التاريخ والسياسة
الحلقة الثامنة

وفي حديث مع (الحفيد) وكنت قد سألته بعد أن كان جدّه قد تأسّف لذبح الشيوعيين وإصدار البيان رقم 13 القاضي بإبادتهم واستغلال الفتاوى الأربع في ذلك، لماذا إذاً أصدر الفتوى في العام 1964 في حين كان آية الله حسين الحمّامي وآية الله عبد الكريم الزنجاني وآية الله الشيخ محمد فاضل القائيني، قد استمرّوا في رفضهم إصدار مثل هذه الفتاوى وتحمّلوا بسببها الكثير من الاتهامات والإساءات، وكذلك السيد البغدادي.
وأعتقد إن الأساس في موقفهم يعود لاعتبارات فكرية وعملية، فضلاً عن ما قد تسبّبه من زيادة الانقسامات المجتمعية، إذْ أن على فكرة التكفير ستترتب إجراءات وردود فعل وتبعات أخرى، ناهيك عن كونه يثير إلتباسات قانونية، مثلما يثير خلافات وحسّاسيات سياسية واجتماعية وحتى شخصية وعائلية، فمن يستطيع أن يفتي بذلك وهو مرتاح الضمير أو يتحمّل تلك النتائج، خصوصاً، وإنه شاهد بأم عينيه كيف تمّ استغلال فتوى السيد الحكيم في العام 1963 عقب الإنقلاب البعثي الأول وحتى قبله؟

اصدار فتوى
ومثلما حامت شبهات حول من أصدر الفتوى، فإن شبهات مضادة كانت قد راجت، في إطار حملات التسقيط بين المراجع، فقد اتّهم القائيني بالشيوعية وتمّ تسّفيره إلى إيران في العام 1963? والتهمة ذاتها تمّ ترويجها ضد الحمّامي، أمّا الزنجاني فقد اتّهم بأنه عميل بريطاني، في حين كانت تهمة كاشف الغطاء بأنه “سلطوي” و”مداهن للحكام”، علماً بأن أوساطاً من المرجعية الرسمية كانت تروّج لمثل هذه الإشاعات، في ظلّ صراعات خرجت عن حدودها في الشارع النجفي وسبّبت باحتداماته، وخصوصاً بارتفاع درجة حرارة الجو السياسي.
وقد أجابني الحسني البغدادي (الحفيد): إنّ الفتوى من جانب البغدادي الكبير كانت حيطة وحذراً، وقد حاول فيها التفريق بين بعض قيادات الشيوعيين المؤمنة بالإلحاد وبين القواعد البسيطة. ونقل نصاً عن جدّه يقول فيه ” وقد ابتلى بها أبرياء من المؤمنين بأنواع القذف والتكفير ونحوهما”، وقد ناقشته بذلك طويلاً، فقد كان الأمر بالنسبة لي ولا زال على نحو أشد وضوحاً، هو أنني غير مقتنع على الإطلاق للتبريرات، وأعتبره مجاراة ومجاملة للتيار الديني السائد، ممثّلاً بالحكيم والجماعات التي تلتفّ حوله، إضافة إلى مداهنة للسلطة الحاكمة أيام عبد السلام محمد عارف، وأية دفوعات غير ذلك إنما هي تبريرات لا تستند إلى حجج واقعية أو مقنعة. وعلى افتراض حسن النية، فمثل تلك الذرائع أقرب إلى السذاجة السياسية في حين أن السيد البغدادي يدرك المسالك الوعرة والطرق الملتوية، التي تتخذها المسارات السياسية، وما كان عليه الإقدام على ذلك.
وأظن أن الإمام الحسني البغدادي كان قد استدرج إليها ولم يكن يرغب في إصدارها وتوزيعها، وإنما كان ذلك بمثابة “رأي” منه أورده الشيخ الأميني منقولاً عن مخطوطة في مكتبته، ولكن ما إن نشر الأميني ذلك، حتى تم استغلال ما ورد فيه باعتباره “فتوى” ضد الشيوعية. وبالطبع فإن هناك اختلاف بين إصدار فتوى تحريضية تعبوية إلغائية، وبين رأي واجتهاد بخصوص فكرة، بهدف دحضها وتفنيدها وإثبات ضررها، سواء كان مثل هذا الرأي صائباً أم خاطئاً، لأن سياقاته ستكون مختلفة ، وقد أوردنا في مكان آخر من هذه السردية الاختلاف بين الأمرين.
وقد جاءت “الفتوى” الحسنية – البغدادية في فترة كانت قد لجأت سلطة عارف إلى انتزاع البراءات من الشيوعيين، الأمر الذي تم توظيفه سياسياً مثل الفتاوى الأخرى. وكان الشاعر مظفر النواب بعد أن أُلقي القبض عليه في إيران وتم تسليمه إلى العراق (أواخر العام 1963)? حيث حكم عليه بأحكام غليظة، قد نقل إلى سجن نقرة السلمان، وقد كتب قصيدته الشهيرة الموسومة “البراءة” وهي “صورتان”: الأولى عن “الأم” والثانية عن “الأخت”، وذلك في العام 1964. وعلى الرغم من أنها فنياً لا ترتقي إلى مصاف قصائد النواب الرائعة، فإنها لقيت رواجاً سياسياً وشهرة كبيرة جداً. وهناك نص مؤثر حين تخاطب الأم ولدها  الذي يعطي البراءة أو ينوي إعطاءها لتبرير إعالة عائلته بقولها :

يا بني ابن الجلب يرضع من حلبيي
ولا ابن يشمر لي خبزه من البراءة
يا بني يأكلني الجرب لحم وعظم
وتموت عيني ولا الدناءة
يا بني ها أيام يفرزنها القحط، أيام محنة
يا بني لا تثلم شرفنا
يا بني يا وليدي البراءة تظل مدى الأيام عفنة
تدري يا بني بكل براءة
كل شهيد من الشعب ينعاد دفنه
كطرة كطرة وبنظر عيني العميته
كلّي ما يندار رحمي و أنت أمي وذاك حزبي
وعزّ أبوي المالواني وما لويته
كلّي ما أهدم حزب بيدي بنيته

وجاء في فتوى الحسني البغدادي التي ننشرها نصاً (وسواء كانت فتوى أم رأياً)  “الشيوعية فئة ملحدة ، صريحة الإلحاد” في كتبهم المنشورة وسائر كلماتهم الشائعة  التي لا يمكن تأويلها ويكفي في ذلك هجر اسم الجلالة وتعقيب من نطق به بأنواع الأذى… حتّى أنّهم بهذا المبدأ قد قضوا على عبادة الله في أديانهم بل حجزوا عليهم في جميع ما يعود إليهم خدائع كثيرة وقد أشرنا إلى جملة منها وقد سرت هذه الفتنة إلى بلادنا وقد اغترّ بها أناس كثيرون حتّى أصبحوا من أكبر دعاتها وهم لا يشعرون، فاشتدّ الاختلاف وعمّت الفوضى وأريقت الدماء وهتكت الأعراض واستهين بالحرمات وتوسّع الفساد بأنواعه، وكان لهؤلاء أعظم تأثير على المستضعفين وقد ابتلى الأبرياء من المؤمنين بأنواع القذف والتكفير ونحوهما بذلك نسأله تعالى تحسين الحال.
إنّ الشيوعية فتنة وقعت في زماننا جاءتنا من أعدائنا وهي أكبر فتنة قاضية على الدين والنظام فالواجب على جميع المسلمين ولاسيّما حكوماتهم مقاومتها والقضاء عليها فعليكم أيها المسلمون أخذ تمام الحزم لهذا الأمر بكلّ طريق حاسم لها”.
ويلاحظ من قراءة النص ارتباكه والتباس معانيه وذلك بقوله: إن الشيوعية فئة، في حين أنها فكرة، أمّا الشيوعيون فهم فئة، ويعود ليعتبرها فتنة، والفتنة ليست سبباً، بل نتيجة.
وإذا كانت فتوى الحكيم مدوّية ومؤثرة إلى حدود لا يُستهان بها، وأضعفت نسبياً من نفوذ الحزب الشيوعي الذي كان واسعاً، وفي ظرف اتّسم ببعض التصرّفات غير المقبولة من بعض أعضائه أو المحسوبين عليه، لاسيّما الاستخفاف بالدين وإظهار العداوة لرجال الدين، بسبب بعض مواقفهم المعادية للثورة، فضلاً عمّا حدث من انتهاكات في حينها، ولاسيّما العام 1959? وما رافق ذلك من إشاعات حول ” تمزيق القرآن” و” الدعوة للإلحاد” و”الإباحية” وغير ذلك، فإن تلك الظروف تغيّرت، فالحزب الشيوعي لم يعد يوم صدر رأي الحسني البغدادي أو فتواه مهيمناً على الشارع، بل هو ملاحق، والسجون كانت ما تزال مملوءة بالشيوعيين، وما لاقوه من تعسّف وتعذيب، أقرّ به حتى بعض من قام بممارسته لاحقاً من خصومهم، فلماذا يصدر السيد الحسني البغدادي “الفتوى” ضد الشيوعية، خصوصاً وأنها لم تشكّل خطراً فعلياً آنذاك؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال نعود إلى الحديث عن تأثيرات فتوى الحكيم، وكما سبق وأن أشرت في مباحث أخرى، إنها كانت محدودة وانحصر تأثيرها في بعض أوساط الريف والفلاحين والمناطق النائية والبعيدة بحجم الاتهامات والتشكيك بالدين والرُسل والأئمة التي نُسبت إلى الشيوعيين، ولكن لم يكن لها نفس التأثير في النجف مثلاً، وبعض المدن الكبرى مثل بغداد والموصل والبصرة، فضلاً عن كردستان.

الشك ينمو مع المعرفة
غوته

للأفكار أجنحة
وقد بيّنت في كتابي ” تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف” وفي حوارات تلفزيونية عديدة إن المسؤول الأول عن اللجنة المحلية للحزب الشيوعي في النجف حينها هو السيد صاحب الحكيم وهو نجل السيد جليل الحكيم، إضافة إلى شقيقيه سلمان وناجي وشقيقتهم زهوري (أم فلاح) (زوجة الشهيد حسن عوينه) كانوا من الشيوعيين، وإن والدتهم  وهي سيّدة شجاعة كانت مراسلة مع سجن نقرة السلمان في الخمسينات، ليس هذا فحسب، بل إن العشرات من أبناء العوائل الدينية الكبيرة آل الحكيم والرفيعي والخرسان وشعبان وشريف والصرّاف، وهم من سدنة الروضة الحيدرية، كانوا من الشيوعيين، مثلما كانت أعداد كبيرة من عوائل دينية لها نفوذ في الحوزة من آل الجواهري وبحر العلوم والحلو والخليلي والدجيلي والشبيبي والسوداني وزيردهام وسميسم على ملاك الحزب الشيوعي أيضاً، إضافة إلى عوائل معروفة أخرى غير دينية، فكيف يمكن لفتوى تشمل هذه العوائل الكبرى في النجف أن تكون مقبولة؟
ومن الطريف ذكره في هذا المقام أنه بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) العام 1963 وإثر انكشاف تنظيمات الحزب الشيوعي، كان هناك تنظيم خاص برجال الدين ضم 33 عضواً، إضافة إلى أعداد من الأصدقاء والمؤيدين، سواء من كانوا في حضرة الإمام علي أو قرّاء وشعراء المنابر الحسينية أو في أوساط الحوزة العلمية.
وإذا كانت قد أثارت فتوى الحكيم احتكاكات في الشارع وتقاطعات حادة وأحداثاً صاخبة، فإن فتوى الحسني البغدادي قياساً لفتوى الحكيم، جاءت باهتة وكأنها في غير وقتها، الأمر الذي لم تثر أي ردود فعل بشأنها.  وقد يعود الأمر إلى عدم رغبة الحسني البغدادي توظيفها على نحو دعائي واستفزازي، فقام بوضعها بصفتها ” رأي” في مكتبته، ولولا الأميني، فقد يكون مثل ذلك الرأي أو تلك الفتوى في الأدراج إلى يومنا هذا، وقد يكون الزمن قد طواها، ويا حبّذا… لأنها كانت في غير سياق منهج البغدادي. وحسب معرفتي بنهج ” رجال الدين”، فقد يكون البغدادي كتبها تقيّة، حتى إذا ما سُئل عن رأيه، فسيقول إنه كتبه منذ حين، وهذا ما حصل حسب تقديري، وأرجو ألاّ أكون مخطئاً في ذلك.
وإذا كان الحسني البغدادي ” الحفيد” قد سار على خطى الجد في راديكاليته ومواقفه السياسية الوطنية والعروبية، ولاسيّما في موقفه المتميّز الرافض للاحتلال الأمريكي، وكان من أبرز رجال الدين الذين دعوا لمقاومته والوقوف ضده بجميع الوسائل المتاحة وأبدى استعداده للتعاون مع جميع القوى لتحقيق هذه المهمة النبيلة.

احتلال امريكي
وأتذكّر مرّة قولاً جريئاً له بهذا الصدد، حين أبدى استعداده للتعاون حتى مع “عاهرة” إذا كانت ضد مشروع الاحتلال الأمريكي،  ولم يتورّع من قول ذلك، وهو بزيّه الديني وعمامته السوداء ولحيته البيضاء، وبالطبع فإن مثل هذا القول مجازي على صعيد “التشبيه والدلالة” كما يقول علماء البلاغة، قصد منه الدعوة إلى تعبئة جميع القوى ضد المحتل وإبعاد ما هو ثانوي وطارئ ومؤقت، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وطويل الأمد، لاسيّما بإذكاء روح الوطنية العراقية وتحفيزها على مقاومة المحتل الأمريكي.
أمّا موقفه من الشيوعية، فهو لا يحرّم عمل الشيوعيين أو يجرّمهم ، بل يعارض الفكرة الشيوعية المادية، لكنه مستعد للتعاون معهم لأهداف سياسية ومطلبية تخص حياة الناس ومستقبل وطنهم، وقد جاء في مقابلة له مع جريدة “قاسيون” التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري، وأعيد نشرها في كتاب ” فتاوى أحمد الحسني البغدادي في فقه المقاومة وثقافة الاستسلام”، إعداد وتحقيق علي الحسني 24/1? الطبعة الرسمية الأولى، نيسان ، 2010″. رداً على سؤال حول مقولة ماركس ” الدين أفيون الشعوب” وإلحادية الماركسيين: إن كارل ماركس قرأ الدين المسيحي المنحرف(ويقصد الكنيسة وبعض رجالها وخصوصاً في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) من خلال أسطورة الخطيئة الموروثة التقليدية، التي يقام عليها ركام هائل من الطقوس والتشكيلات ومن الأساطير والخرافات، ويعني بذلك إعطاء “صكوك غفران” للبسطاء من الناس في سبيل الخلاص الأبدي من العذاب الآخروي… من هنا جاءت مقولة ماركس ” الدين أفيون الشعوب”، علماً بأنه لم يقرأ الدين المحمدي الأصيل، الذي لا يرضى بالخنوع والذل والعبودية واستغلال الإنسان للإنسان.
ويفرّق ” الحفيد” بين من آمن بالتعاليم “الماركسية – اللينينية” كانتماء سياسي وبين من كفر بالأديان السماوية في معناها، وهو ما استغلته القوى الرجعية ضدهم كما يقول واعتبرتهم جميعهم ” ملاحدة” بلا استثناء، في حين إن الانتماء السياسي مع البقاء على العقيدة وعدم إنكار أصول الدين وفروعه شيء، والكفر والإلحاد شيء آخر، فمن آمن بالشيوعية كانتماء سياسي وآيديولوجي وظلّ على دينه فهؤلاء ” مسلمون لا ملحدون” حتى لو كانوا ماركسيين.
وبالعودة إلى “رأي” أو فتوى البغدادي الكبير، وأستطيع القول أنها جاءت في الوقت الضائع، وكأنها إثبات حسن ولاء مجاني، وفي إطار المنافسة بين المراجع، علماً بأن فتوى الحكيم أثارت علامات استفهام بحق الحركة الدينية، كان بعضها قد جاء على لسان الحسني البغدادي نفسه من وجود شبهات، لاسيّما في ظل صراعات حادة على المستوى العالمي بين معسكرين، متناحرين هما الشرق والغرب (الشيوعية والرأسمالية) فكيف إذاً إنساق إلى ذلك؟
وإذا كانت “الفتاوى” قد أضرّت بالحركة الشيوعية، فإن ضررها كان بليغاً على  الحركة الإسلامية ذاتها، التي واجهتها أسئلة كبرى لاحقاً لم يكن بمقدورها الإجابة عليها. فلماذا اتجه الحسني البغدادي صوب هذا النهج في وقت لم يكن الصراع حاداً مع الشيوعيين ويستوجب مواجهتهم بسلاح الدين كوسيلة “مجرّبة” حتى وإن كانت مُستهلكة، لأن البعض يمارسها إلى اليوم وكأنه ينتمي إلى الماضي حيث ترتفع أصوات تدعو إلى مكافحة الشيوعية ومحاربة المادية الديالكتية تارة بزعم علمانيتها ودعوتها لفصل الدين عن الدولة، وأخرى لمنهجها الإلحادي والإباحي، بسبب ما تبناه من رأي بخصوص مساواة المرأة مع الرجل والدفاع عن الحقوق والحريات العامة والخاصة، وكأن الزمن قد تجمّد عنده.
وكنت سأتفّهم موقف الحسني البغدادي لو حاول نقدها فكرياً أو تفكيك منطلقاتها، كما فعل كاشف الغطاء أو محمد باقر الصدر بعده، في محاورة سجالية مهمة، سواء اتفق البعض معها أو اختلفنا بشأنها، لكنها محاولة جادة ورصينة ومؤسسة على نحو مُحكم.
لقد شهد التاريخ القديم والمتوسط والحديث تأثيم وتجريم وتحريم أفكار ومفكرين، وكان ابن رشد وهو فيلسوف وطبيب وفقيه وقاضي وفيزيائي أندلسي ومن مواليد قرطبة في 14 نيسان (ابريل) 1126 قد تعرّض لأشد حملة تكفيرية حيث اتهم من رجال الدين، بالكفر والإلحاد والزندقة، وهي التهم التي وجّهت للماركسيين والشيوعيين والتنويريين، وتم ترحيله إلى مراكش حيث توفي هناك في 10 كانون الأول (ديسمبر) 1198 بسبب الكآبة والعزلة. وكان رجال الدين المتزمتين قد قاموا بحرق كتبه ، وذلك لما تحتويه من مفاسد وكفر وإباحية وهرطقة وهي التهم ذاتها الموجهة على أصحاب الفكر التغييري في كل زمان ومكان، حسب تبريراتهم.

قول شهير
وحين رأى أحد تلامذته يبكي، فقال قولته الشهيرة وهو يخاطبه “لا تبكي يا بني فإن للأفكار أجنحة”. وهو ما يذكّرنا بسقراط الذي لم يكن يرى أي تعارض بين الدين والفلسفة، وهناك طرق مختلفة للوصول إلى الغايات المشتركة. وكان غاليلو قد أدين بالاشتباه بالهرطقة والتعرض لما جاء في الإنجيل، لأنه تحدث عن مركزية الشمس استناداً إلى تعاليم كوبنريكوس، وإن الأرض تدور حول الشمس، وفرضت عليه الإقامة الجبرية حتى توفي في 8 كانون الثاني (يناير) 1642 بعد أن عاش عزلة كاملة لعدّة سنوات، وقد ولد 15شباط (فبراير) 1564 ? وبعد مرور نحو 350 عاماً وبالتحديد في العام 1983 اعتذرت الكنيسة منه وردّت إليه اعتباره، وتلك عبرة لمن يعتبر.
وكنتُ أتابع الجدل والنقاش الذي اندلع عقب مشروع قانون مساواة المرأة بالرجل الذي طرحه الرئيس التونسي القائد السبسي، وكيف استحضرت “فكرة الكفر والإلحاد” ومخالفة الشريعة والتجنّي على الإسلام، تلك التي روّجها بعض القوى الإسلامية والإسلاموية ضد مشروع القانون، لاسيّما بخصوص الإرث والحق في الزواج من غير المسلم، فقد كانت ردود الأفعال غاضبة وشديدة، بل وتكفيرية ضد المشروع والداعين والمؤيدين له، في حين لم نلحظ مثل هذه الحماسة في الموقف من سرقة قوت الناس وخبزهم وتهديد أمنهم وحياتهم، ناهيك عن تدنيس مقدساتهم، بما فيها القدس الشريف.

الحقيقة النهائية تتكشّف شيئاً فشيئاً
من خلال تطوّر الأفكار
هيغل

البغدادي والخميني
كان البغدادي عدواً لدوداً لشاه إيران ووقف بصلابة إلى جانب انتفاضة خرداد العام 1963 منحازاً إلى الجانب الشعب الإيراني، ولعلّ موقفه هذا جعله قريباً من السيد الخميني بعد أن كاد الأخير أن يحاكم، وتصدر أحكاماً ثقيلة بحقه، لولا التضامن معه، ومنحه درجة الاجتهاد باعتباره “آية الله” وحسب الدستور الإيراني، فإن ذلك يمنحه الحصانة. وقد اضطرّ بعد استجوابه إلى مغادرة إيران باتجاه تركيا، ومنها إلى العراق، واستقر بالنجف كما هو معروف نحو 14 عاماً حتى قامت الثورة الإيرانية العام 1978 فأبعد إلى الكويت، بناء على اتفاق عراقي- إيراني، كان تنفيذاً لاتفاقية 6 آذار (مارس) 1975 بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي صدام حسين، ولكن الكويت رفضت استقباله، فاضطرّ للتوجّه إلى باريس، ومن هناك واصل إذكاء روح التمرّد والانتفاضة ضد الشاه حتى انتصرت الثورة في 11 شباط (فبراير) 1979 وعاد الخميني إلى طهران.

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha