رسالة مفتوحة لسماحة الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي الى العراقيين الاماجد حول انبثاق التظاهرات في المدن العراقية احمد الحسني البغدادي الظاهرة الجهادية والمعرفية المعاصرة د. نذير القرشي بيان ثبوت هلال شهر شوال الأغر بيان حول حلول شهر رمضان المبارك اقرا بالتفصيل ما ورد في كتاب: الإمام الحسني البغدادي للمفكر العربي د. عبد الحسين شعبان تصريح حول القدس لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي مشروع فتنة محمّد الحسني البغدادي المسيرة الجهادية والفكرية في قراءة حوارية ووثائقية خلال سبعة عقود من الزمن 1298 - 1392 / 1881 - 1973 خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الثاني خطاب المقاومة من العراق الى الأمة ما بين 2003 - 2017 الجزء الاول

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة الاولى أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن التاريخ والسياسة الحلقة الاولى أ. د. عبد الحسين شعبان

الإمام الحسني البغدادي
مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن
 التاريخ والسياسة  

الحلقة الاولى


أ. د. عبد الحسين شعبان


كل إصلاح مفتاحه الفكر الديني (توماس هوبز)


توطئة
حين هاتفني الصديق فوزي الراوي (عضو القيادة القومية لحزب البعث- سوريا) إلى فندق ” الفردوس تاور” (برج الفردوس) بدمشق، سألني إنْ كنتُ أعرف سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، وقبل أن ينتظر جوابي قال إنه يعرفك جيداً، ثم خاطبه قائلاً تكلّم مع د. عبد الحسين شعبان بعد أن نقل سماعة التلفون إليه، وجاءني صوته رهيفاً وعميقاً ومؤثراً بالسلام والسؤال عن الصحة والعائلة، وإنه من المتابعين جداً لكتاباتي ومواقفي.  ولكي أتأكّد مَنْ يكون محدّثي سألته ما الذي يربطك بآية الله الإمام السيد محمد الحسني البغدادي؟ فقال إنه جدّي، فقلت له إذاً أنت نجل السيد كاظم، فقال نعم، فقلت له وصلنا إلى حيث المشترك.

 والحسني البغدادي الكبير هو الفقيه الموسوعي الثقافة والمنشغل بالتاريخ مفهوماً ومنهجاً ورؤية فلسفية، وخصوصاً التاريخ الإسلامي القديم، ولاسيّما ” الرسالة المحمدية” وما بعدها في ” الخلافة الراشدية”، وينتمي لأسرة علمية ضمّت عدداً من الفقهاء والمحققين والشعراء، وكانوا يلقبّون بآل العطار نسبة إلى جدهم الأكبر السيد “محمد العطار” الذي كان في سوق العطارين في منطقة الشورجة ببغداد. والإمام محمد الحسني البغدادي هو ابن صادق بن محمد بن راضي بن حسين بن أحمد بن محمد العطار البغدادي، ويتواشج نسبه بالسيد الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، وقد ولد في مدينة النجف في 25 حزيران (يونيو) 1881. وتتلمذ على يد ابيه وعدد من أفقه علماء عصره مثل الآخوند ملا محمد كاظم الخراساني وشيخ الشريعة الأصفهاني ومحمد سعيد الحبوبي وباقر الجواهري وضياء الدين العراقي والميرزا محمد حسين النائيني، الذي ظلّ ملازماً له نحو عقدين من الزمان. وأظهر الحسني البغدادي تفوّقاً متميّزاً، واهتمّ منذ مراحل دراسته الأولى بالتاريخ العربي- الإسلامي إلى جانب الفقه والأصول والأدب، وحصل على مرتبة الاجتهاد عشية ثورة العشرين، ولم يكن قد بلغ نهاية عقده الرابع، حيث تفرّغ للبحث والتدريس. وهو “المدرّس الفقيه”، و”الفقيه المدرّس″ على حدّ تعبير المؤرّخ الموسوعي حميد المطبعي، الذي يقول عن مجلسه الأدبي أنه أثمر عن مجادلات فكرية منفتحة . ومن أهم مؤلفاته بحثه الجامع الموسوم ” التحصيل في أوقات التعطيل”، ويقع في 6 أجزاء، ولم يطبع منها سوى الجزء الأول والثاني والثالث والرابع (مؤسسة دار النبراس، النجف، 2005) وكما علمت من السيد الحسني البغدادي (الحفيد) بأن الأجزاء المتبقية لا زالت مخطوطات، الأمر الذي يقتضي بذل الجهود وتقديم الدعم لكي يرى الجزءان الأخيران النور، ويطّلع عليها الباحثون بشكل خاص والقرّاء بشكل عام، خصوصاً وهي سفر واسع في التاريخ والأدب والرجال والعقائد والفقه والأصول.  وكذلك كتبه “خير الزاد ليوم المعاد” و”مناسك الحج” و”حاشية على العروة الوثقى” (1956) و” أرجوزة الصوم والاعتكاف والخُمس″ وكتب أخرى لعلّ من أهمّها كتاب “وجوب النهضة لحفظ البيضة”(1967) وقد حققه “الحفيد” أحمد الحسني البغدادي وأطلق على تسميته “وجوب النهضة- رؤية تأسيسية استباقية حول الجهاد الدفاعي” الذي سنأتي على ذكره  . وعُرف عن الحسني البغدادي، صلابة الموقف وشجاعة الرأي والوضوح في التعبير، إضافة إلى الوطنية العراقية والتوجّه العروبي الوجداني. وقد توفّي الإمام الحسني البغدادي في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1973?بعد مسيرة طويلة حفلت بمواقف سياسية جريئة ووجهات نظر دينية إشكالية، لعلّها شكّلت أحد أبرز ملامح شخصيته.


الحقيقة نادراً ما تكون خالصة وليست بسيطة قطعاً
أوسكار وايلد


مؤشرات الذاكرة
قال لي السيد أحمد الحسني البغدادي “حفيد” البغدادي الكبير “أنتم أخوالنا”، فعدتُ بذاكرتي إلى النجف وإلى نحو أربعة عقود مضت وكنّا حينها في أواخر التسعينات، وحاولت أن أستعيد صورة السيد أحمد “الحفيد”، خصوصاً حين اعتمر العمامة في مطلع الستينات، وكان يومها فتى نحيفاً حتى أن عدّة ملابس رجل الدين والعباءة الخفيفة التي ارتداها كانت تبدو فضفاضة عليه، وفي وجهه النحيل المتّسم بالسماحة والطيبة، أخذت تنبتُ شُعيرات سوداء، حيث يكتمل المشهد مع العمامة السوداء والسالفين السوداوين والحاجبين اللذين يعلوان عينيّه المشعّتين الموحيتين بالكثير من الانتباه واليقظة. وكان السيد “الحفيد” حين يحاول أن يداري خجله أحياناً ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة، ليزيل الحاجز، فيبدأ بالحديث أو بالسلام وأحياناً بالأسئلة. تذكّرت ذلك الفتى “الملاّئي” كما كنّا نقول، وهو يستقبل زوّار مجلس جدّه العامر ذي المنزلة الرفيعة والمهابة الكبيرة والجرأة المعهودة. وكانت ” الملّائية” وصفاً نعتمده في تصنيف بعض أبناء العوائل الدينية في الحوزة الدراسية، وذلك للتفريق بينهم وبين العوائل الدينية الأخرى ممّن انخرطوا في الحضرة العلوية بموجب فرامين سلطانية منذ عهد الدولة العثمانية. وإذا كان “الملّائيون” يعتمرون العمائم السوداء (السادة الذين ينتسبون إلى الرسول) أو البيضاء (لباس رجال الدين في الحوزة من غير السادة)، فإن خدم حضرة الإمام علي، كانوا يضعون ” الكشيدة” على رؤوسهم  وهي طربوش أحمر اللون يتميّز بها “السيد” الذي ينتسب إلى الرسول عن ” العامي” خادم الحضرة من غير السادة، حيث يلفّ الأول الشريط الأخضر وسطها وحتى أسفلها، في حين يلفّ غير السيّد الشريط “البيج” المائل إلى الأصفر والسكّري، وهؤلاء توارثوا ” المهنة” عن الآباء أيضاً، ومن بينهم عدد كبير من أفراد عائلتنا، على الرغم من أن جدّي لأبي “جابر شعبان” وقبله والده الشيخ جواد شعبان وجدّي لأمي “حمّود شعبان” ووالده عبد الحسين شعبان امتهنوا التجارة وسلكوا طريق العمل المهني ودفعوا بأبنائهم إلى الجامعات، فتخرجوا أطباء ومحامين ومن كلّيات مختلفة، مع أنّه كان يحقّ لهما بحكم الفرامين السلطانية الخدمة في حضرة الإمام علي، لكنهم فضّلوا العمل الحر والتجاري تيمنّاً بآبائهم، مثلما كان لهم مكانة دينية فلهم مكانة اجتماعية، إضافة إلى مكانتهم التجارية والمالية. استعدتُ تلك الصور مثل شريط سينمائي يمرّ من أمامي وأنا في حديث شيّق وممتع عن الذكريات حين زارني السيد الحسني البغدادي ” الحفيد” يوم كنت أمكثُ في فندق “الفردوس تاور” بدمشق، وأخذت أسترجع تفاصيل تلك الأيام مع نفسي، حيث كانت الأضداد تتجاور أحياناً في هارموني متناسق، لكن الزمن والظروف التي مرّ بها العراق غيرّتها، وأخذ التباعد يزداد شقّة واتّساعاً. وقد رويت في مقالة كتبتها عن المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر (أواخر التسعينات)” حلّق في سماوات بعيدة وسبح في بحور عميقة” نشرت في صحيفة المنبر التي كان يصدرها السيد حسين هادي الصدر في لندن، وفي مناسبات أخرى لبعض قضايا التعايش والصراع والحوار، لاسيّما بين الشيوعيين والإسلاميين، وفي الوقت الذي كانت العائلة الواحدة والزقاق الواحد والمحلّة الواحدة تضم دينيين وغير دينيين ، متديّنين وغير متديّنين، شيوعيين وبعثيين وقوميين وإسلاميين، حيث لم تجد ضيراً أو بأساً في تلك  الاختلافات والتعارضات التي كانت تمثّل شكلاً مميّزاً من الفسيفساء الجميلة أو الموزائيك بتعدّد الصور والمشاهد، فإذا بتلك اللوحة تتشقق وتنثلم وتتشوّه بعض ألوانها، في حين أنها كانت تعبّر عن طبيعة منسجمة للمجتمع العراقي المتعايش المتفاعل والمختلف في آن، حيث يجتمع الكلُّ في إطار “حق” لم يمنحه أحد لأي أحد، لكن الجميع ظلّ يتشبّث به ويحاول الدفاع عنه وأعني بذلك ” حق الاعتقاد” .


إذا وجدت نفسك مع الأغلبية، فآن الأوان للتغيير
مارك توين


انقطاع خط التطوّر التدرّجي
للأسف خلخلت ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 هذه الصورة وهزّت أركانها، بل إنها قطعت خطّ التطور التلقائي والاعتيادي دافعة البلاد كلّها نحو العنف باتجاهات ضيقة سارت عليها اختياراً أو اضطراراً، ولكن بالتدرّج أصبح المشهد آحادياً، خصوصاً بعد هيمنة العسكر على مقاليد السلطة، ناهيك عن عدم الوعي أو ضعفه، إزاء محاولات الانفراد بالحكم، سواء من فرد أو حزب أو مجموعة سياسية، الأمر الذي ضاعف من تضبّب الرؤية التي أصابت الجميع على حين غرّة، خصوصاً بالصراع التناحري الإلغائي لاسيّما  حين يغيب العقل ويتم التعامل بردود أفعال قصيرة النظر، دون إدراك لخطورة إقصاء الآخر ومحاولات إزاحته أو تهميش دوره، لاسيّما إذا استخدمت العنف وسيلة لتحقيق الأهداف، ذلك أن ممارسة العنف ضد الآخر لإجباره على الانصياع لما هو سائد ومطلوب، إنما هو ممارسة ضد الذات في الوقت نفسه، فالعنف الذي يوجّه ضد الآخر المختلف والمغاير، إنما هو موجّه لمن يمارسه أيضاً، إذْ سيكون نزعاً لإنسانيته وتخديراً لضميره، سواء من سلطة أو حزب أو مجموعة طائفية أو جماعة إثنية. وساهمت هذه الأسباب ومعها أسباب أخرى في جعل التناقض تناحرياً والاختلاف عدوانياً، وهكذا حلّت دورة من العنف والعنف المضاد، واستمرّت في إنتاج أشكال جديدة ومختلفة وغير مألوفة، كانت أقرب إلى عمليات استئصال أو إبادة، انخرط الجميع في مسرحها ومارسوا لعبتها وبقدر تعرّض كل منهم لأذاها، فقد كانوا في الوقت نفسه ضحاياها.  ومقارنة بالعنف الذي ساد في العهد الملكي وهو مدانٌ ومرفوضٌ، فإن العنف الذي ساد في العهود الجمهورية فاقه بما لا يمكن المقارنة بمئات ، بل بآلاف المرّات، وهو ما شهده العراق في تصفيات واحترابات داخلية ووصل ذروته في ظل حروب لا مبرّر لها وحصار دولي جائر واحتلال بغيض، وذيوله الطائفية- الإثنية المحاصصاتية. كان التباعد قد حصل بين القوى السياسية بعد الثورة بسبب محاولة اليسار والحزب الشيوعي الهيمنة على الشارع وعزل الآخرين واحتكار حق العمل السياسي والمهني، خصوصاً حين اصطفّ الشارع باتجاهين متصارعين الأول مثّله الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردي “الكردستاني” (حليفه) وهو اتجاه قريب من عبد الكريم قاسم قائد الثورة الأول، والثاني مثّله التيّار القومي الذي ضمّ البعثيين والقوميين العرب بأجنحتهم المختلفة، وهؤلاء قريبون من قائد الثورة الثاني عبد السلام محمد عارف وهو من المؤيدين لجمال عبد الناصر والداعين للوحدة الفورية معه، وانضم إلى هذا التيّار من تضرّرت مصالحه من الذين خلعتهم الثورة وأجهزت على امتيازاتهم، في حين كان التيّار الشيوعي واليساري أميل إلى فكرة الاتحاد الفيدرالي، وهو ما رفع شعارها مؤكداً على صداقة الاتحاد السوفييتي. وإذا كان كلا الاتجاهين والشعارات التي رفعاها عاطفيين وطفوليين ودخلا في صراع عبثي لا يزال البعض مستغرقاً فيه إلى الآن ولا يستطيع أن يخرج منه، فإن التيّار الوسطي الاعتدالي في الحركة الوطنية العراقية ضاع بين الإثنين، وأعني به الحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي وشخصيات أخرى كانت تريد للبلاد السير في طريق التحوّل الديمقراطي الدستوري بعد الثورة، لاسيّما بإجراء انتخابات تشريعية وإعداد دستور دائم وإنهاء فترة الانتقال ووضع البلاد على عتبة التطور الدستوري وحكم القانون. وكان ردّ فعل الآخرين وخشيتهم من التحوّل الذي أحدثته الثورة، هو اللجوء إلى وسائل مختلفة للتصدّي للتيّار الأول، وخصوصاً لبعض ما تحقّق من منجزات ومكاسب أقدمت عليها الثورة بشجاعة في العام الأول من عمرها، الأمر الذي جعل التباعد يزداد بين الفريقين، وهكذا شعر “التيّار القومي” باستهدافه، عبر محطات عديدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر: مثل الدستور العراقي المؤقت الذي أقرّ بشراكة العرب والأكراد في الوطن العراقي، وإصدار قانون رقم 188 لعام 1959 بخصوص “الأحوال الشخصية”، وقبل ذلك قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في 30 أيلول (سبتمبر) العام 1958? وما كان مطروحاً من أهداف اجتماعية تجسّدت لاحقاً بقانون رقم 80 لعام 1961 بشأن استعادة 99.5% من أيادي شركات النفط الاحتكارية من الاستثمار في الأراضي العراقية وغيرها.  واستهدف التحرّك المضاد معاكسة التيّار الشيوعي واليساري وإبعاده عن دائرة الحكم، باستغلال أخطائه وانتهاكاته، ولاسيّما ما حصل في أحداث الموصل (آذار/ مارس/ 1959) وبعد حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف، من تجاوزات وارتكابات خارج القانون وقتل دون محاكمة كما حصل في محكمة الدملماجة حيث قتل خارج القضاء 17 شخصاً بمحاكمة صورية سمّيت ” محكمة شعبية”، وكذلك ما حصل في أحداث كركوك بمناسبة الذكرى الأولى لثورة 14 تموز (يوليو) 1959? حين تعرّض التركمان إلى أعمال عنف وارتكاب راح ضحيّتها عشرات منهم، خصوصاً وإن الصراع القومي “الكردي – التركماني” لم يكن بعيداً عنه، الأمر الذي أضعف من مكانة الحزب الشيوعي، وجعله هدفاً للنقد وهو ما دفع الزعيم عبد الكريم قاسم إلى شن هجوم شديد عليه في خطابه الشهير في بغداد في كنيسة مار يوسف.

وإذا كان البعثيون والقوميون قد اتجهوا للعمل العسكري والتحضير لانقلابات للإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم للانتقام من الشيوعيين، فإن الإسلاميين ولاسيّما رجال الدين لجأوا إلى إصدار الفتاوى بتحريم الشيوعية والانتساب إلى الحزب الشيوعي والضغط على الحكومة لإلغاء قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وحلّ المقاومة الشعبية وغيرها. وبعد مرور ستة عقود من الزمان كيف نقرأ ما حدث؟ ثم كيف نستفيد من الأخطاء؟ وبعد ذلك هل نجرؤ على تقديم نقد ذاتي لما حصل؟ فلم يعد التشبّث بالماضي والزعم بامتلاك الحقيقة وتخطئة الآخر وادّعاء الأفضليات كفيل بالوصول إلى شاطئ السلام. كما لم يعد تعليق كل شيء على شمّاعة الآخر مجدياً أو نافعاً كل ذلك مرّ على العراق ويبدو إن من تعلّم الدرس واستفاد من التجربة لا يزال قليلاً، ولعلّ ذلك يذكّرني بطريفة كان يردّدها زكي خيري القائد الشيوعي المخضرم الذي تم عزله لموقفه المختلف من الحرب العراقية- الإيرانية ودعوته للدفاع عن الوطن، وهي تقول إن “التجربة أنكس برهان” (بمعنى أسوأ) لأننا لا نستفيد من تجاربنا.  والأمر لا يخصّ الشيوعيين وحدهم، بل إن الآخرين بعثيين وقوميين، عرباً وكرداً، وإسلاميين بمختلف ألوانهم ركبوا في ذات السفينة وأكلوا من نفس صحن الآيديولوجيا الشمولية، بل استمرأوه لدرجة التلذّذ، وهكذا عاش الجميع في جزر منعزلة وكل منهم له فردوسه الخاص، في حين يرى أن مصير الآخرين في جهنم ، سواء السماوية أو الأرضية.

وبعد حين وجد الشيوعيون أنفسهم مع الإسلاميين منذ أواخر السبعينات وجها لوجه ليس في مواجهة بينهما، بل في السجون والمعتقلات دون أن ينطلق الحوار بينهما، مثلما وجد الشيوعيون والبعثيون أنفسهم، وجهاً لوجه في السجون بعد انقلاب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963? وهكذا دارت الدائرة على الجميع، وخصوصاً في فترة حكم البعث الثانية بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 وهيمنة صدام حسين على الحكم العام 1979? ولم يسلم منها حتى البعثيون أنفسهم حيث ابتدأت هذه المرحلة بمجزرة قاعة الخلد التي راح ضحيتها قادة ومسؤولون بعثيون، ولاذ الآخرون بالصمت والدعاء” للقائد الضرورة”. وهو ما سبق أن وثّقته في كتابي الموسوم ” عامر عبدالله – النار ومرارة الأمل”- فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية، دار ميزوبوتيميا، بغداد، 2013.

وعلى ذكر الحوار الشيوعي – الإسلامي، فقد أصدر حزب الدعوة العام 1981 وثيقة عنونها باسم “بيان التفاهم” كان لي شرف التعليق عليه بالإيجاب في جريدة “طريق الشعب” حينها، واعتبرت ما جاء فيه يصلح أن يكون مادة للحوار للوصول إلى المشتركات السياسية مع الأطراف الأخرى، ولكنني فوجئت مثل غيري أنه تم سحب هذا البيان، بل ازداد الحزب تشّدداً بالترافق مع تطوّرات الحرب العراقية -الإيرانية، وانحسار التمدّد العراقي، وانعطافات الموقف العسكري لصالح إيران، حيث اضطرّت القوات العراقية للانسحاب من إيران بعد معركة المحمّرة “خرمشهر” 1982. ولم يرغب الحزب الدعوة باللقاء مع الشيوعيين إلّا بعد انتهاء الحرب وبُعيد غزو القوات العراقية للكويت فانعقدت “جبهة العمل المشترك”(كانون الأول/ديسمبر/1990) في الشام. أمّا المجلس الإسلامي الأعلى فقد رفض في العام 1996 حضور الحزب الشيوعي في اجتماعات دمشق للمعارضة العراقية، وهو ما كتبت نقداً بشأنه في مقالتين نشرتها في جريدة الحياة اللندنية في حينها.


معرفة الجهل قوة وجهل المعرفة سقم
حكمة صينية تاوية


في الدراسة الحوزوية
تربّى السيد الحسني البغدادي “الحفيد” في كنف جدّه وتعلّم الكثير منه وتذوّق الوطنية من كأسه، وكان قد انصرف  وهو في عقده الثاني إلى الدراسة الحوزوية وتلقّى دروسه الفقهية الأولى التي تسمّى بـ “المقدّمات”، حيث يدرس فيها الطالب النحو والصرف  والبلاغة والمنطق ومقدمات لدراسة الفقه والتخصّص فيه والبديع والبيان وعلم الكلام، إضافة إلى الفقه والتاريخ. أما المرحلة الثانية فتسمّى بـ “السطوح”، حيث يدرس الطالب المتون الفقهية الاستدلالية، ومتون أصول الفقه التي تتضمّن الآراء العلمية في أية مسألة ومناقشتها ومحاكمتها والاستدلال بالرأي الذي يختاره ويتوصل إليه. وفي المرحلة الثالثة على الطالب أن يقدّم ما اصطلح عليه “بحث الخارج”، ويحضر الطالب في هذه المرحلة دروس أعلام المجتهدين في الفقه وأصوله وهي آخر المراحل الدراسية.

وحين يتخصّص الطالب بدراسة الفقه وأصوله يطلق عليه “المجتهد”، والاجتهاد يعني القدرة على استنباط أحكام الشريعة الإسلامية من أدلتها، وتلك منظومة لا بدّ من استيعابها وهي تتعلّق باللغة العربية ونحوها وصرفها وبلاغتها، إضافة إلى علم المنطق وعلم الكلام والعرفان وعلم الرجال والتفسير والحديث وشيء من الفلسفة. وهذه الأخيرة ظلّت غائبة عن المدارس الحوزوية، مع استثناءات محدودة جداً أخذت طريقها في العقود الأخيرة الماضية، حيث ارتفعت دعوات للمطالبة بإعادة النظر بالمناهج الدراسية في الحوزات الدينية وتطويرها وإدخال أساليب وطرق جديدة في التدريس بما ينسجم مع التطورات في حقول التربية والتعليم على المستوى العالمي. وكان من أبرز من اهتمّ بالفلسفة آية الله عبد الكريم الزنجاني الذي سيأتي ذكره، فقد تعمّق فيها واستوعب أسسها وحاول أن يخصصها للمنهج الحوزوي الجديد بوصفها “أم العلوم” بطريقة بدت هادئة وسلسة، وإن كانت محدودة .

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha