رسالة تاريخية حول رفض كافة عروض السلطة بقبول الدعم المالي بيان سماحة آية الله العظمى السيد احمد الحسني البغدادي حول استفتاء تقرير المصير في «كردستان» العراق لمحات عن حياة الامام المجاهد آية الله العظمى السيد البغدادي 1298هـ - 1392هـ نماذج مصورة من ملف جهاز المخابرات العراقية في مطاردة سماحة الأخ المرجع القائد احمد الحسني البغدادي صورة رسالة خطية في ايام النضال السِّري لرئيس مجلس الوزراء نوري كامل المالكي بخصوص تزكية الجاسوس علي الياسري تنشر لاول مرة صفحات من مذكرات احمد الحسني البغدادي في مواجهة الدِّين الآخر (تنشر لأول مرة) (6) قصة الاختراق طريق أم طرق التفسير المقاصدي تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد الشيخ ياسر عودة ينتقد مدعي الولاية الذين يكتنزون المليارات من الاموال باسم فقراء العراق الجهاد المقدس في مفهوم اية الله العظمى المرجع الديني السيد احمد الحسني البغدادي اصالة الفكر تتجلى في الأصلاء العلامة السيد الحسني البغدادي يكسب الرهان في التفسير الجديد لحركة التاريخ في النص القرآني

الحـوار السادس والاربعون مع صحيفة قاسيون بتاريخ 12 كانون الثاني 2008م

الحـوار السادس والاربعون مع صحيفة قاسيون بتاريخ 12 كانون الثاني 2008م

الحوار السادس والاربعون
مع صحيفة قاسيون بتاريخ 12 كانون الثاني 2008م


اجرى الحوار جهاد اسعد محمد
سماحة آية الله أحمد الحسني البغدادي لـ «قاسيون»: يجب إسقاط المشروع الأمريكي الرأسمالي الربوي المتوحش.
*المقاومة المسلحة ليست مجرد خيار، بل واجب عين على جميع الواقعين تحت الاحتلال..
    *الولادة الميدانية لـ (حركة براءة) «أفواج الرفض والمقاومة» وهي مدربة عسكريا، ومحترفة أمنيا ولوجستيا لاستهداف العدو المجرم والتابعين له..
*هناك ضرورة اليوم لوجود استراتيجية دفاع عربي وإسلامي تعمل على إفشال مخططات العدو الصهيوني والامبريالية المتوحشة.
*ليست حرية الانفتاح  الاقتصادي على سبيل الاطلاق إلا خروجاً عن الشريعة الإسلامية،  وهي في ظلم قاتل..
*أقول لكل المستضعفين الفقراء،  إذا أرادوا حياة حرة سعيدة كريمة،  يجب أن يحاربوا هيمنة الشركات الأجنبية،  بوصفها من تبعات الاقتصاد الرأسمالي الربوي المتوحش،  والعولمة الإمبريالية المجرمة..
*كل الطواغيت الاقتصاديين يحاولون أن يوهموا الجماهير الكادحة والطبقة العاملة أن ما يمارسونه ينسجم مع التعاليم الإسلامية.
*الفقيه ليس معصوما،  والمرجعية الشيعية ليست معصومة إطلاقا،  وهي ليست مصدر تشريع في سن القوانين والدساتير..
*هناك حوزتان: حوزة ثورة تقدمية إسلامية، وحوزة تماهَتْ مع الأنظمة الفوقية الشمولية، وهي الآن في خدمة المشروع الأمريكي..
يأسر مجالسيه بتواضعه وبساطته وحسه المرهف وسعة معارفه، وقدرته على إيجاز أفكاره وقناعاته ومواقفه من كل القضايا الدينية والدنيوية بأبلغ العبارات والجمل، ويدهش محاوره بجلاء ذهنه، ودقته في عرض حججه وابتكار مصطلحاته، وجَلَدَهُ على الحوار، وأصالته في الإنصات لكل تفاصيل الأسئلة المحورية وما يتفرع عنها دون تأفف أو استهجان..
ولكن يبقى أهم ما يلفت في شخصه الكريم، هو تلك الكاريزما المميزة التي يمتلكها، والطمأنينة واليقين في محياه، والإيمان العميق في روحه.. إنه الشخصية الوطنية العراقية البارزة، المرجع الديني الكبير آية الله سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي، رجل العلم والمقاومة والوحدة الوطنية التقته «قاسيون» وأجرت معه الحوار التالي:
- سماحة السيد أهلاً وسهلاً بك في صحيفة «قاسيون»..
* بداية.. كيف ينظر آية الله سماحة السيد أحمد الحسني البغدادي إلى القضية الاجتماعية، ومفهوم «العدالة الاجتماعية»، لاسيما في هذه المرحلة، التي وصفتموها في أكثر من مناسبة بأنها مرحلة «هيمنة الرأسمال الربوي المتوحش»؟ وما هي الحلول المتاحة أمام المستضعفين والفقراء ليتمكّنوا من تحصيل حقوقهم؟؟
** بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين... إن التعاليم الإسلامية تنص على إجراء المال في سيرة معتدلة، يؤمن معاش الجماهير الكادحة، والطبقة العاملة المظلومة، لا أن ينتهي الحال إلى ظهور المال إلى المسارات التكاثرية والاستهلاكات اللاهية الإترافية والإسرافية في حالة مزرية، هناك حشود حاشدة لا تجد العيش الزهيد، ساقطة في أتون الإملاق والفقر الأسود الكفور، في وقتٍ غدا فيه الطواغيت السياسيون، والاقتصاديون يحاولون أن يوهموا الجماهير الكادحة والطبقة العاملة أن كل ما يمارسونه ينسجم مع التعاليم الإسلامية والضمير الإنساني، وهناك مُنهم من يحسن تزلفاً وملقاً، مع أن الاقتصاد الحر والسوق الحرة تبدّل وتحرّف مواضع المذهب الاقتصادي، الذي أراده الإسلام، فليست الحرية الانفتاحية الاقتصادية إلا خروجاً عن هذا المذهب، وهي في ظلم قاتل. والدين القويم لا يوافق على الظلم بكافة أشكاله وأطواره، بل دعا إلى مقاطعة الطواغيت الاقتصاديين والمترفين الأرستقراطيين حتى لا يخرج المال، كل المال، من المصلحة الإسلامية العليا، ويفضي المال كله إلى أضداد التوازن والتعادل.
وتلك الهيمنة إذا تحققت، لا سمح الله تعالى، فستَبرز في المجتمع  ظاهرتان خطيرتان هما الاستضعاف والاستكبار، وسيقسمان المجتمع الإسلامي إلى فقراء بائسين وإلى قلةٍ من الأغنياء الجشعين المترفين، وبالتالي تقع في مواقع الإغلال، ويندفع المجتمع إلى التسيب والضياع والدمار والبوار والأحزان. ومن هنا أقول لكل المستضعفين الفقراء، إذا أرادوا حياة حرة سعيدة كريمة في سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، أن يحاربوا هيمنة الشركات الأجنبية، بوصفها من تبعات الاقتصاد الرأسمالي الربوي المتوحش، والعولمة الامبريالية المجرمة، يسعى أصحابها لفرض إملاءاتهم على الفقه الإسلامي للقبول بما يريدون ويخططون. وقد تصدى فقهاؤنا في كتبهم الفقهية الموسعة لهذه القضية، وكشفوا، قدر المستطاع، ضرر هذه الأفكار، والأضرار التي تنشأ عنها في أبواب مختلفة هنا أوهناك.
* في هذا المنحى، جرى تاريخياً لغط كبير حول الشيوعية، والأحزاب الشيوعية، والفكر الاشتراكي بشكل عام، رَمَي الشيوعيين بالإلحاد، وحاول كثيرون استصدار فتاوى بهدر دمهم.. كيف تعاطيتم وتتعاطون مع هذه المسألة؟!
** الحديث عن الشيوعية ذو شجون، ولاسيما الحديث حول تاريخ الحركة الشيوعية العربية بالتحديد..
حول اتهام الشيوعيين بالكفر والإلحاد، صدرت فتاوى كثيرة بهدر دمائهم، بعد أن اتهموا بإنكار وجود الله سبحانه وتعالى، بيد أنني أجبت على هذا الطرح وفقُلْتُ صراحة:
 إذا كان الانخراط في تنظيمات الحزب الشيوعي ناشئاً ومنطلقاً من الاعتقاد بأن الشيوعية وتعاليمها الماركسية اللينينية (إلحادية) ترمي إلى إنكار الأديان والشرائع السماوية بكل منطلقاتها وتصوراتها، فهم كفرة.
أما إذا كان الانتماء الى هذا الفكر سياسياً من قبل الحركة الشيوعية العربية مع الإبقاء على الاعتقادات الدينية، ولم يظهر منهم جحودها أو إنكار ضرورة من ضروراتها في أصول الدين كالتوحيد والرسالة وفروعها كالصلاة والزكاة وغيرها، فهم مؤمنون وموحدون حقاً، لا كفرة ملحدون كما يجري تصويرهم.
* أنتم كمرجعية وتيار اسلامي عريض، لديكم موقف واضح صارم من الاحتلال، وقد وقفتم ضد أي شكل من التعاون أو التحالف معه، أو الاستقواء به، وكنتم ولا تزالون تدعون الى مقاومته بالأشكال كافة، فيما هناك مرجعيات أخرى تقوم على النقيض من ذلك كلياً، فكيف يمكن فهم هذا التباين الصارخ في مواقف القادة الروحيين حتى في الطائفة الواحدة، ولاسيما أن هناك مرجعيات دينية عديدة في العراق، تختلف فيما بينها كثيراً في الرؤية والتحليل والمواقف، حتى ضمن الطائفة الواحدة، ما هو دور المرجعيات الدينية في المجتمع العراقي.. هل هي معصومة؟ سماحتكم كيف تنظرون إلى هذا الأمر؟؟
** لا يمكن الإجابة على هذا السؤال حالياً بشكل مطول من خلال صحيفتكم الزاهرة، بسبب ضيق المساحة، وقد تكلمت الشيء الكثير عن دور المرجعية «الشيعية» من خلال أحاديثي وكتاباتي، وإذا أردتم كشف الحقيقة الضائعة فعليكم المراجعة والتوسع في موسوعتنا الإسلامية «هكذا تكلم أحمد الحسني البغدادي» باجزائها الثلاثة، وإلى فصل «نحو مرجعية موضوعية صالحة» في كتابنا «حق الإمام»، وإلى كتابنا «فقهاء وحركيون بين الثورة والسكون»، تجدون الخطوط المستقيمة فيها، كذلك المنحنية، وتجدون فيها القوى التقدمية والوطنية، وكذلك الجاسوسية الإقليمية أوالعالمية في هذه المؤسسة.
 وقد أعجبتني الكلمة التي قالها الأستاذ فاضل الربيعي ذو النزعة اليسارية، في مؤلفه «ما بعد الاستشراق، الغزو الأمريكي للعراق» صفحة /106/ إذا لم تخُني الذاكرة.. فإنه نقد بشكل موضوعي ونزيه، الفساد المالي عند المرجعية الشيعية في النجف الأشرف تحديداً، ونعتني قائلاً:
 «بينما لم يتورع آخرون من رجال الدين عن تحويل الأمور، بما فيها الدين نفسه، إلى مسألة مكسب مادي، كما ارتأى آية الله البغدادي، أكثر النقاد الراديكاليين على الإطلاق لسلوك رجال الحوزة اليوم، وليمثل - أي البغدادي - بحق أهم ظاهرة ثورية شيعية عراقية».                               
 *سماحة السيد... أرجو الإجابة على السؤال إذا تفضلتم.. ولو بشكل مختصر.
**المرجعية في العراق تنقسم إلى قسمين أو اتجاهين، الأولى مرجعية تنحو نحو الدعة والراحة واللاعمل واللا جهاد، شغلها الشاغل الدرس والتدريس في علوم الشريعة والدين،  والاتجاه الثاني يتجه وينحو نحو تحقيق الأطروحة الإسلامية كدين ودولة وكشريعة ونظام، لكنَّ مرجعية النجف تختلف اختلافاً كلياً عن مرجعية قُمْ (الثورية) لذا تجد مرجعية النجف على طول التاريخ سكوتية انهزامية رجعية تتماهى مع الأنظمة الفوقية الشمولية في العراق على طول التاريخ، ولذا تظلُّ هي الأقوى ضد الحوزة الثورية التقدمية الإسلامية، لأنها تمتلك الثروة والسلطة والمال، بوصفها مدعومة من خارج الدائرة الإسلامية.
باعتقادي أن المرجعية النجفية، التي عاشت في ظل النظام السابق، وبعد الاحتلال الأمريكي المباشر، لم تكن ذات تأثير فاعل في المجتمع العراقي بمكوناته وأطيافه كلها، وهي منطوية على ذاتها... فقط تدرس الفقه والأصول المطلسمة، وتوزع الأرزاق على حوزتها، بيد أن هناك إعلاماً ديماغوجياً يشيع أنَّ لها دوراً فاعلاً، واستقطاباً جماهيرياً ساحقاً في الساحة العراقية، من خلال الإعلام الأمريكي والتابعين له، الذين يقومون بتسييس المرجعية الشيعية الحالية في سبيل كسب السذج من الناس حتى لا يثوروا ضدهم، ويؤيدوا الانتخابات البرلمانية والدستور الدائم الأسود، فلو كان للمرجعية دور فاعل ومؤثر في الساحة العراقية لاحتوت مثلاً أحداث منطقة (الزركة) المؤسفة التي أبيد فيها النساء والأطفال والشيوخ بلا ذنب اقترفوه، فكان الواجب الشرعي أن تحتوي هؤلاء قبل إبادتهم عن بكرة أبيهم... كان عليها أن ترسل رجال الحوزة من أجل محاورتهم قبل أن تتم الإبادة، وليؤكدوا عليهم أنَّ الأعمال، التي يقومون بها منافية للثوابت الإسلامية، وأن الإمام المهدي المنتظر سيظهر في الساحة ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
من هنا يبدو أن المرجعية لم يكن لها تأثير مباشر في الساحة العراقية، ثلاثة أعوام والمدعو «قاضي السماء» الضال المضل يسرح ويمرح في النجف الأشرف وغيرها، ومسؤولو حكومة الاحتلال الرابعة يعلمون به، ولا يجتاحونه.
* لماذا؟
** لأن المرجعية لا تؤمن بتحقيق الأطروحة الإسلامية كما ذكرْتُ، وهي تعد عند المحتل والتابعين له مرجعية تشريفية، لا تغني ولا تثمر، حتى أن المرجع المبرز في النجف الأشرف يقول ما معناه:
 نحن نعطي الحرية الكاملة لشعبنا وأهلنا لصياغة وكتابة الدستور، ولم يُرجع الأمر الى فقهاء القانون، وإلى قيادة المرجعية الأسلامية!!
وثمة ثانٍ يقول: نحن نشرف على الكيان العام وعلى الدولة العراقية، التي هي تحت مظلة الاحتلال، فقط نقدم لهم النصائح والتوجيهات، في وقت خرج فيه الدستور الأسود، وفيه ثلاثَ عشرةَ فقرة تنافي الثوابت الإسلامية. وقد قام ذلك «المرجع المبرز» بالتحفظ  فقط، التحفظ على هذه البنود الثلاثة عشر، ولم يسمع التابعون له بما يسمى بـ«قائمة الإئتلاف»، ووقعوا على الدستور، وقد نفذ على شعبنا وأهلنا، لأن الدستور فيه فقرة (آ): أن يكون دين الدولة والمصدر الأساسي للتشريع هو الإسلام، ولكن في فقرة (ب): يجب أن يؤطر هذا العامل في إطار الديمقراطية الليبرالية الجديدة، وهنا صار تناقض إيديولوجي بين الفقرتين (آ) و(ب)، وأضرب لك مثالاً على ذلك... لو خرجت في العراق تظاهرات جماهيرية صارخة صاخبة تؤيد زواج المثليين، كما حدث في بريطانيا والسويد وتحقق هذا القانون، أقول: لو خرج العراقيون عن بكرة أبيهم وأرادوا هذا الشيء، فسيحصل تناقضٌ إيديولوجي بين فقرة (آ) المرتكزة على التشريع الإسلامي الذي يحرم اللواط  والمساحقة والزنا، والفقرة (ب) فقرة الديمقراطية الليبرالية الأمريكية، التي يجب أن يحققوها باعتبارها مصدر التشريع.. هذا تناقض كبير مرعب يخالف مبادئ الإسلام، والحوزة أوما يسمى بـ «الحوزة العلمية» تكون بذلك خدمت المشروع الأمريكي بشكل أو بآخر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإلى الله المشتكى، ومنه نتمسك بدينه القويم.
والعودة إلى أصل الموضوع، لو كان هناك مرجعية لها دور فاعل مؤثر لما حدثت الأزمة الدموية المؤسفة في منطقة (الزركة)، في حين نجد الإعلام المشبوه المرئي والمقروء والمسموع يطبل ويزمر لما يسمى بـ(المراجع الأربعة) الذين أيدوا الدستور الأسود بكل تفاصيله، ولم يتحفظوا عليه، ولم يستجب لهم الذين أيدوهم وناصروهم، أي ما يسمى بـ (قائمة الإئتلاف الموحدة)، وأنا أعبر عنها بقائمة الاختلاف اللاموحدة، بسبب تسييسها لصالح المشروع الأمريكي الإمبريالي في المنطقة، ومساندة حكومة الاحتلال الرابعة.  
 هذه حقيقة يجب أن يفهمها كل الناس، وكل حركات التحرر العربية والإسلامية والعالمية. وأما الاختلاف في الفقرة الثانية بين المرجعيات الدينية فهو موجود بين الأوساط الفقهية، لأن الاجتهاد والاستنباط مفتوح على مصراعيه من خلال الأدلة الاجتهادية والفقهية.
والفقيه قد يصيب تارة وقد يخطئ تارة أخرى من خلال المسائل التي ترد إليه من الإنسان المسلم سواءً أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية، ومن هنا نكتشف أن الفقيه ليس معصوماً، والمرجعية الشيعية ليست معصومة إطلاقاً، وهي ليست مصدر تشريع في سن القوانين والدساتير، بل حتى الأنبياء والأوصياء ليسوا مصدر تشريع، وإنما مصدر التشريع والتكوين هو الله سبحانه وتعالى بوصفه المطلق.
هذه المسألة من المسلمات البديهية في كل المدارس الإسلامية الشيعية من إمامية وزيدية،  والسنية من حنفية وشافعية وحنبلية وأوازعية وظاهرية، ومن قبلها مدارس الصحابة فالتابعين لهم وتابعي التابعين، وحتى الديمقراطيات الموجودة، سواء في الدول الأوروبية أم الأمريكية، وكذلك دول العالم الثالث، وهي الدول المتخلفة الفقيرة المسحوقة باسم الديمقراطية والحرية والإصلاح،  هي ديمقراطية كاذبة خاطئة ظالمة، لأن الأقوى هو المنتصر، وهذا ما نشاهده بالحزبين الرئسين في الولايات المتحدة الأمريكية، فمن يملك الجند والسلاح والمال هو المنتصر، وإذا لم يتصل بالصهيونية أو توجهه فسيسقط في كل الانتخابات جملة وتفصيلاً.
* ثمة جهات متعددة في العراق اليوم، تدّعي أو تطلق على ذاتها اسم (مقاومة)، حتى اختلطت الأمور كثيرا،ً سواء في العراق أم خارجه.. ما هي سمات المقاومة الحقيقية في رأيكم، وما هي أشكالها، وما هي الشروط، التي ينبغي أن تتوفر فيها لتحصل على هذا الاسم ــ الشرف، وهل هناك أمثلة على ذلك؟
** باتت المقاومة الوطنية والإسلامية خيارا مفصلياً حاسماً لإنهاء الاحتلال الأجنبي والتابعين له، لأنَّها خيار الأمة للخروج من هيمنة الاحتلال الفاقد العواصم الخمس المشهورة بين الأوساط الفقيهة، يستحيل التنازل عنها، أو وأدها من خلال ما يسمى بـ (المصالحة الوطنية) بين الفرقاء، تحت رعاية أمريكية ــ صهيونية، في الوقت الذي لا يزال فيه الوطن الإسلامي محتلاً.
إذن.. فلا خيار في المواجهة والممانعة إلا المقاومة المسلحة بوصفها هي الطريق الوحيد الفريد لتحرير الأرض والإنسان، فالمقاومة في تلك الحالة ليست مجرد خيار، بل واجب عين من خلال إطلاقات الأدلة وعموماتها التشريعية القرآنية منها والحديثية الصحيحة، بل هي فعل إيمان بالسلام الحقيقي، لأن من يقاوم ويقدم التضحيات الجسام، ولا يفعل ذلك لمآرب سياسية ديماغوجية، أو لمصلحة فردانية شخصانية، وإنما يسعى بوعي منه، أو بغير وعي إلى تصويب مسار الأمة، واستئناف اللحمة الوطنية وإلى منظومة القيم والمثل الإنسانية بين الأمم كلها...
إن صمود المقاومة وتصديها، العملياتية منها والسياسية، هو في الحقيقة ما أسقط مشروع الشرق الأوسط الجديد ـ القديم في المنطقة، ولذا نرى أن الولايات المتحدة الأميركية تبدو في وضع لا تحسدُ عليه، فقد تحول العراق إلى مأزق لا يمكن لها الخلاص منه، ابتلع جانباً كبيراً من سيطرة الامبريالية الأميركية وأحاديتها العالمية، وشكل مختبراً تطبيقياً لفشل سياستها الخارجية في مساراتها المختلفة، إلى درجة أن الهدف هذه السياسة بات البحث عن صيغة توفيقية تخفف من الخسائر الفادحة التي تكبدتها في هذا البلد، وتحفظ ماء وجهها بعد أي انسحاب، أوإعادة ترتيب الأوراق والأوليات، بيد أنها في كل مرة تصطدم بحقائق الواقع وإشكالياته، ولذا تحاول قدر الإمكان الخروج من هذا الوحل الذي سقطت فيه، ولم يُفد ولن يفيد إطلاقاً توظيف الإشاعات الديماغوجية، التي أطلقتها أبان احتلال العراق أَنَّ المثلث السني هو الذي يقاتل «قواتنا المسلحة»، وأن الشيعة «معنا» وهم الأكثرية الساحقة... ذلك كله في سبيل التمويه على الرأي العام العربي والعالمي... لكن هذه المزاعم التي أشيعت تحت عناوين ومسميات وذرائع مختلفة لم تنطلِ ولن تنطلي على حركات التحرر العالمية إطلاقاً، لأن الشيعة قبل الاحتلال عارضوا مشروع قانون تحرير العراق واستنكروه، ولا يزالون حتى الآن هم القوى الفاعلة في الساحة، وقد شكَّلُوا جسداً عراقياً، وأنتجوا قيادة ميدانية عراقية متمثلة بــ«حركة براءة» تتبنى الوحدة الوطنية والخصوصية العراقية من خلال التوافق على برنامج سياسي عام لكل أبناء العراق، وتتخذ أسلوب العمليات الجهادية عبر ما يسمى «حرب العصابات»، تمثل كُل الضربات الأمنية الموجعة والمؤلمة، التي وجهتها و توجهها إلى الآلة العسكرية، وهذا مؤشر مهم صارخ على قدرتها الفائقة، فقد شكلت الجناح المسلح الذي سمي بـ«أفواج الرفض والمقاومة»، وهي مدربة عسكرياً ومحترفة أمنياً ولوجستياً لاستهداف العدو المجرم والتابعين له..
هذه الولادة الميدانية جاءت بسبب وجود الصراع المسلح و الاقتتال (سني ـ شيعي)، بل وصل الأمر إلى الاقتتال داخل الطائفة ذاتها  (سني ـ سني)، (شيعي ـ شيعي) في سياق محاولة القوى المتنافسة للسيطرة على مناطق النفوذ الجغرافي لوجود كل طائفة، وهذا المشهد المأساوي يمزق اللحمة الوطنية، ويقود البلاد إلى حافة الهاوية، ولا يستفيد من ذلك إلاَّ حكومة الاحتلال الرابعة.. بسبب هذه أو تلك ولدت حركة «براءة» في الساحة العراقية.
* ننتقل إلى موضوع آخر في السياق ذاته، سماحة السيد... لا يفوّت منظرو البيت الأبيض الأمريكي وساسته، وفي مقدمتهم الرئيس «بوش»، مناسبة إلا ويتحدثون عن مشروعهم «الشرق الأوسط الكبير» أو «الشرق الأوسط الجديد» و(فضائله).. كيف تنظرون إلى هذا المشروع؟ وما هي آفاقه؟ وإلى أين وصل الآن في رأيكم؟
** مشروع الشرق الأوسط الكبير ليس مشروعاً إنسانياً يستهدف إنقاذ الشعوب المستضعفة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية أبداً، كما ادعى ويدعي الأمريكيون، آفاق إحداثه هي من أجل تعاظم العولمة الرأسمالية الربوية الأمريكية والإمبريالية المتوحشة، وشيوع النمط الاستهلاكي الغربي، وتعاظم آليات فرضه إعلامياً واقتصادياً وعسكرياً، وفي تصوري أن هذا المشروع قد فشل فشلاً ذريعاً بسبب تفاعل المقاومة والمواجهة والممانعة والصحوة في أفغانستان والعراق، ولولا المقاومة في هاتين المنطقتين، لسقطت سورية العروبة، ولبنان الصمود والتصدي، وإيران الإسلامية.
فلولا المقاومة العراقية التي أفشلت المشروع الأمريكي، لتحقق تفتيت المنطقة وتمزيقها في العمق، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم كله، لكنَّ المشروع فشل ببركات حركات التحرر العربية والعالمية ودعمها حركة التحرر العربية والإسلامية العراقية، والله... لولا بسالة المقاومة العراقية لاتجهت أمريكا الآن إلى احتلال إيران وسورية ولبنان... هذا كله من أجل إسقاط حزب الله. والسورييون والإيرانييون يعرفون ذلك جيداً.
* هل يوجد برأيكم أساس تاريخي للتفتيت الطائفي والقومي الذي يسعى المحتلون اى تكريسه في العراق، وفي عموم المنطقة، عبر تفجير نزاعات وخلق عداوات لضرب الوحدة الوطنية في كل بلد.. وكيف يمكن مواجهة ذلك ؟
** الفتن الطائفية موجودة بين أبناء الأمة على طول التاريخ، لا يمكن إنكارها، ولكن هناك عناصر مشتركة تجمع هذه الأمة المرحومة تحت مظلة التوحيد والرسالة والقرآن والضمير والوجدان، بيد أن الفتنة الطائفية، التي أثيرت بين العراقيين بالتحديد، وظَّفها الأمريكان، ولاسيما بعد تفجير قبة الإمامين العسكريين، هي فتنة يمكن إجهاضها من خلال جبهة وطنية عراقية عريضة تناهض الاحتلال وتقاومه، تأخذ زمام المبادرة الفعلية لوأد الفتنة الطائفية المذهبية، والإعلان عن رفضٍ حاسمٍ وصارمٍ لهذه الجرائم البشعة كلها.
* بالنسبة للقضية الفلسطينية، كيف تنظرون إلى الصراع العربي، الصهيوني عامةً؟ وما هي الطريقة الأنجع اليوم لمواجهة أطماع الصهيونية العالمية ومخططاتها؟؟
** اليوم.. هناك ضرورة لوجود استراتيجية دفاع عربي وإسلامي تعمل على إفشال مخططات العدو الصهيوني، مادياً بمنعه من السيطرة على جزء من الأرض، وتدمير قواته فيها، ومعنوياً يمنعه من فرض واقع استسلامي مهين مذل فيها أنا أدعو إلى مقاومة أممية عالمية شاملة في مواجهة مخططات المشروع العولمي الربوي الرأسمالي التوراتي الاستشراقي الامبريالي الأميركي.
أما في الأوضاع الفلسطينية الداخلية، فإنني أناشد النظام الرسمي العربي، العمل الجاد على فك الحصار الاقتصادي الظالم على قطاع غزة، وإدخال المستلزمات الضرورية الملحة كالمواد الغذائية، والأدوية الطبية، والطاقة الكهربائية، ومنح الحرية لفتح المعابر من قطاع غزة الصابرة المجاهدة، فهي على الرغم من هذا كله، ما زالت صواريخها تقض مضاجع الصهاينة شذاذ الآفاق الآثمين الوثنيين.. إن الشارع العربي تحديداً، لا يبدي استجابة رسالية، أو حضوراً فاعلاً في الساحة حيال هذه الأخطار والتحديات، بسبب هيمنة الأنظمة الفوقية الشمولية المستبدة.. وبسبب تسييد المذهبية والعرقية والإثنية والعشائرية والإقليمية، مما أدى الى غياب الحياة الأممية الإسلامية، وتخلخل الولاء المحمدي الأصيل.. بسبب موجة التقلبات السياسية الحادة، والفوضى الخلاقة في واقع الساحة وتضاريسها الجغرافية السياسية، المحكومة الآن بقوانين الامبريالية الأميركية العالمية، والعولمة الرأسمالية المتوحشة العابرة للقارات كلها، المتمثلة في استكمال الهيمنة المباشرة على مصادر الطاقة في سبيل مواجهة الخصوم الكبار، ولاسيما اليابان وروسيا الاتحادية، والصين الشعبية بالمعنى النفطي الدولاري الأخضر المأزوم.
* ما هو موقفكم من الحكومة العراقية؟ وكيف تقيمونها؟
** بصدد موضوع العراق الديمقراطي «الجديد» المتألق بحسب منطق الحكومة الرابعة، التي يقال إنها جاءت في ظل إنهاء الديكتاتورية والاستبداد!!.. فإنني أؤكد أننا مستمرون على موقفنا المبدئي منها، إلا إذا استعادت «الوحدة الوطنية» والاستقلال الوطني والسيادة الكاملة على ثرى العراق.. وطردت القوات العسكرية الأجنبية شر طردة.. وأعادت الجيش العراقي الى العمل في مؤسساته بعد محاسبة المسيئين من رموزه.. وصادرت الأراضي العراقية، التي امتلكها اليهود.. وأنهت فرق الموت.. وحلت الميليشيات.. وكشفت إجراء التحقيقات الدولية حول مجزرة جسر الأئمة في الكاظمية، وتفجير قبة الإمامين العسكريين في سامراء، والأحداث الدموية المؤسفة في الخامس عشر من شعبان في كربلاء المقدسة.. وأفرجت عن معتقلي أحرار العراق السياسيين منهم والميدانيين.. وألغت سياسة الأرض المحروقة، التي تبيد المواطنين المستضعفين عن بكرة أبيهم.. ومنعت فتح أبواب الهجرة إلى الدول الأوربية والأميركية.. وأزالت بناء الجدران العازلة والأسوار الكونكريتية المحصنة،  والحواجز الرملية في مدينة بغداد.. وبددت المشروع القُطْرِي المسمى (العراق أولاً)  وأسسه وإفرازاته وأبعاده الجانبية المختلفة.. وبدأت تطالب على الفور الدول الأوروبية بإعادة ملايين الدولارات الصفراء المسروقة من الخزينة العراقية، المسجلة في مصارفها المركزية باسم رموز حوزوية وعشائرية وحزبية.. وأعادت كل الأسلحة والأموال، التي سرقها المحتل وبعض الدول الإقليمية، والتعويض عن الأضرار المادية، التي استهدفت البنى الاجتماعية والتحتية التي تقدر بأكثر من تريليون دولار.. واعتبرت المقررات والتوصيات، التي أُصْدِرَتْ، والاتفاقات، التي أبرمت في ظل الاحتلال باطلة.. واتجهتْ إلى الدول العربية والإسلامية في عملية الإعمار الشاملة بدلاً من وزارة الدفاع الأميركية. 
وأخيراً وليس آخراً، إذا ألغت البند السابع في سبيل حل الأزمة العراقية على الصعد كافة، وفي طليعة ذلك إلغاء الدستور الدائم الذي كتب بإملاءات توراتية استشراقية، وهم مصداق قوله سبحانه وتعالى:  {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ }البقرة 204-205
* وكيف تقيمون الدور الإيراني في العراق؟.. وما هو موقفكم منه؟
-** موقف إيران أَقرب إلى السياسية البرغماتية منه إلى القناعات والثوابت.. بسبب تأييدهم العملية السياسية الجارية في بلاد الرافدين، واعتبارها أمراً مقبولا (وطنيا) ومقدمة لخروج المحتل، ولهذا نجدها أول من بارك تأسيس مجلس الحكم الانتقالي، واعترفت بشرعيته، وهذا يحتاج في تصوري إلى حوار عقلاني شفاف بعيد عن التشنج والانفعال، ويحتاج إلى علاقات أخوية من تبادل الزيارات، وتعميق الحوارات شريطة ألاَّ يكون هذا الحوار قائماً على قاعدة العداء لإيران ،ولاسيما بوصفها حليفاً إستراتيجياً لسورية، وحزب الله في لبنان، وحركة حماس، والجهاد الإسلامي... ضد المشروع الأميركي الصهيوني الجديد في المنطقة، بل في العالم، وهي تعد القوة الإقليمية التي يحسب لها ألف حساب وحساب، وفيها تيار وطني إسلامي يعتز بهوية العراق العروبية الإسلامية، ويؤكد على وحدة أراضيه وسيادته غير منقوصة، ويرفض أي تدخل أجنبي في شؤونه الداخلية، يهدد أمن المنطقة برمتها.

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha