رسالة تاريخية حول رفض كافة عروض السلطة بقبول الدعم المالي بيان سماحة آية الله العظمى السيد احمد الحسني البغدادي حول استفتاء تقرير المصير في «كردستان» العراق لمحات عن حياة الامام المجاهد آية الله العظمى السيد البغدادي 1298هـ - 1392هـ نماذج مصورة من ملف جهاز المخابرات العراقية في مطاردة سماحة الأخ المرجع القائد احمد الحسني البغدادي صورة رسالة خطية في ايام النضال السِّري لرئيس مجلس الوزراء نوري كامل المالكي بخصوص تزكية الجاسوس علي الياسري تنشر لاول مرة صفحات من مذكرات احمد الحسني البغدادي في مواجهة الدِّين الآخر (تنشر لأول مرة) (6) قصة الاختراق طريق أم طرق التفسير المقاصدي تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد الشيخ ياسر عودة ينتقد مدعي الولاية الذين يكتنزون المليارات من الاموال باسم فقراء العراق الجهاد المقدس في مفهوم اية الله العظمى المرجع الديني السيد احمد الحسني البغدادي اصالة الفكر تتجلى في الأصلاء العلامة السيد الحسني البغدادي يكسب الرهان في التفسير الجديد لحركة التاريخ في النص القرآني

الحوار الخامس والعشرون مع صحيفة «البعد الرابع العراقية» بتاريخ 1 ايار 2005م

الحوار الخامس والعشرون مع صحيفة «البعد الرابع العراقية»  بتاريخ 1 ايار 2005م

الحوار الخامس والعشرون

مع صحيفة «البعد الرابع العراقية»  بتاريخ 1 ايار 2005م


اجرى الحوار حسن الشامي

يعتمد الشارع العراقي, بالاضافة الى رؤياه العقيدية, الى رؤياه السياسية على المراجع الدينية بشكل ملحوظ ،لأَنَّ المراجع لا تربطهم مصالح شخصية في المعايير والمناصب السياسية في زمن طغت فيه الضبابية على الشخصيات السياسية، ولعدم امتلاكها خزينا معرفيا تجاه السياسيين ، لذا لجأوا الى مراجعهم، والمرجع الديني السيد المجاهد آية الله العظمى أحمد الحسني البغدادي من المراجع الذين ارتبطوا بواقع العراق ارتباطاً وثيقاً، وحملوا هموم الجماهير، ووقفوا معها في محنتها الموقف الحق الذي ابتغاه الباري عز وجل لعباده وسماحته يرتبط اسمه بسلالة عريقة في مجال العلوم الإِسلامية، والمواقع السياسية ، ولانه من المجاهدين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، ارتأت صحيفة «البعد الرابع» أَنْ تجري معه حواراً نظراً لاهمية الدور الذي ينهض به سماحته، وقد أجاب سماحته على اسئلتنا مشكوراً.

*هل يرى سماحتكم معياراً للإِسلام السياسي، وما هي حدوده ؟.. 

** بسم الله الرحمن الرحيم, وبه نستعين : قلت مراراً وتكراراً السياسة هي الدين.. والدين هو السياسة ، فمن انكر هذا وأراد فصل الدين عن السياسة سواء كان مرجعاً دينياً، او قائداً حزبياً، او رئيساً عشائرياً فهذا التصور يُعَدُّ من اكبر المحرمات الشرعية ، أَما رجل الدين عندما يقول إِنَّ الدين لاعلاقة له بالسياسة فهذا قول يحاسب عليه حساباً عسيراً.. رأيه لا يستند الا على الادلة الاجتهادية، او الادلة الفقاهية، وإِذا انكر هذا الفقيه السياسة، وادعى أَنْ السياسة لاعلاقة لها بالدين فهو ينكر أَصلاً من إِصول الدين الخمسة كالإمامة.. والإِمامةُ هي السياسة كقيادة دولة وقيادة مجتمع ، ففي هذا العصر يصرح أَحد المتصدين وفي ظل الاحتلال الامريكي: «إِنَّ السياسيين هم الذين يقومون بتسيير دفة الحكم، ونحن كرجال دين مشرفون على ذلك»، هذا خطأ كبير يرتكبة ذلك الفقيه، وفيه مخالفة شرعية, فانه يستهدف إِنكاراً للإِمامة بوصفها من إِصول الدين، فكل من يدعو الى فصل الدين عن الدولة، ينكر ضرورة من ضروريات الدين.. كالامامة، وهو من المنظور الشيعي بالتحديد كافر، لكننا نعذر هؤلاء الفقهاء لانهم ليس لديهم رؤى سياسية, ولا يعرفون المخطط الصليبي الصهيوني ضد الاسلام الثوري الرسالي, هذا من جهة، ومن جهة أخرى برز في الساحة العراقية أَدعياء الإِسلام الأَمريكي لا الإِسلام المحمدي الأَصيل، ونسوا أن محمداً (ص) حين هاجر من مكة الى المدينة أَسس دولة، ولم يكن مشرفاً على من يسِّير تلك الدولة، أَسس دولة واصبح قائدا، ورئيساً، وموجها مباشرا للمجتمع المدني، ومن العجيب أننا نجد بعض الحركات الاسلامية، والواجهات الاسلامية التي جاءَ بعض منها على ظهور الدبابات الامريكية يصرحون «نحن لا نريد دولةً دينية على النموذج الايراني»، وكأنما تاسيس الدولة الاسلامية في العراق أصبح تهمة ارهابية .. الم تكن هذه جريمة يحاول الامريكان تحقيقها ؟!.. لماذا نصبح على نهج الكنيسة الرجعية في الفاتيكان ؟!.. فقط يمارسون العبادة، ويتركون المجتمع الى قوانين وضعية ما انزل الله بها من سلطان.

* صدر بيان عن سماحتكم يطالب بمقاطعة العملية السياسية... ماهي اسباب ذلك في رأيكم؟..

** من حيث المبدأ العملية السياسية، او ما يسمى بالانخراط في الانتخابات تحت المظلة الامريكية انما دعونا الامة لمقاطعتها لأسباب كثيرة وخطيرة اهمها: إِن أَحد المراجع البارزين في الساحة العراقية كان بالامس يقول إنهُ متحفظ على أصدار قانون إدارة الدولة العراقية، ونقول لهذا المرجع: اذا كنت متحفظا على اصدار قانون إدارة الدولة، فلماذا تأمر الشعب العراقي بالذهاب الى صناديق الاقتراع؟ هذا تناقض ايديولوجي فقهي واضح، إِن قانون ادارة الدولة العراقية فيه بنود مصهينة من ابرزها: أولاً: العراقي هو كل من ولد لأب عراقي أو ام عراقية.. هذه الفقرة تفتح الباب أمام كل إمرأة عراقية أَنْ يكتسب أبناؤها الجنسية العراقية، وان يكن أبوهم أميركياً، او بريطانياً، أو اسرائيلياً، اذا تمكنت هذه المرأة من الحصول على الجنسية العراقية وبالتالي تفتح الباب أمام كل إمرأة حاصلة على الجنسية العراقية، وتعيش خارج العراق أن تطلب الجنسية العراقية لأَبنائها، وان جاءت بهم عن طريق الزنا، مضافاً الى جواز تعدد الجنسية للعراقي، وهذا خلاف الدساتير العراقية التي صدرت بدءاً من العهد الملكي وصولاً الى العهد الجمهوري لم يرد مثلُ هذا البند في دساتيرهم ، وإِذا تنازلنا الى القول إنَّ هذا البند من القانون الانساني، لكننا, نحن الإسلاميين, نؤمن بالاسلام كدين، ودولة وشريعة ونظام.. ايجوز شرعاً وقانوناً أن يمنح اليهودي من أصل عراقي، وأسقطت عنه الجنسية, الحقَّ في أَنْ يستعيد الجنسية العراقية مع الاحتفاظ بجنسيته الاسرائيلية؟ هذا يعني أَنًّ العراق اصبح جزءاً لا يتجزأ من الوطن المحتل، ووقع تحت مظلة المشروع الصهيوني الامريكي، إذن لماذا هذا التحفظ؟ ..

* لكن البعض يرى ان الذهاب الى الانتخابات يُسِّرعُ من خروج الاحتلال ؟.. 

** الانتخابات على الصعيد الاسلامي بوجود المحتل من اكبر المحرمات الشرعية، اذ لا يجوز إِمرة الكافر على المسلم ، القائمة على أساس إِطلاقات الأَدلة القرآنية، والسنة الصحيحة وعموماتها, الأمر الذي يؤكد أَنَّ من اكبر المحرمات الشرعية ممارسة أَية عملية سياسية ما دام هناك محتل، يجب ان يخرج المحتل، والمحتل هو الذي يؤكد على الانتخابات، وكذلك بعض (المراجع) من اجل تمرير مؤامرة خطيرة تُشرعنُ بقاء المحتل حتى أننا نجد رموز من الساسة العراقيين الذين جاؤوا على ظهر الدبابات الامريكية يصرحون اثناء حملاتهم الانتخابية انهم عند انتهاء الانتخابات سوف يدعون المحتل الى الخروج من العراق ضمن سقف زمني محدد ، ولمَّا انتهت مسرحية الانتخابات تحت الحراب الامريكية راحوا يرددون: إِنَّ خروج الامريكان يجعل  العراق بحراً من الدماء... هذه مسألة واضحة وبديهية، هي إِيهام الراي العام العالمي بان هؤلاء المنتخبين هم شرعيون بقرار شرعي، وبانتخابات شرعية.. وذلك كي يبقى الامريكان خمسين عاما من خلال انشاء قواعد واتفاقات وصفقات انية ومستقبلية... المسألة واضحة... أفلس الاميركان بسبب وجود مقاومة ميدانية شرسة، وغَرِقوا في مستنقع لا خلاص منه فقاموا بمسرحية الانتخابات بدعم من المرجعية الدينية التقليدية الانهزامية.. سواء عن قصد، أَو عن غير قصد وإِذا لم يحاسبهم الشارع العربي والاسلامي فالله سوف يحاسبه، هذا على الصعيد الاسلامي، اما على صعيد اتفاقية جنيف, ففي القانون الدولي لا يجوز كتابة دستور، ولا يجوز اجراء عملية انتخابات مباشرة في ظل الاحتلال. فليخرج المحتل أولاً، وبعد ذلك الشعب العراقي هو الذي يقرر مصيره بنفسه، وهو الذي يقرر الدولة التي يختارها، وهناك إشاعات يبثها الطابور الخامس, مفادها: بسبب الانفلات الامني والمؤسساتي والخدمي لايمكن خروج الاميركان وبخروجهم ستحدث الحرب الاهلية، وإِذا تنازلنا لهم فستحدثُ الحرب الاهلية، ولكن هناك حل آخر هو دخول قوات من قبل الامم المتحدة، ومن قبل منظمة المؤتمر الاسلامي، جامعة الدول العربية والاسلامية غير المجاورة تحل مكان الأميركان، يخرج مائة جندي مع آلياتهم العسكرية، فتحل مكانهم تلك القوات، فالحرب الاهلية لا تتحقق، ثم إِنَّ هناك نسيجاً اجتماعياً بين السنة والشيعة, ولأَنَّ هناك علاقات سببية ونسبية بين السنة والشيعة.. هناك (مثلاً) في مدينة الاعظمية سنة وشيعة متداخلين، إذن فالحرب الاهلية لا يمكن ان تتحقق .. اما هذه الهجمات الانتحارية التي تستهدف المواطنين الابرياء فالمقاومة لا تقوم بها، المقاومة تستهدف الدبابة الاميركية، تستهدف الاميركي، تستهدف الذين يتعاملون مع اميركا مباشرة ويشكِّلون دروعاً بشرية، سواء كانوا شرطة، او حرساً وطنياً، أو ميليشيات.. اما الذين يقومون بالهجمات على المساجد او الكنائس وفيها أناسٌ يمارسون الشعائر والمراسيم الدينية، هذه الاعمال من أكبر المحرمات الشرعية, ونحن نستنكرها, وأميركا هي التي تقوم بها، وبعض الفئات التكفيرية المنغلقة المتحجرة هي التي يحركها الأميركان من اجل إِثارة الفتنة، ومن أجل أَنْ يبقى الأَميركان يجثمون على أرض العراق بحجة الانفلات الامني والمؤسساتي في الساحة العراقية، لماذا لا تقوم المحاكم القضائية النزيهة من خلالنا؟!.. حتى نكشف هذا الملف، وهذه الهجمات الانتحارية التي تستهدف الشيعة تارة، واهل السنة تارة أخرى. 

 هناك مسألة خطيرة لا يعرفها الشيعي او السني، وهي أنَّ بعض عناصر أهل السنة يقومون بهجمات وحملات ضد كل من يؤيد الخط الشيعي المقاوم.. يشتمونه ويسبونه ويقولون هذا يدخل مع هؤلاء الشيعة(كذا وكذا)، كذلك مَنْ يقاوم الاميركان من الشيعة ويتعاطف مع اهل السنة والجماعة يشتمه الشيعة ويسبونه لأنه يتعاطف مع أهل السنة المقاومين، وكذلك أهل السنة يسبون علماءهم الذين يؤيدون المقاومة ضد الوجود الاميركي، والذين يؤيدون الخط الشيعي المقاوم يسبونه ويشتمونه ويقولون لماذا يتفق مع الروافض وهم مع المشروع الاميركي.. هؤلاء الروافض كفرة مارقون، يأخذون الحكم منا.. هذه مسألة خطيرة تثار في الساحة، وتثار مسألة أخطر من ذلك... يقولون إنَّ الذين يهاجمون الاميركان وجاؤوا من خارج الحدود لإِثارة الفتنة... وكلُّ ذلك في سبيل أَنْ يدخلوا في ذهنية المجتمع العربي والاسلامي، والرأي العام العالمي أَنَّ العراقيين مع العملية السياسية, ومع المشروع الاميركي، لكن نسوا أو تناسوا أَنَّ العراقيين هم المقاتلون، والدليل على ذلك انتفاضة نيسان ـ صفر التي ثار فيها خط الشهيد الصدر الخالد، كلهم قاتلوا ببسالة، هل جاءَ هؤلاء من خارج الحدود؟!..

* حضرتم المؤتمر القومي العربي السادس عشر الذي عُقِدَ في الجزائر في نيسان، وقد سمعنا أخباراً مؤسفة بأن الشعب الجزائري يتهم الشيعة بأَنَّهم مع المحتلين بسبب انخراطهم في الانتخابات... هل هذه الاخبار صحيحة؟..

** وجَّه المؤتمر القومي العربي الدعوة الى الإسلاميين لأول مرة.. وقد استجبت لهذه الدعوة شاكراً، وكان هدفي إِلقاءُ محاضرة في هذا المؤتمر تحت عنوان «العلاقة الجدلية بين العروبة والاسلام» هناك فرق بين القومية الشوفينية والعروبة الاسلامية، كان هذا هو هدفي ، ان أبين أَنَّ العروبة هي الإِسلام والإِسلامُ هو العروبة، وكثير من المفكرين الاسلاميين طرحوا في الجملة هذه المسألة، لكنِّي اردت ان آتي بشيء جديد أمام الذين اجتمعوا في هذا المؤتمر، ولكن, بعد دخولي الجزائر وقبل انعقاد الجلسة الأُولى رأيت ظاهرة خطيرة عند الشعب الجزائري، يشتمون الشيعة، كما يشتمهم يزيد بن معاوية، وبدأت اناقش هذا الزعم الباطل، لماذا هذا الشتم؟ قالوا.. انتم تؤيدون الاميركان... حتى مراجعكم لا يفتون ضد المحتلين، وأَئمتنا يشتمون المراجع الاربعة في صلاة الجمعة، فكان هذا الزعم الباطل صدمة في حياتي ليسَتْ في الحسبان.. لماذا اصبحنا في هذا المنحدر من الذلة والمهانة، وتذكرت حرب العراق أيام الحرب الكونية الأولى العام 1914م والهجمة الصليبية البريطانية التي استهدفَتْ إِسقاط الدولة الإِسلامية العثمانية، وموقف علماء الطائفة الشيعية حين قاتلوا بالإجماع مع تلك الدولة التي كانت بألامس تشنُّ حملات تأديبية على الشيعة بذريعة تحصيل الضرائب منهم فتقتلهم عن بكرة أبيهم، ولكن علماء الشيعة قاتلوا مع هذه الدولة التتريكية الطائفية، من اجل الوحدة، ومن أجل صيانة التوحيد والرسالة، ومن أجل الحفاظ على كيان الدولة الاسلامية من السقوط. 

ومهما يكن.. الشعب الجزائري الشقيق يتهم الشيعة بأنهم مع المشروع الاميركي.. هذا كله ترك جرحاً عميقاً في نفسي، لكنني أوضحت الحقيقة في الجلسة الاولى, إِنَّ الشيعة ليسوا مع المشروع الاميركي، وليسوا مع المحتل أبداً، وعندما غزا الاميركيون بلاد الرافدين تصوروا أَنَّ الورود ستنثر على دباباتهم، لكنَّهم, بعد فترة زمنية قصيرة ,وجدوا مقاومة نوعية شرسة اطلقوا عليها ما يسمى بالمثلث السني، وليس هناك مثلث سني، أو مربع شيعي، فالشيعي يقاتل في الفلوجة البطلة، والسني كان يقاتل في مدينة الصدر الباسلة، وانتفاضة نيسان في العام المنصرم أزالت تهمة الخزي والعار عن الشيعة.

* لماذا يصر الاسلامييون والسياسييون على مقارنة الوضع الحالي بما بعد ثورة العشرين مع اختلاف المعطيات؟..

** هناك فرق كبير بين حرب العراق اليوم، وبين ثورة العشرين وحرب العراق عام 1914 وسقوط بغداد عام 1917م, من تلك السنة الى ثورة العشرين كانت فترة سنة واحدة، وحين احتل الانكليز بغداد قال الجنرال «مود»: «جئنا محررين لا فاتحين». هذه المقولة المشهورة تمسك بها الشعب العراقي، كما تمسَّكَ علماء العراق الدينيون.. خلال هذه الفترة الزمنية جرَتْ مفاوضات وحوارات بين الترغيب والترهيب مع المندوب السامي البريطاني (كوكس)، ولم يدخلوا في العملية  السياسية، ولم يكتبوا دستوراً تحت مظلة الاحتلال البريطاني، وحينَ شكلت وزارة عبد الرحمن النقيب كان موقف الشعب العراقي من سنة وشيعة من تلك الوزارة أَنها عميلة للمندوب السامي البريطاني... وحدثت ثورة الثلاثين من حزيران عام 1920م وكان الاستقلال الصوري، لكنْ بدأت مسرحية المجلس التأسيسي عام 1923م فشعر العلماء أنَّ ذاك المجلس التأسيسي، وصياغة ذاك الدستور إِنَّما جاءَ بأملاءات بريطانية فرفضوه جملة وتفصيلا، نفي علماء الدين من العراق، مثل الشيخ محمد مهدي الخالصي، والشيخ النائيني، والسيد ابو الحسن الموسوي. اما اليوم فالفرق شاسع بين اؤلئك العلماء المجاهدين الأَبطال التأريخيين الذين قاتلوا ضد الهجمة الصليبية لاحتلال العراق، وحين فاوضوا.. فاوضوا من منطلق القوة، ولم يدخلوا في أية عملية سياسية، ولم يطالبوا بكتابة دستور تحت مظلة المندوب السامي البريطاني (كوكس).. اما اليوم فمأساة... يقول هؤلاء.. نحن في حاجة الى العملية السياسية، او ما يسمى بالمقاومة السلمية، وكأنما الشعب العراقي (غبي), وكأنما العالم حتى الآن لم يصبح قرية واحدة، ثم يا اخي... العملية السياسية والمقاومة السلمية معناها أن تمارس مقاومة سلمية مثل مقاومة بطل كبطل الهند (غاندي) الذي حرر الهند الكبيرة, وقاطع بريطانيا اقتصادياً، ولم يتعاون معهم أبدا، وطُرِدَتْ بريطانيا وخرجت من الهند, ونالت الهند استقلالها بفضل المقاومة السلمية التي اتبعها غاندي.

أَما الذين جاؤوا على ظهور الدبابات الاميركية يريدون ان يخدعوا شعبنا.. إلاَّ أنَّهم واهمون... شعبنا على مستوى المسؤولية الرسالية التأريخية, وقد حقق الشيء المطلوب من خلال انتفاضة نيسان ـ صفر التي انطلقت من مدينة النجف الأَشرف وشملت كربلاء، وميسان، والبصرة، والناصرية، ومدينة الصدر، أَما هؤلاء الذين يزعمون أَنَّ الامريكان لا يخرجون من خلال المواجهة العسكرية، او من خلال حرب العصابات، لان هذه اميركا, وهي القطب الأُحادي الكوني المفرد في العالم، فقد كسرت أَنفَ الاتحاد الاوروبي، وكذلك الاتحاد الروسي.. فكيف نحن؟! عشنا تحت مظلة الدكتاتورية والاستبداد ثلاثة عقود ونصف؟!.. فيجب علينا ان نمارس العملية السياسية والمقاومة السلمية، وصولاً الى إنهاء الاحتلال، ونسوا أَنَّ المقاومة السلمية معناها المقاطعة الشاملة.. إذن اين تظاهرات هؤلاء الذين جاؤوا على ظهور الدبابات الاميركية، او ما يُسَّمى بالمعارضة الوطنية منها والاسلامية؟!.. اين الاعتصامات والمقاطعة الاقتصادية؟!.. إِننا نجدهم يعيشون في المنطقة الخضراء في حماية الحراب الامريكية، اذا كانوا  يمتلكون قاعدة جماهيرية شعبية، واستقطبوا هذه الجماهير من العمال والفلاحين ورجال الدين و الكسبة.. فلماذا يعيشون خلف المتاريس، وفي الغرف المغلقة؟!.. فاذا اصبحتم متعاونين مع هؤلاء الصليبيين المصهينين ومخبرين لهم فسوف يبقون جاثمين على صدر الامام علي (ع) ... والله لو كان الامام المعصوم حيا لقاتل ضد الدبابة الامريكية .. ولو كان الشهيدان الصدران الاول والثاني لقاتلا ضد الدبابة الاميركية.. ولو كان الامام البغدادي والامام الخميني لقاتلا ضد الدبابة الامريكية .. هؤلاء الذين قاتلوا ضد بريطانيا، وانتصروا في ثورة الثلاثين من حزيران عام 1920م هل يعقل أنَ يكون هؤلاء كلهم على خطأ، وما يسمى بالمراجع الاربعة على صح . 

* كيف يجد سماحتكم مَنْ يطالب بعدم إِشراك المرجعية الدينية في العملية السياسية ؟. 

** هذه الدعوات جاءتنا من اوروبا في نهضتها الحديثة نتيجة خربطات الكنيسة الرجعية التي تمنح صكوك الغفران, فهذه النهضة عزلت رجل الدين المسيحي عن قضايا السياسة، والاجتماع، والاقتصاد.. أَما الاسلام فيختلف اختلافا كليا عن الدين المسيحي، وعن الكنيسة ، الاسلام دين ودولة وشريعة ونظام ، فكل من يدعو الى فصل الدين عن السياسة، او السياسة عن الدين يعني إنكار قيادة الإِمامة الشرعية، لأَنَّ خلافة الامام علي (ع) معناها اقامة دولة، وهو رئيس الدولة مباشرة، وليس مشرفاً، فهذه الدعوات جاءت عبر عقود عديدة ضد الفكر الاسلامي والتصور السياسي الاسلامي, وفي العراق أَصبح الإِسلام الامريكي يريد من المرجعية الدينية تطبيق الامور الحسبية فقط, ويريد إِدارة دفة الحكم عن طريق الليبراليين وكانما الاسلام هو شعائر عبادية فحسب، لا دولة مؤسسات، وتسيير المجتمع نحو سعادة الدنيا، ونعيم الاخرة.. فهذه الدعوات ما هي الا دعوات مشبوهة تستهدف القضاء على الاسلام . 

* كيف يجد سماحتكم ابناء التيار الصدري.. وما هو دروكم تجاههم؟..

** الخط الصدري غني عن التعريف, ليس ضد الاحتلال فحسب، بل ناهض الدكتاتورية والاستبداد في العراق وقد ساند الشهيدَ الصدرَ الثاني الخالد مساندة لا مثيل لها ، قدم التضحيات الجسام، وهم من الطبقة الفقيرة، وليس من الطبقة البرجوازية. أملنا كبير في هذا الخط ، لذا انا أَوجه ندائي الى الاسلاميين الذين يعملون مع المحتل, والبعض منهم يمتلكون قناعات وطنية.. فلماذا عندما هاجمت قوات الاحتلال مدننا المقدسة في انتفاضة نيسان لم يقدموا استقالتهم، بل احتفظوا بالحقائب الوظيفية الرسمية في حكومة اياد علاوي، ولم يستقيلوا من مراكزهم الحساسة ليساندوا هذا الخط الذي تكالبت عليه قوى الشر والعدوان من اجل اسقاطه وتدميره وتصفيته، ولكنَّه في ضمير الامة, لأَنه حمل البندقية المقاتلة، ولأَنَّ أَغْلَبية من العمال  والفلاحين والكسبة والطلاب الجامعيين، لا من البريجوازيين والارستقراطيين الذين لا يتحسسون آلام الفقراء والجياع،  ولا يحاربون الطاغوت السياسي. وأَدعو الله أن ينصر هذا الخط ويَمُنَّ عليه بالديمومة والبقاء والتصدي والصمود مادام ضد الاحتلال، وضد المنافقين والدجالين والمشعوذين وادعياء الدين، وادعو الله أَنْ ينصرهم بعونه ومدده وسينتصر في عقيدتي هذا الخط ما دام ضد امريكا ، ويرفض كل عملية سياسية تحبك خيوطها اميركا وعملاؤها المرتزقة وما دام يريد تحرير العراق, كل العراق, موحداً غير مجزأ.

 

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha