لمحات عن حياة الامام المجاهد آية الله العظمى السيد البغدادي 1298هـ - 1392هـ نماذج مصورة من ملف جهاز المخابرات العراقية في مطاردة سماحة الأخ المرجع القائد احمد الحسني البغدادي صورة رسالة خطية في ايام النضال السِّري لرئيس مجلس الوزراء نوري كامل المالكي بخصوص تزكية الجاسوس علي الياسري تنشر لاول مرة صفحات من مذكرات احمد الحسني البغدادي في مواجهة الدِّين الآخر (تنشر لأول مرة) (6) قصة الاختراق طريق أم طرق التفسير المقاصدي تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد الشيخ ياسر عودة ينتقد مدعي الولاية الذين يكتنزون المليارات من الاموال باسم فقراء العراق الجهاد المقدس في مفهوم اية الله العظمى المرجع الديني السيد احمد الحسني البغدادي اصالة الفكر تتجلى في الأصلاء العلامة السيد الحسني البغدادي يكسب الرهان في التفسير الجديد لحركة التاريخ في النص القرآني إطلالة جديدة لسماحة المجاهد السيد أحمد الحسني البغدادي بكتابه الرائع: التفسير الجديد لحركة التاريخ في النص القرآني مرجعية السيد البغدادي ومناهضته للاحتلال

هل هم أقلام للإيجار؟ (مثقفون) شيوعيون بين خواء الثقافة وإنحراف التطبيق رشيد الخيون نموذجاً

هل هم أقلام للإيجار؟ (مثقفون) شيوعيون بين خواء الثقافة وإنحراف التطبيق رشيد الخيون نموذجاً

 هل هم أقلام للإيجار؟

(مثقفون) شيوعيون بين خواء الثقافة وإنحراف التطبيق

رشيد الخيون نموذجاً

 

المفكر: رعد الجبوري

 

في مقال سابق لنا إنتقدنا فيه أحد الكتاب الشيوعيين الذين تجرأوا على الخوض في مسائل إسلامية من دون علم أو دراية، وخلصنا إلى القول بأنهم لم يدركوا حتى الآن على ما يبدو انهم لن يتمكنوا من تناول هذه الأمور أو الإقتراب منها، دون تدقيق ودراسة واعية وعميقة متجردة من الهوى العقائدي والحزبي الضيق. والتي لا ينبغي أيضاً أن تسعى إلى إستخلاص نتائجها بإستخدام ذات الأدوات التحليلية (العتيقة) التي تدرب عليها هؤلاء الكتاب خلال حياتهم العقائدية والحزبية .

وللأسف فقد لاحظنا ان الكثير من هؤلاء (المثقفين) اليساريين العرب وتحديداً القدامى منهم، ممن فتحوا أعينهم على صعود الإمبراطورية الشيوعية، ثم شهدوا لاحقاً صدمة إنهيار المنظومة السوفيتية.

  لاحظنا كيف انهم أضاعوا البوصلة الفكرية، وبدأ نتاجهم الثقافي في السنوات الأخيرة يتسم بالسطحية ويفتقد للكثير من المصداقية، كما ان الكثير منهم اصيب بنكوص عقائدي وبنوع من الردة الفكرية، حتى انه إرتضى لنفسه بأن يصبح ذيلاً تافهاً للمشروع الإمبريالي الأمريكي في ابشع تحولاته (في زمن المحافظين الجدد) بينما كان قد تربى جل (عمره) على كرهه ومحاربته، وبعضهم زاد على ذلك بأن اصبح متحمساً ومدافعا عن عملاء أمريكا ويسبح بحمد (فضائلهم) كما كان بالأمس يفعل مع لينين أو ماركس و ما أسماء مثل حميد مجيد موسى، وفخري كريم، عبد الأمير الركابي، عزيز الحاج ... وسواهم إلا نماذج عراقية فاقعة لهذا الوضع الشاذ. وأصبح هؤلاء الكتاب (بقصدية على الأغلب) يبتعد عن الموضوعية والرصانة في تناول المواضيع المستجدة بشكل عام أو تلك التي تتناول موضوعات إسلامية بشكل خاص.

هذه المقدمة وجدتها ضرورية كمدخل لمقالي الذي استعرض خلاله قراءتي الذاتية للكتاب الجديد للدكتور رشيد الخيون ((لاهوت السياسة .. الاحزاب والحركات الدينية في العراق)) طبعة 2009م, اربيل العراق، الناشر: دراسات عراقية. وسأتناول في هذا المقال تحديداً بعض ما جاء في الفصل العاشر والذي يحمل عنوان (جماعة البغدادي). وهذا الكتاب جاء حافلاً بالأخطاء منها ما هو تاريخي ومنها ما ينم عن جهل فاضح بأبسط المعلومات والقواعد التي ينبغي أن يلتزم بها أي كاتب مبتديء فكيف بكاتب مثل رشيد الخيون وهو صاحب الكثير من المقالات والمؤلفات المطبوعة والمنشورة حيث كان من المفروض به أن يكون في نقله مدققاً ومحققاً. وسنستعرض بعض ما توضح أمامنا في قراءتنا الأولية لهذا الكتاب.

في الصفحة 265 يقول الكاتب رشيد الخيون:

"يبرز اسم آل البغدادي في ثورة العشرين (حزيران / يونيو 1920)، ولهم مدرسة معروفة في النجف وهي مدرسة عبد العزيز البغدادي (ت نحو 1964) الدينية."

أو في قوله عن الإمام البغدادي (الكبير) على الصفحة 266 :

"ولعل اول مرجع ديني برز من أسرة البغدادي وهو آية الله محمد الحسني البغدادي (ت1973)"

فبعد أن قمنا بالتدقيق جيداً في الإقتباس الأول وجدنا أن تلك  المدرسة الدينية التي ذكرها، لم تكن مدرسة تابعة لـ (آل السيد الحسني البغدادي) لا من قريب ولا من بعيد، وإنما أسسها الحاج المرحوم عبد العزيز البغدادي العام 1385هـ, وإن هذه الشهرة لا أصل لها. (أنظر موسوعة : هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي , المقاومة مستمرة والاحتلال الى زوال وشعبنا لن يموت3/ 537,ط نيسان 2007 بيروت.) علاوة طبعاً على ان الحاج المرحوم عبد العزيز البغدادي لا يمت بصلة قرابة لعائلة البغدادي التي هي موضوع بحث الكاتب.حيث أن المرحوم عبد العزيز البغدادي لم يكن من الأشراف وهذا ليس إنتقاصاً من شخصه أو قدره، ولكن الأمانة التاريخية والعلمية تقتضينا التفريق بينه وبين أسرة آل الحسني البغدادي الغنية عن التعريف بوصفها تنتمي إلى عائلة لها وزنها الإجتماعي ونفوذها السياسي وكذلك تتميز أيضاً بتاريخها العلمي والادبي ناهيك عن حضورها في العراق والجزيرة العربية, فهم من صلب اشراف مكة المكرمة الذي ينحدر منها الشريف أبو نمي أمير الحجاز (ت721هـ) وجد الشريف الحسين بن علي زعيم ما عرف لاحقاً بالثورة العربية الكبرى في الحرب الكونية الاولى العام 1914م, ووالد الأسر المالكة في الحجاز وفي العراق وفي الأردن. وكذلك فإن الشريف أبو نمي هو جد الأسر العربية الهاشمية التي عاشت في وادي الرافدين  كعشيرة آل السيد احمد العطار الحسني البغدادي في النجف وبغداد, وآل السادة الحيدري في الكاظمية وآل السيد عيسى الحسني في بغداد, وآل سعبر, والعلاق, وآل حجاب في الهاشمية في بابل .

ومن الواضح هنا إن الكاتب يخلط بين الاسرتين أسرة عبد العزيز البغدادي, التي تنحدر عشائرياً من بني تميم، وبين أسرة آل الحسني البغدادي المعروفة بأنها أسرة أدبية علمية عريقة برزت قبل أكثر ثلاثة قرون ومنها السيد محمد العطار البغدادي (ت 1171هـ) زعيم بغداد والملقب بذي الرئاستين (الامامة والتجارة)، واستمرت وصولا الى المرجعيين الفقهيين المجاهديين السيد احمد وشقيقه السيد علي الحسني البغدادي ـ أطال الله عمريهما ـ. ولتجنب مثل هذا الخطأ المعرفي الفادح، كان حرياً بالسيد الخيون ان يطالع بعضاً من كتب علماء الانساب والسير والتراجم التي ذكرت ترجمة هذه الاسرة ومنها (على سبيل المثال لا الحصر) مخطوطات مكتبة آية الله السيد محمد البغدادي الحسني د.محمد هادي الاميني 22/139، ط: 1384، و (مشهد الامام أو مدينة النجف)،محمد علي جعفر التميمي 2/84 ط: النجف 1954، و (جهاد السيد البغدادي دراسة حوارية نقدية وثائقية خلال نصف قرن لمسيرة الامام المجاهد السيد البغدادي)، (انظر الموقع الالكتروني لسماحة الفقيه المرجع احمد الحسني البغدادي ، زاوية مؤلفات: http://www.alsaed-albaghdadi.com/moulfat.html ) وغيرها من عشرات الكتب والأبحاث الموسعة.

وفي حديثه عن الإمام البغدادي (الكبير) يقول الكاتب رشيد الخيون بلا تمحيص ولا تدقيق بأنه كان:

 "من الشخصيات التي تردد أسمها في ثورة العشرين, وقد أصدر فتوى ضد المد الشيوعي حسب تسمية القوى الدينية والقومية له وكان بأثر فتوى اية الله الحكيم جاء فيها : الشيوعية فئة صريحة الالحاد في كتبهم المنشورة وسائر كلماتهم الشائعة التي لا يمكن تأويلها ويكفي ذللك هجر اسم الجلالة وتعقب من نطق به بانواع من الاذى حتى انهم  بهذا المبدأ قد قضوا على عباد الله في اديانهم بل حجزوا عليهم جميع ما يعود اليهم والقضاء عليهم خدائع كثير قد اشرنا الى جملة منها."

اما حول الفتوى التي أصدرها سماحة المجاهد السيد البغدادي فإنه يقول لاحقاً ما نصه:

" وهي ليست فتوى تكفير وحسب وانما فتوى جهاد وبيان حماسي ملتهب وتشجيع المعارك بين الاحزاب السياسية, او بين فئات المجتمع العراقي."

ولا نظن إن هذه العبارة بريئة المقاصد على مبدأ (المدح في معرض الذم)، علاوة على إن فيها مغالطة فاضحة، فهو يشير إبتداءاً إلى فتوى الإمام البغدادي، ويصنفها كأنها جاءت بصورة (تبعية) لفتوى الحكيم، بينما الحقائق التاريخية المدونة تشير إلى عكس ذلك،  ولعل ما كتبه المفكر عادل رؤوف في هذا المجال يعد من ادق الروايات وقد استند فيها إلى شهادة شهود عيان لتلك الحقبة ومنهم حفيد الإمام البغدادي، آية الله العظمى السيد أحمد الحسني البغدادي.

ففي مبدأ الفتوى المشار إليها وتوقيتها يقول المفكر الاسلامي الناقد عادل رؤوف في كتابه: (محمد باقر الصدر بين دكتاتوريتين) ط6, 2006م. في صفحة 282 وما بعدها ، والذي كان قد كتبه في غرة محرم الحرام 1422هـ أي قبل ما كتبه الخيون بثماني سنوات، ما يفند هذ الأكذوبة المفضوحة حيث يقول رؤوف في النص المطول التالي :

"على الرغم من ان دراسة توقيت الفتوى تدخل ضمناً مع مبدأ إصدار الفتوى.. الا ان هذا المبدأ ومع مرور أكثر من اربعين عاماً على مروره لم يدرس هو الآخر دراسة محايدة غير (متعاطفة) ولا(منحازة) وغير (مترددة) عن المسألة, التي غابت عن واقع الدراسات سواء تلك التي تناولت العمل الاسلامي في العراق وتأريخه, أو سواء تلك التي غطت رموز العمل الاصلاحي التغييري أو اقطاب المرجعية التقليدية.. ففي ظل هذه الاساليب والآليات سيبرز اكثر من رأي ازاء فتوى آية الله السيد محسن الحكيم في تكفير الشيوعية وهذا ما بقي طي الكتمان طوال تلك الفترة، ففي حين أن مراجع اخرين أصدروا فتاوى مماثلة ومتزامنة مع فتوى الحكيم ضد الشيوعية كآية الله عبد الكريم الجزائري, وآية الله ابو القاسم الخوئي, وآية الله عبد الهادي الشيرازي فان بعض المراجع الآخرين أما أنهم اضطروا الى اصدار مثل هذه الفتاوى واما انهم امتنعوا عن اصدار مثل هذه الفتاوى. وكان آية الله محمد الحسني البغدادي من الذين رفضوا أصدار الفتوى بالتزامن مع فتاوى المراجع (الاربعة) المذكورين الذين اصدروا الفتاوى في هذا الجانب وعلى رأسهم بالطبع آية الله السيد محسن الحكيم، وكان رأي السيد البغدادي الرافض يقوم على افتراض مهم مفاده بأن: هذه الفتاوى سيكون ضحيتها الاولى والاخيرة شيعة العراق لان الشيوعيين العراقيين كانوا اغلبهم من الطائفة الشيعية ولذا فأنه أقترح - أي السيد آية الله محمد الحسني البغدادي - أنه: إذا كان لابد من إصدار فتوى ضد الشيوعية إذَنْ فليصار الى اقناع علماء اهل السنة باصدار مثل هذه الفتوى أيضاً.

يقول آية الله السيد أحمد الحسني البغدادي في هذا الاطار أنه: "عندما زار وفد من ثلاثة علماء لأقناع السيد البغدادي حول اصدار فتوى ضد الشيوعية بالتزامن مع تلك الفتوى وكان الوفد يتألف من الشيخ مرتضى ال ياسين والسيد أسماعيل الصدر ومحمد جمال الهاشمي وبحضور عبد الهادي العصامي وقالوا له ان خطر الالحاد أصبح واضحاً, وأن الشيوعيين يسحلون الناس بالحبال وانهم يدعون الى الاباحية, ولا بد من اصدار فتوى ضدهم أجابهم آية الله محمد الحسني البغدادي: ان الفتوى بالعنوان الاولي صحيحة الا انها بالعنوان الثانوي ستؤدي الى ذبح الشيعة, وهذا خطأ فادح يجب ان لا ننساق به ثم أين كنتم عن الشيوعية طوال هذه السنين؟!."

ويضيف آية الله السيد أحمد الحسني البغدادي في حوار خاص معه حول هذا الموضوع قائلاً:

"بعد ان أصر آية الله محمد الحسني البغدادي على رفض قبول طلب الوفد باصدار فتوى ضد الشيوعية بالتزامن مع الفتاوى الاربعة المشهورة قال له محمد جمال الهاشمي في محاولة استمالته واقناعه: سيدنا ستكون صورتك وفتواك مقدمة على صورة وفتوى السيد الحكيم !!.. وقبل ان يكمل كلامه نهره السيد البغدادي قائلاً له: ما هذا الكلام هل نحن اطفال؟!.."

وأقترح أية الله السيد محمد الحسني البغدادي (أي الإمام البغدادي) أيضاً أن تكون الفتوى عامة وبما أفاده «لايجوز الانتماء الى الأحزاب التي لاتؤمن بتطبيق الإسلام كمبدأ وعقيدة ونظام وشريعة» نقلا عن حوار مع آية الله السيد أحمد الحسني البغدادي. (أنظر هامش الكتاب على الصفحة 284 )

".. بالطبع ان آية الله محمد الحسني البغدادي الذي رفض اصدار فتوى بالتزامن مع المراجع الاربعة اضطر متأخراً الى ان يصدر فتوى ضد الشيوعية الا ان فتواه كانت أكثر حيطة وحذراً وتحاول ان تفرق بين المؤمنين الحقيقيين بالشيوعية وبين القواعد, التي انخرطت في الحزب الشيوعي لأسباب متعددة ومع ان المذابح التي ارتكبت بحق الشيوعيين فيما بعد وعندما أصدر البعثيون بيان رقم (13) ودعو فيه الى ابادة الشيوعيين.. مع ان الفتاوى الاربعة وظفت في هذه المذابح عندما اظهروها مصورة عبر التلفزيون كأجراء توظيفي لتنفيذها... ومهما يكن من أمر فان مراجع آخرين رفضوا اصدار فتوى ضد الشيوعية رفضاً تاماً كآية الله حسين الحمامي, وآية الله عبد الكريم الزنجاني, وآية الله الشيخ محمد فاضل القائيني.. الا ان ثمن هذا الرفض كان قاسياً عندما تم اتهام الاول بأنه شيوعي, واتهام الثاني بأنه عميل بريطاني, واتهام الثالث بأنه مجنون, وان جهاز مرجعية آية الله السيد محسن الحكيم هو الذي كان يقود الاشاعات ويوجه الاتهامات ويروجها ضدهم, وان هذا الجهاز تجاوز التهمة السياسية لهؤلاء وغيرهم الى تهمة اخرى لا يمكن ذكرها هنا... ان رفض الزنجاني والحمامي والبغدادي (لأول وهلة) والخالصي لتحويل المواجهة مع الشيوعيين الى مواجهة فتاوى كان يشير الى شك في مبدأ الفتوى من جهة, وشك في توقيتها من جهة ثانية, وشك حول اصرار مرجعية الحكيم عليها من جهة ثالثة.. الا فأن المواجهة كانت مواجهة خطابات فكرية سياسية كما أتضح سابقاً..."

ويضيف رؤوف بعد ذلك وتحت عنوان «نتائج الفتوى» ما نصه:  

"وما حصل بالنهاية هو ما يلي:

أولا: مساهمة مرجعية آية الله محسن الحكيم في اسقاط حكومة عبد الكريم قاسم سواء عبر الفتاوى أو عبر أي اجراء متشدد أخر أو عبر أسلوب المقاطعة الذي انتهجه آية الله الحكيم لقاسم والاصرار على عدم (استقباله) في النجف الاشرف - كما تم تأكيد ذلك - من قبل السيد محمد باقر الحكيم حيث قال: ان لهذا الاسلوب من المقاطعة دوراً في اسقاط حكومة عبد الكريم قاسم ومهما تكن أسباب هذا التشدد وهذا الدور الا أن هناك حقيقة يجب ان تقال للتاريخ وهي: أن علاقة آية الله السيد محسن الحكيم مع العهود الملكية كانت اقل توتراً وأقل تشدداً, وهذا الامر هو الاخر ساهم في تكريس الشكوك حول هذا التحول لا سيما في ظل استهداف قاسم من شاه ايران ومن بريطانيا والعربية السعودية ومصر بزعامة جمال عبد الناصر, ولا سيما في ظل علاقة مرجعية الحكيم الايجابية مع شاه ايران.

ثانياً: وفي ظل كل ما تقدم قد لا يكفي القول بأن سبب ابتعاد المرجعية عن عبد الكريم قاسم كان بسبب الشيوعيين, ويرى الدكتور بحر العلوم أن الحزب الشيوعي له دور في التباعد بين المرجعية والسلطة حيث يقول: ((وساهم الحزب الشيوعي بتعميق الهوة بين المرجعية وقاسم وحاول الامام الحكيم الطلب من قاسم أن يعود الى واقعه الاسلامي وترك الاحكام والقوانين المنافية للاسلام ولكن قاسم اتخذ موقفاً جافاً تجاه المرجع مما ادى الى القطيعة لذا التفت القوى الاسلامية والقومية حول الامام ضد التيار الشيوعي من جهة, وضد قاسم من جهة أخرى)) هذا السبب قد لا يكون كافياً لوحده لان التيار الشيوعي كان الشارع العراقي قبل مجيء قاسم واذا كان قاسم قد قرب الشيوعيين وتحول ذلك الى سبب في عداء المرجعية له فكان ينبغي أن يتوقف هذا العداء بعد أن تخلى قاسم عن الشيوعيين فالملفت أنه بعد هذا التخلي ازداد عداء مرجعية الحكيم ضد قاسم.. وهذا الامر هو الآخر كان منبعاً للشك عن السر الذي يكمن وراء اصرار المرجعية (الحكيم) بعداء قاسم في ظل جو جامع من العداء الخارجي له.

ثالثاً: والادهى من كل ذلك أن التقارب القومي - الاسلامي في تلك المرحلة ضد الشيوعيين كان بتخطيط قومي - بعثي تجلى عبر الدور الذي مارسه التيار القومي - البعثي في توظيف الفتاوى وحث المراجع على اصدارها... ولم يتجل بالمقابل بتخطيط اسلامي متكافيء ومتوازن وما فائدة أن يقال بعد كل ذلك أو أن يصار الى الاعتراف بأن ((المرجعية انتصرت على قاسم ولكن القوميين استفادوا من ذلك وصعدوا على أكتافنا ونحن (أي الاسلاميين) لم نلتفت الى الامر الا بعد بضعة أشهر بعد فوات الاوان)) هذه الشكوك جميعاً هي التي أدت الى القول في نهاية المطاف وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على رحيل آية الله الحكيم, ومن ثم اعادة قراءة تلك الفترة أدت الى القول في بعض الاوساط بأن آية الله السيد محسن الحكيم ((أسقط عبد الكريم قاسم وجاء بالبعثيين للسلطة!!."

والإقتباس الطويل ولكن يحق لنا أن نتوقف لنسأل الكاتب رشيد الخيون، لماذا لم يعترض بنفس الحماسة و(الموضوعية) على السيد محسن الطباطبائي الحكيم الذي أسقط عبد الكريم قاسم, والذي أباد شيوعي العراق عن بكرة أبيهم من خلال بيان 13 السيء الصيت في انقلاب 8 شباط 1963م؟ 

ونقول نحن ان في ما طرحه المفكر الاسلامي الناقد عادل رؤوف في هذا الصدد يكفي للرد عليه. فإذا كان السيد الخيون لم يقرأ ويمحص ويدقق فيما كتب عادل رؤوف فليدقق على الأقل في ما يمكن أن يجيبه به.

وبالعودة من جديد إلى ما أورده الكاتب الخيون نجد في الصفحة 267 ما نصه:

" هنا نتوقف عند عبارة (هجر اسم الجلاله) الذي اعتبره كفرا ومفردة الهجر تعني البيانات والكتب والرسائل أو العبادة بمعناها العام الذي يستوجب الكفر من المبالغة حقا وبما لا يليق بمرجع ديني ان يأتي بفتواه ما هو غير صحيح او دقيق فتعقيب من نطق بأسم الجلالة لم يحصل وبهذا المعنى حتى تكفر فئة سياسية بكاملها, بل ان هناك رجال دين تعاملوا مع الحزب الشوعي العراقي من السنة والشيعة من الاعظمي وآل كاشف الغطاء وآل الماشطة وغيرهم من الاسر الدينية وكانوا يستهلون رسائلهم وخطاباتهم بالبسملة عادة ولايقال عن تلك الفتوى او فتوى القتل الذي اصدرها رجال الدين ضد الحزب الشوعي في تموز / يوليو 1963 اكثر من انها فتوى سياسية حسب وصف الشيخ طه جابر العلواني مبنية على الخلاف الحزبي والمرحلي بين التيار القومي والتيار اليساري والمرجعية كما هو معروف تمثل الثوابت الدينية وتتعالى لمهماتها المقدسة على مثل تلك الصغائر ومثال هولاء مثال (والذين لا يشهدون الزور واذا مروا بالغو مروا كراما) وما حدث بين الاحزاب آنذاك كان بالنسبة لما يمثلونة من الثوابت هو الغلو بعينه"

أما في الصفحة 277 فيقول الخيون ما نصه:

"ان المراجع الدينية ليست على احتكاك مباشر بالناس بل من تقاليدها العزلة والاتصال عبر الحجاب وهم عادة من الابناء والوكلاء وتسمع من المقربيين وهولاء بطبيعة الحال لهم ميولهم واغراضهم السياسية او الاجتماعية ونوازعهم الشخصية وامزجتهم ضد هذا ومع ذاك."

وفي ذلك نقول بأنه يبدو ان السيد الخيون كتب هذه الجزئية وعممها إستناداً إلى ما رآه من واقع عزلة السيستاني والهالة المصطنعة التي يحيط بها نفسه هو وأمثاله من (مراجع) الحوزة-الرباعية المتعايشة (ولا نريد ان نقول المتعاونة) مع الإحتلال الأمريكي، تلك (الرموز) التي لا تصلي بين الناس أو تأمهم في الصلاة، وبعضهم لم يزر الصحن الحيدري منذ سنوات، ناهيك عن الصلاة أو إمامة المسلمين في مفارقة غريبة جداً، تلك (الرموز) لا يراها ولا يكاد يسمع بها المواطن البسيط المسحوق بين فكي الرحى المتمثلة بالإحتلال البغيض وأذنابه الفاسدين والمفسدين من أقطاب (العملية السياسية) من المحتمين بنفس تلك (الرموز) المرجعية، ذلك المواطن الذي يئن منذ ما يقرب من سبعة سنوات تحت وطأة الدمار والفقر والمرض في عراق ما بعد (التحرير) المشؤوم. وأنه (أي رشيد الخيون) لم يسمع على ما يبدو أو أنه لا يريد أن يسمع ببقية المراجع الذين اندكوا في عمق معاناة الناس يعانون مثلهم مثل الغالبية العظمى شظف العيش وقلة (التمويل)، وإتفاق الجميع (الإحتلال، السياسين، نخب ثقافية) على حصارهم والتعتيم على سيرتهم وإنجازاتهم أو نشاطاتهم. 

بل على العكس من ذلك نجد أن الخيون يتعرض بالغمز واللمز لأهم رموز المرجعية العروبية. ففي معرض تناوله لسيرة آية الله العظمى السيد احمد الحسني البغدادي (أطال الله عمره)، عبر الكاتب رشيد الخيون عن لا موضوعية حادة لا يمكن ان نعزوها إلى جهله، وهو الذي خاض في أكثر من كتاب ومقالة ولقاء تلفزيوني في موضوع الأديان والمذاهب. ففي هذا السياق يقول رشيد الخيون عن السيد احمد الحسني البغدادي في الصفحة 272 ما نصه:

"وتراه يرجع خلافه مع مرجعية ابي القاسم الخوئي إلى سنوات مبكرة، أي إلى بداية الثمانينيات من القرن الماضي. قال كنا نواجه عتابا هادئا عندما قتل الشهيد المرجع محمد باقر الصدر ان المرجع في ذلك الوقت التعيس لم يدافع عنه لسبب الاخذ بالتقية اللاشرعية ، ولذا اقول ان الاخذ بالتقية ، لا التي تفضي الى نسف معالم اصول الدين من اكبر المحرمات الشرعية هذه مسألة بديهية لا تحتاج الى تفسير أو دليل فلا يخدعكم رجل دين دجال اوحزبي ضيق.

ويحدد البغدادي التقية بفروع الدين لا بأصوله : (( أن نصلي بصلاة أهل السنة والجماعة , وأن نحج بحجهم , ونجاهد بجهادهم ضد الهجمات الخارجية , هذا إذا كانت هناك ضغوط طاغوتية ضدنا ... أما الأخذ في التقية في أصول الدين فلا يسوغ ذلك اطلاقاً عند كافة المذاهب الإسلامية المختلفة إذا كان الدين في خطر)). وحسب هذا المنطق فلا بد أن يعذر البغدادي مَنْ حارب إيران إلى جانب الجيش العراق كونه عدواناً خارجياً! ، وإذا صح ما أدلى به السيد البغدادي , وما كان يعلنه ويمارسه ضد السلطة وضد المرجعية في آن واحد , ومنذ ذلك التأريخ , فإنه استمر موجوداً داخل العراق بعد قتل محمد باقر الصدر لسنوات طويلة فهل ترك العمل بالتقية , وأعلن صراحة موقفه من السلطة؟!"

ونقول لقد نسى أو تناسى الكاتب الكثير مما كتب في هذا المجال سواءاً ما كتبه السيد احمد الحسني البغدادي بنفسه أو ما نقله الآخرون عنه، وفي مقدمتهم المفكر والكاتب الإسلامي عادل رؤوف كما أسلفنا في أكثر من موضع. فسماحة السيد اية الله احمد الحسني البغدادي معروف جداً بمواقفه الشهيرة بعدم الاخذ بالتقية اللاشرعية وسماحته قد جسدها عملياً من خلال مواقفه ضد حزب السلطة الحاكمة حين ذاك.

ويمكن لأي قاريء موضوعي التأكد منها من خلال ما قام بمذكراته سماحة المرجع أحمد الحسني البغدادي في كتابه:(( السلطة والمؤسسة الدينية الشيعية في العراق ـ حوار صريح مع أية احمد الحسني البغدادي)) الذي أجرى الحوار حامد القريشي من قبل المركز العراقي لإعلام والدراسات, الطبعة الأولى 2002م, تحت العناوين البارزة المثيرة للجدل مثل «اسرار وفاة الإمام البغدادي»، «انتفاضة بلا قيادة»، «من انتفاضة الإمام الخميني الى ثورته»، «صراع مع المؤتمر الاسلامي الشعبي»، «بعد الفتنة أو جسر للعبور»، «الشهيد الصدر بين المرحلية والتأسيس»، «هدية بعد الانتفاضة الخاسرة»، «الانفتاح الخادع على الرموز»، «استفتاء بعد الاحتضار»، «اختفاء قبل النصر الموعود». هذه العناوين، ونحن نفترض بأن السيد (الخيون) كان قد قرأها حتماً بدلالة إستشهاده بهذا الكتاب حصراً، وكذلك فإن نصوص الفقرات التي تحمل تلك العناوين كانت كلها توثق بأن السيد البغدادي كان ضد النظام السابق، بل هو من القلة النادرة التي كانت تمتلك مشروع فعلي على الأرض من خلال نشاط حركي ميداني، وسؤالنا للسيد (الخيون) هو لماذا هذا التضليل ولمصلحة من؟، ولماذا لم تكتب عن الذين يرتدوا (العمامة) أو يختبئون خلفها ولا يجدون حرجاً في دعم العملية السياسية البائسة في عراق ما بعد الإحتلال؟، وأصبحوا سماسرة لتبرير الخطايا والترويج الإنتخابي الفج لكل من جاؤوا مع الإحتلال. والسؤال الأبرز هنا هو إذا كانت معلومات السيد الخيون خاطئة أو المظللة في ما يخص الأحياء من الشخصيات ورجال الدين، فكيف سيتسنى لنا تصديقه أو الثقة في ما يكتب حين يتعرض في مواضع أخرى لسيرة الأموات منهم؟!!!.   

وبالعودة مجدداً للإقتباس مما كتبه المفكر عادل رؤوف في كتابه الموسوم «أنبياء وأصنام ... حوزة الأرض والوطن حوزة الوافدين الى الوطن»-الطبعة الثانية  1430هـ ـ 2009م  في استثنائه للسيد البغدادي من تهمة موالاة السلطة والنظام السياسي قبل الإحتلال، ومن خلال انتقاده الشديد للمرجعية النجفية حيث يقول رؤوف في صفحة 305 ما يلي:

"لم يكن لنثقل القارئ بهذه  النصوص الصحفية لولا الأهمية القصوى لإعادة قراءتها، والوقوف عند دلالاتها، في إطار المبحث، الذي نحن بصدده، فقد أكدنا سابقا أن هذه «الحوزة» النجفية، التي وظفها صدام حسين بهذا الشكل، الذي يصب في اتجاه سياساته الخارجية والإقليمية والمحلية، برموزها وأسمائها التي أوردتها تلك الصحف، إنما استجابت لذلك مكرهة... إلا أن الثابت في الأمر الذي لا يستطيع أن ينكره أحد، هو مبدأ الاستجابة، الذي عبرنا عنه في ما مضى، بأنه يعبر عن «حوزة مهزومة ذاتياً»... وما يمكن أن يثار بهذا الصدد هو هل أن الواقع ما كان يسمح لكل هؤلاء ـ باستثناء محمد الصدر الذي كان يخبئ مشروعه واحمد الحسني البغدادي الذي كان لديه تنظيم سري يعمل ضد النظام ـ بأن يضعوا أنفسهم في موقع الذل تحت عنوان «التقية»، لو اخلصت النوايا فعلا؟ وهل مبدأ «التقية» يبرر إذلال الأمة من خلال عملهم به الذي قلنا عنه إنه إذلال لا بعده إذلال؟ إننا نعتقد انه إذا توقف الأمر على هذا الإذلال لهم وللأمة، وعلى خيارات أخرى كانت متاحة، فلا يمكن لعاقل أو متدين أن يرجح هذا الإذلال على خيار الهجرة خارج العراق، أو على خيار ترك «الحوزة» وجلوسهم في بيوتهم، إذا ما كانوا لا يملكون جرأة وشجاعة الصدرين الأول والثاني... وإذا كانت الذريعة ـ السيمفونية ـ المعتادة التي ستقال إزاء مثل هذا الكلام بأن أمر بقائهم يرتبط بـ «حفظ الكيان الحوزوي»... فأي كيان هذا الذي نحافظ عليه بالذل؟ وما فائدة «حوزة» ذليلة تنفذ إرادة السلطان وستكون مساهمة في قتل الناس الأبرياء؟ وما الذي ستخسره الأمة من هكذا «حوزة ذليلة» تؤدي إلى إذلالها بالكامل؟ وأي منجز معرفي لهذه «الحوزة» يبرر ذبح الأمة وإذلالها؟ إنه لأمر غريب أن تدعو هذه «الحوزة» للجهاد «مكرهة» من قبل صدام حسين ضد الأميركان... فيما هي تتخلف عن الجهاد، الذي خاضه الشهيدان الصدران الأول والثاني، وتوجا جهادهما بالاستشهاد... وإن لأمر غريب أن الشعب العراقي يكون ضحية «نخبه» الفكرية والثقافية والسياسية، التي لم توضح له الفرق بين هذين «الجهادين».. «الجهاد الإكراهي» تحت راية صدام حسين.. و«الجهاد الميداني» للصدرين.. وإنه لأمر غريب أن هذه «النخبة» تصالح بين هذين «الجهادين» لـ «حوزة» النجف، ولا تفصل بشكل واضح بين الصدرين ورموز العراق الجهادية الأخرى.. وبين «حوزة» النجف بزعامة «مرجعها» الأعلى."

اما عن قول الدكتور الخيون:

"وحسب هذا المنطق فلا بد أن يعذر البغدادي مَنْ حارب إيران إلى جانب الجيش العراق كونه عدواناً خارجياً!"

فمن الواضح إن مرده هو عدم فهم السيد الخيون للإسلام على حقيقته، بوصفه علماني التوجه، حيث إن ايران (وفق ما يجتهد به السيد البغدادي) ستبقى جزءاً من الوطن الاسلامي الكبير وليست من الدول الاجنبية الكافرة المستكبرة وهذا التوصيف لا ينطبق على ما قصده السيد البغدادي بعبارة (العدوان الخارجي) فالإقتتال بين طرفين من المسلمين قد يكون (بغياً) ولكنه لا يمكن توصيفه بعدوان خارجي لأنه يجري داخل جسد الأمة الواحدة ، مصداقاً لقوله تعالى:

{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الحجرات-9

أما قول الخيون في صفحة 273 من كتابه:

"وكبقية رجال الدين المسيسين يرى البغدادي وهو يخطب في مدينة الثورة حيث معقل الصدريين ان السياسة هي الدين والدين هي السياسة كل من يزعم ان الدين ليس لهو علاقة بالسياسة هو فاسق باجماع الائمة (ع) وعلماء الاسلام سنة وشيعة سواء بسواء وعلى طريقة ماكان يوصف به خطابات القادة ومنهم صدام حسين اخذ اتباع البغدادي وهم قلة يصفون خطابه بالتاريخي"

ولا نعلم كيف تسنى للدكتور رشيد الخيون معرفة (قلة) اتباع البغدادي وما هو مقياس شعبية رجل الدين بالنسبة إليه حتى يعلق بتهكم على قولهم (بالخطاب التاريخي)؟. فإذا كانوا أتباعه (قلة) كيف سيفسر لنا الدكتور الخيون سبب حضور ذلك الخطاب حشداً يزيد عن مئتين الف انسان؟، وكيف تسنى له (أي السيد البغدادي) جمعهم؟. وهو (أطال الله عمره) الزاهد الذي لا يملك الأموال الطائلة التي يمكن أن يغريهم بها كما يفعل الكثير من المثقفين والسياسين والمعممين ممن جاؤا مع الإحتلال. والبغدادي لا يملك أيضاً السلطة التي تمكنه من إجبار هؤلاء البسطاء للإستماع إليه أو التفاعل العفوي معه، على نحو ما شاهدناه في التسجيلات الفيديوية التي بحوزتنا والموثقة نسخة عنها في الموقع الإلكتروني الرسمي الخاص بالسيد البغدادي.

وأخيراً وعندما صدرت مذكرة الاعتقال غير الرسمية بحق البغدادي بتاريخ 27 كانون الاول 2005م، فكيف يفسر لنا الدكتور الخيون ردود الفعل الإستنكارية في الشارع العراقي بكافة أطيافه الدينية والمذهبية والقومية ناهيك عن نخبه السياسية والدينية والفكرية الوطنية وكذلك الأحزاب والمنظمات والتنظيمات والمنابر الإعلامية والفضائيات. وكذلك التظاهرات في الناصرية والكوت والحلة والكاظمية والانبار. وتكررت نفس ردود الأفعال تقريباً حين اقدمت قوات الإحتلال الاميركية وأذنابها على استهداف منزل آية الله العظمى المرجع السيد احمد الحسني البغدادي في النجف الاشرف المحتلة واعتقلت ولده البكر محمد مع ضيفيه فجر يوم الجمعة المصادف 24 شوال 1429هـ  الموافق 24 تشرين الاول 2008م. وتم ذلك عقب المحاضرة التي القاها الناطق الرسمي لسماحته وكانت تحت عنوان (مراجع واموال وبالارقام عن هدر المال (الشيعي) الاسلامي).

ويقول السيد الخيون في الصفحة 273:

"دعا البغدادي الى جبهة وطنية، الا انه يضعها تحت تسمية إسلامية مع انها تحوي في داخلها كفارا وملحدين وفساقاً على حد عبارته قال: ( يجب ان نتعاون مع أي جهة مع أي فئة ومع أي حزب حتى لو كان فاسقا بل حتى لو كان كافرا بل حتى لو كان ملحدا بمجرد ان يحاول هذا الحزب أو تلك الفئة التنسيق والتعاون معنا يجب علينا ان نقيم الجبهة الوطنية والإسلامية) تبدو دعوة انفتاح لا حدود لها اتت من رجل دين اجده مستلهما اخوان الصفا وخلان الوفا ومذهبهم الديني من اورمة مذهب البغدادي مع الاختلاف وهم القائلون في رسائلهم: (وبالجملة ينبغي لاخواننا ايدهم الله تعالى ان لا يعادوا علما من العلوم أو يهجروا كتابا من الكتب ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب لانا راينا مذهبنا يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعا).

لكن كيف يمكن تكوين جبهة مع من وصفهم بتلك الاوصاف التي تخرج اصحابها من الاسلام والدين عامة وهو يريدها جبهة ثم دولة اسلامية؟! الا ان لتلك القوى التي يدعوها البغدادي لمشاركة الجبهة الوطنية تجربتها مع آية الله الخميني وقد اتى به مثالا في خطابة عندما تعاون في بداية الثورة مع الحزب الشيوعي الايراني والقوى الليبرالية واليسارية ثم انقلب عليها مستبدا! هل هو هذا النموذج ام دعوة الى الشراكة في القرار بعيدا من الاصرار على تحقيق الاهداف تحت مبرر الغاية تبرر الوسيلة؟! والسيد البغدادي حسبما تقدم في سيرته انه قرأ كتاب ميكافيلي (الامير)!"

ونرد عليه بأن إفتراض السيد الخيون إن آية الله السيد احمد الحسني البغدادي يستلهم افكار (إخوان الصفا وخلان الوفا) ومذهبهم الديني، فنحن نرى إن هذا الفرض لا سند له و لا أساس علمي فيه يمكننا البناء عليه، وهو لا يعدو أن يكون جزء من إسلوب (القولبة) الفكرية والإفتراضات التي تحكمها على ما يبدو خلفية السيد الخيون العقائدية في حكمه وتفسيره لظواهر الأشياء. اما قوله بأن السيد البغدادي قد قرأ كتاب (الأمير) لميكافيلي وهو دليل على إن السيد البغدادي قد يكون مؤمناً بأن (الغاية تبرر الوسيلة)، فنحن نعتقد بأنه إستنتاج تافه لا يتفق مع سلوكيات ومنهج السيد البغدادي على أرض الواقع. كما أن جعل قراءة كتاب (الأمير) كتهمة لقارئه تذكرنا بتهم محاكم (التفتيش) في القرون الوسطى وهو دعوة عامة وفاضحة للتجهيل من خلال الإيحاء و(النصح) بعدم قراءة الكتب لكي لا تصيبنا عدوى من نوع ما.  فمن الواضح بأن السيد الخيون لا يميز هنا بين قراءة الكتاب وبين التأثر بالأفكار، بل وينصب من نفسه وصياً على أفكارنا وقراءاتنا.

وفي الصفحة 274 من كتابه يقول السيد خيون

"بعد حركة الاسلامين الاحرار التي ليس لها ذلك الفعل المؤثر وان وجدت فلا تتعدى الافراد في زمن المعارضة العراقية ضد النظام السابق".

ولا نريد أن نرد على ذلك، بل سننصح السيد الخيون بالعودة إلى ماكتبه عادل رؤوف في كتابه الموسوم «العمل الاسلامي بين المرجعية والحزبية في فصل بارز حركة الاسلاميين الاحرار»

أما ما كتبه الدكتور الخيون في صفحة 275 والذي نقتبس منه ما نصه:

"عندما سئل عن المقاومة وما حدث من ارهاب ضد عناصر الشرطة العراقية بعد سقوط النظام اجاب بما كان يجيب به ابو مصعب الزرقاوي وقادة القاعدة: (من الناحية الشرعية يجوز قتلهم من جهة ولا يجوز قتلهم من جهة اخرى) يقتلون اذا تعاونوا مع الامريكان وبصراحة لا يمكن التمييز اذا كانت الحكومة العراقية بكاملها تنسق سياسيا وعسكريا مع الامريكان كواقع حال"

أو قوله:

"وتراه وبتعال على الواقع والابتعاد عن الخطاب الهادئ البناء والسياسي الناقد يصف مجلس الحكم في مقابلة مع جريدة التيار الصدري (الحوزة الناطقة) التي اغلقها بول بريمر لتشجيعها على العنف بالقول: (مخبأ يندس وراءه اللصوص والقتلة وكل الملوثين والمخادعين والمتسللين)"

أو قوله:

"ويأتي البغدادي بمثال الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ت 94هـ 712 ميلادية) ودعائه لاهل الثغور المعروف في الصحيفة السجادية وما تمناه للجيش الاموي من حفظ وانتصار على الرغم من ان هذا الجيش قتل اباه وعمومته وحارب جده علي بن ابي طالب من قبل واخذ يسب ويشتم من على المنابر بظله حتى اتى عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ 719 ميلادية) فالغى تلك السنة وما يريده البغدادي في هذا المثال هو شرعنة التعاون مع البعثيين السابقين واتى ايضا باحاديث  الرباط التي رويت عن الإمام جعفر الصادق وبقية الائمة الداعين فيها الى القتال مع الجيش ( الذين عزلوا الإمام علي عن قيادة البشرية)"

فجميع هذه الإقتباسات لا تستحق الرد عليها رغم إنها تدافع بشكل مبطن وماكر عن الإحتلال الأمريكي للعراق وعن أحد اسوء إفرازاته والمتمثل بـ (مجلس الحكم) سيء الصيت.

أما قول الخيون في صفحة 277:

"وقيل انه نال درجة الاجتهاد بتأييد من جده محمد الحسني البغدادي (ت 1973) والشيخ علي الغروي (قتل 1998)"

فهذا القول ليس فيه مغالطة ولا موضوعية فقط بل ينم عن حقد وتحامل شخصي مجهول السبب بالنسبة لنا، وإلا ما معنى عبارة (قيل). فهل لدى السيد الخيون شك في فقه السيد البغدادي وعلمه ونيله درجة الإجتهاد؟. نقول إن هذا كلام مرسل لا قيمة علمية أو نقدية له، فما هي القيمة العلمية والفقهية لرأي الخيون في ميزان المذهب الجعفري كي نحتكم إليها في تقييم علم هذا (الفقيه) أو رأي ذلك (المجتهد)؟ وإذا كان هدف الخيون (نبيل) ومقصده هو البحث عن الحقيقة مجردة ومنزهة عن الهوى، فهل نفهم بإن الدكتور الخيون كان قد بحث ومحص في سير وعلم وإجتهاد كل علماء النجف والمذهب الجعفري في عموم العالم وتحديداً المعاصرون منهم على الأقل، وخلص إلى هذه النتيجة البائسة والتقييم المهلهل والذي لا يتفق معه الكثيرون ممن كتبوا عن السيد البغدادي وأشادوا بعلمه وجهاده، ومنهم كتاب ومفكرين وصحافيين عراقيين وعرب وأجانب معظهم ليسوا على المذهب الجعفري وبعضهم ليسوا من المسلمين أصلاً!!!.

وفي الصفحة 277 يقول الدكتور لخيون ما نصه:

"انصب الكلام على البغدادي الشخص لا البغدادي التنظيم, لان حقيقة الأمر هو تحرك شخص أكثر منه تحرك تنظيم  أو حزب, فلو رفعت أسم البغدادي من الحركة لم يبق لها حضور, وهي مشابهة للعديد من الحركات الديني أو القومية, وحتى اليسارية, تلك التي لا تتجاوز شخص مؤسسها أو متزعهما."

"مازال البغدادي صوتاً معارضاً , لكن ليس بالوزن المؤثر, الذي يتمكن به عن طريق العملية الانتخابية من كسب جمهور كذلك لا يمتلك ولا غيره تلك القدرة التي تعيد امجاد ثورة العشرين الى العراق, وبهذا لايعدو نشاطه أكثر من النشاط الاعلامي."

ونرد عليه بالقول: من أين لكم بهذه القناعات؟ هل كنتم في الميدان في حينها؟ حتى حكمتم على حركته بأنها مجرد (تحرك شخص) أم كنتم في وقتها (وما تزالون) تجلسون في أبراجكم العاجية وتقييمون وتتحسون نبض الشارع السياسي في العراق، من خلال (التنظير) بجلوسكم وراء مكاتبكم وعلى مقاعدكم الوثيرة في دول الإغتراب وفنادق الخمسة نجوم؟.  

 

كاتب وسياسي مستقل

20 / 1 / 2010م 

 

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha