لمحات عن حياة الامام المجاهد آية الله العظمى السيد البغدادي 1298هـ - 1392هـ نماذج مصورة من ملف جهاز المخابرات العراقية في مطاردة سماحة الأخ المرجع القائد احمد الحسني البغدادي صورة رسالة خطية في ايام النضال السِّري لرئيس مجلس الوزراء نوري كامل المالكي بخصوص تزكية الجاسوس علي الياسري تنشر لاول مرة صفحات من مذكرات احمد الحسني البغدادي في مواجهة الدِّين الآخر (تنشر لأول مرة) (6) قصة الاختراق طريق أم طرق التفسير المقاصدي تصحيح مفاهيم ونظرة تجديد الشيخ ياسر عودة ينتقد مدعي الولاية الذين يكتنزون المليارات من الاموال باسم فقراء العراق الجهاد المقدس في مفهوم اية الله العظمى المرجع الديني السيد احمد الحسني البغدادي اصالة الفكر تتجلى في الأصلاء العلامة السيد الحسني البغدادي يكسب الرهان في التفسير الجديد لحركة التاريخ في النص القرآني إطلالة جديدة لسماحة المجاهد السيد أحمد الحسني البغدادي بكتابه الرائع: التفسير الجديد لحركة التاريخ في النص القرآني مرجعية السيد البغدادي ومناهضته للاحتلال

حديث حول الاسلام السياسي الوسطي والربيع العربي


حديث

حول الاسلام السياسي الوسطي والربيع العربي

بتاريخ 2 نيسان 2012م

 



تحدث سماحة الأخ المرجع القائد أحمد الحسني البغدادي أدام الله ظله حول الإسلام السياسي الوسطي والربيع العربي في مركز الأمة للدراسات الاستيراتيجية مساء العاشر من جمادي الاول 1433هـ- الثاني من نيسان (ابريل) 2012م.

وفيما يلي نص الحديث:

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة والأخوات

في البدء يتطَّلع الإنسان، من حيث هو إنسان، إلى تحقيق المجتمع المثالي العادل، حتى يعيش سعيداً حراً كريماً في هذه الدنيا. فالمنظرون العباقرة حاولوا على طول التاريخ تحقيق الحياة العادلة والمجتمع المثالي، بيد أنها مسألة خيالية لا يمكن تحقيقها بحالٍ من الأحوال في هذا الكون.. حتى أَنَّ كارل ماركس صنع مجتمعاً خيالياً ليس هو المجتمع الطبقي الذي كان يطمح إلى تحقيقه في المستقبل، مستقبل مرحلة المجتمع الشيوعي بعد تطبيق «الاشتراكية العلمية» فراراً من جحيم استغلال الإنسان للإنسانَ. وكذلك الدين يأمل تحقيق فردوس مثالي يتوق إليه في بناء حياة حرة كريمة على الصعد كافة ــ بيد أنه استطاع أن يصنع تاريخاً وثقافةً وفكراً، ويربي أجيالاً من بني البشر على المسارات التي يرغب ــ في حين لا نرى تجسيداً عملياً لمجتمع مثالي على طول التاريخ، بل ولا نرى قائداً ملهماً وإماماً معصوماً ينقذ الإنسان ويغير العالم فيملأ الأرض عدلاً وجمالاً بعد أن ملئت ظلماً وقبحاً ولازال حتى هذه اللحظات فلم يتحقق المجتمع المثالي العادل الذي صنعه خيال منظري المجتمعات منذ الفيض البشري الثاني بقيادة النبي نوح (ع)، بل منذ حضارة ما بين النهرين وحتى اليوم!.. لذلك تهافتت أميركا والغرب الرأسمالي من (حتميات) سياسته البرغماتية الأحادية في (نهاية التاريخ)(1). هو يحارب الإسلام المحمدي الأصيل، ويكره أبناء الأمة على طول التاريخ، ولا يقبل إطلاقاً تحقيق المجتمع الإسلامي والدولة الإِسلامية في أي وطن من أوطاننا العربية والإسلامية، وهو ينادي بتطبيق شعار الحرية والإصلاح والديمقراطية من خلال نتائج صناديق الاقتراع على أن يكون (الفائز) متفقاً مع مشروعه ومصالحه، ويؤمن باستلام القيادة السياسية للذي يملك قاعدة شعبوية عريضة، شريطة أن يكون «الفائز» مع تطلعاته ومآربه، ويُعلن «التوبة» عن تكرار العودة إلى الجهاد والمقاومة الإسلامية، والتخلي عن المنهج الإنقلابي، والانخراط في العمل السياسي، والتسليم بالانتخابات من أجل تطبيق الديمقراطية كمعبر إجباري إلى تداول السلطة، ومعزز بشهادة سلوك من الثالوث الخطر.. وإِن يْكن الحاكم طاغياً مستبداً! وينفرد كـ «قائد ضرورة تاريخي» و«رئيس مدى الحياة»، وهو شخصٌ تخلع عليه كل توصيفات المعصومية التي ترفعه إلى مصاف السيد المسيح عليه السلام، وبالتالي ينفرد بالقرارات المصيرية للوطن في السلم والحرب، واللاحرب وفي العزلة والاحتجاب داخل الحدود الجغرافية.

حين تولَّى الرئيس محمد أنور السادات دفة الحكم في مصر، قالوا له: المفروض أن تتبنى استئناف ترتيب «الداخل» وتتفرغ بـ«مصالحة» مع جماعة الإخوان المسلمين، وهم حالياً يُجسدون الحركة الاجتماعية الوسطية السياسية والحزب الأفضل تنظيماً نظراً إلى الطبيعة المعقدة والمجزأة للمشهد السياسي والأيديولوجي الحالي في مصر، وهكذا طبعاً يضمن لاحقاً تمرير الاعتراف بوجود «اسرائيل» كـ «دولة عبرية» وتعقد مع كيانها سلاماً دائماً وعلاقات وطيدة، سوف نحقق لشعبك الرخاء والاستقرار السياسي و «الانفتاح» على «الخارج»، والتأكيد على عرب نفط الخليج العربي في فترةٍ لاحقةٍ لدعم سلطتك في مواجهة خصومك الناصريين والاسلامويين(2)، أي الجماعات الإسلامية «المتشددة» والتكفير والهجرة حصراً.. وإلا لا تبقى حاكماً على مصر. بيد أنَّ السادات قال لهم صراحة: ليس لي قاعدة جماهيرية مترامية الأطراف حتى أنجح في تنفيذ ما تأمرون به وأقودَ الناس، كلَّ الناس! فأجابوه: سنخلق لك شعبية تضاهي شعبية عبد الناصر!. فكانت حرب تشرين (أكتوبر) التحريرية عام 1973م، ومن ثم توقفت الحرب فجأة شرق القناة بعشر كيلومترات بعد أن حطم الجيش العربي الإسلامي خط بارليف المحصن، وبالتالي خلع السادات (بطل التحرير!) البدلة العسكرية تاركاً وراءه سوريا وحدها تقاتل في ساحة المعركة ضد الثكنة الصهيونية «الإسرائيلية».. حتى أن الرئيس الراحل معمر القذافي قال بصراحته المعهودة عن المعركة أنها مؤامرة مدروسة وسحب جيشه مباشرةً بعد إعلان وقف إطلاق النار. ويعتبر هذا بمثابة صدمة شاملة لكل العروبيين والإسلاميين وأحرار العالم ومستضعفيه.

من هنا بدأت فصول المؤامرة المبرمجة، وهرول السادات ضد إرادة أبناء الأمة إلى الكنيست «الاسرائيلي» وعقد اتفاقية كامب ديفيد الخيانية وتبعه صهاينة حكام العرب متصالحين في السِّرِ أو العلن مع المؤسسة العسكرية الصهيونية بلا خوف من عقاب الله الواحد القهار، وبلا وجل من أبناء الأمة مادامت مصر، أكبر دولة مواجهة، قد أبرمت وثيقة «سلام» دائم مع هذا الكيان اللقيط في حين هم يعرفون حق المعرفة أن شريعة القرآن الكونية الخاتمة في صدور أبناء الأمة، وفطرة الإنسان نوع الإنسان تميل إلى العدل الإلهي، قوى الثورة الجاهلية المضادة ليس في إِمكانها أنْ تنزع هذا الميل إلى العدل، والنزوع الى الحرية. والغرب الامبريالي له مصالح في بلاد العرب والمسلمين من خلال وجود الكيان الصهيوني الاستيطاني على الثرى الوطني الفلسطيني، واستلاب النفط، وهيمنة الاستثمار، والعولمة المتوحشة، والسوق الاستهلاكية... ذلك كله في سبيل أن يبقى أبناء الأمة يخدمون هذه المصالحة، فالويل كل الويل للعرب والمسلمين من هذه التقاطعات.

ومن هنا.. كيف يتعامل الغرب المستكبر مع أبناء الأمة وقد شاهد باللمسة التجريبية والرؤية الثاقبة رجوع الناس إلى فطرتهم التوحيدية، وأصالتهم الإسلامية، وخروجهم من الإنزواء والعزلة في ضوء ما تكتبه الوقائع الصارخة من النهايات الفاشلة للنظريات السائدة والمشاريع المتداولة منذ عقود، ولا هو مخطط سلفاً، إنما فطرة الإنسان نوع الإنسان تميل حتماً إلى العدل الإلهي، وهذه أعظم فضيلة إنسانية تشكل الحد الفاصل بين نوعي الإنسان والحيوان. لذلك الإسلام يهدد مصالحهم، وعلى ضوء هذا بادروا بسرعة مذهلة إلى تسويق مفهوم يعوض عن مفهوم المقاومة الإسلامية وإقامة الدولة الثورية، ولا يقل إثارة وجاذبية عنه: «الإسلام المعتدل الوسطي» تتبناه أحزاب وتيارات ومؤسسات ومراكز استراتيجية وإعلامية عملاقة إسلامية سلفية «سنية» حيناً، وحيناً «شيعية»!؟ تتفق في الجملة مع مصالحهم تحت مظلة هذا «الشعار الوسطي» الذي يخضع للأمر الواقع السياسي والتوفيقي، وبالفعل حققوا نجاحات لم تكن في الحسبان بسبب إِخفاق تجربة شعارات التيارات العلمانية واليسارية والليبرالية والقومية زائداً شعارات بعض الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت عقوداً عديدة باسم القومية والاشتراكية، أو مشاريع التقدم والتنمية والتحديث والتصنيع على الرغم من تحقيق بعض الانجازات الهامة. كان مرد إخفاق هذه الشعارات قد ترجمت دوماً بأضدادها فقراً وفاقةً أو فوضى وتخلفاً أو استبداداً أو استغلالاً، ولقد تسببت تلك التيارات والأنظمة في إلحاق الأذى بقضية تحقيق أمل الوحدة العربية المنشودة  وبأطروحة الاشتراكية الرائدة التي تنبئت بحتمية انتصارها والتي التزمت بها «حقاً» وعملت بجد لمحاولة تنفيذها هي أقرب إلى الرجم بالغيب، فضلاً عن طوباويتها الساذجة المفرطة.. أم أنَّها قد استخدمت تلك الشعارات لاستقطاب الجماهير المحرومة والمعذبة والتغرير بها! وهي بمثابة انتصار للديمقراطية الليبرالية على ما عداها من المذاهب و الأنظمة، ولم يبق سوى جيوب تاريخية تمثلها دكتاتوريات العسكرة القوية والجيش الذي لا يقهر (ما يشار إليه أحياناً بـ «الدولة العميقة») التي تنتظر ـــ أي الدمقرطة ـــ زوالها عاجلاً أو آجلاً، من هنا صنعوا لهم ــ من حيث لا يعلم الإسلامييون ــ قاعدة شعبوية عريضة في الساحة الإسلامية من خلال الإِضطهاد التاريخي المبرمج الذي أصابهم على أيدي تلك الأنظمة ذات «القيادات السياسية الشمولية المطلقة» على أنماطها المختلفة والمتباينة، وتعويضاً لهم عن دهور تشريدهم وإقصائهم عن الحياة السياسية وتصفيتهم جسدياً أحياناً.

في خضم ظاهرة ما يسمى بـ«الثورات العربية» انكشفت الحقيقة من خلال التقارير الأميركية المعلنة عن انقلاب في السياسة الخارجية الأميركية، إنقلاب مبرمج يرمي الى اختطاف ثمار هذه الثورات، واحتوائها عن طريق التنسيق مع الأحزاب الوسطية الإسلامية التي حققت فوزاً ساحقاً في الانتخابات النيابية، فباشرت تشكيل الحكومات، ورسم السياسات، وتحديد المسارات العامة لدولها، ووضع الخطط العملية لبرامجها التنموية والاقتصادية والتربوية. لكنَّ اللافتَ للنظر أَنَّ قضية الصراع العربي الصهيوني تظلُّ الغائبَ الأكبرَ عن كل الخطب في التظاهرات الربيعية والحملات الانتخابية الإسلامية الأمر الذي يدلل، بما لايدع مجالاً للشك، على أَنَّ هذه القوى فقدت ذاكرتها، وتناست أهم قضايا الأمة المصيرية ألا وهي: تحرير فلسطين كل فلسطين، بل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك، حيثُ يقدم خطاب حزب النور السلفي المصري نموذجاً خطيراً لإمكانية تحول الخطاب الإسلامي التثويري نفسه من موقف العداوة الدينية التأريخية مع الكيان الصهيوني ومشروعه في المنطقة... إلى موقف الصداقة مع ذلك الكيان!..

إنَّها مفارقة صارخة بعد أنْ أثبتت صناديق الاقتراع الحرة النزيهة الشفافة نسبياً بعيداً عن تدخل السلطات لأول مرة فوز حركة النهضة الإسلامية في تونس، حزب الحرية والعدالة في مصر(3)، وحزب العدالة والتنمية في المغرب. وفي الوقت نفسه نرى ازدواجية معايير القوى الدولية وحلفائها في المنطقة حيث تساند الإسلام الوسطي مساندة انتقائية تحاصر حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يمثل فكر التربية الإخوانية، والقوى الوطنية والقومية والشبابية واليسارية المؤتلفة معه في قيادة الحراك الشعبوي في سبيل التغيير والإصلاح والتنمية وإقصاء دكتاتورية الحزب الحاكم اليمني، بل قبلها في تسعينيات القرن الماضي حين فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات التشريعية ضد الحكم الاستبدادي الفرانكوفوني في الجزائر، أُقْصِيَتْ بالمرة عن استلام دفة الحكم بسبب أنها لا تَخْضَعُ للأمر الواقع، بل تتبعُ سياسات معارضة للغرب وغير موالية لأميركا. هذه الانتقائية وازدواجية معايير القوى الجاهلية الاستكبارية تعزز الخشية ولا تخفف منها، وتؤكد أنَّ الإسلام السياسي الإخواني حصراً كتيار تاريخي موجود بالفعل لا بالقوة -  كما يقول علماء المناطقة - في الساحة السياسية المعاصرة ما هو إلاَّ محك إِختبار رسالي تاريخي يتطلب من قيادتهم حسم ازدواجية المعايير، لأنَّ تلكَ القيادة في موقفها الراهن إنَّما تضع رجلاً في الجنة ورجلاً في النار، وأمام محنة التكيف مع تجربة سلطة حاكمة ومراقبة من أبناء الأمة ديمقراطياً، وهذا إِمتحان عملي فيه يُكرم هذا الطيف أو يهان!.. من قبيل وصول الحزب الإسلامي العراقي، والاتحاد الإسلامي الكردستاني وغيرهما من الأحزاب الوسطية «الشيعية» الإسلامية ممن جاؤوا على ظهور الدبابات الأميركية والبريطانية لغزو العراق، وثبت أنها مجرد مافيات دولية، أو وصول «ثوار» حلف الناتو على متن الطائرات المقاتلة المُغيرة على الثرى الوطني الليبي، وهيمنة الإسلاميين على قيادة السلطة في الصومال حيث وقعت الحرب الأهلية بين إِتحاد المحاكم الإسلامية ذات النزعة الإخوانية، وبين حركة الشباب المجاهدين ذات النزعة السلفية.

هذه الأحزاب الوسطية كلها جاءت إلى كراسي الحكم لتحصل على مكاسب من التغييرات الربيعية تؤدي دوراً فاعلاً وفق قوانين اللعبة، وتبرهن على التزام بالمحاسبة والديمقراطية والتعددية الحزبية، لا لتطبيق الأطروحة الإسلامية الأصولية الثورية الذي بدأ كثيرون يتهربون من الانتماء إليها. إذن هناك اختلافات واضحة بين الإسلاميين الوسطيين والإسلاميين الأصوليين، فضلاً عن وجود منافسين لهم أساساً في أوساط الليبراليين والماركسيين والقوميين والمسيحيين وكثير من النساء المصريات..! لذلك، فالأحزاب الإسلامية الأصولية حصراً لازالت تجري عليها مؤامرة تحريف وتزوير وتشهير وإقصاء بشعارات مختلفة وبأدوات قذرة تمارسها الدول الصناعية السبع الكبرى «دول المليار الذهبي».

من هنا.. لا أنسى كلمة خالدة لازالت ترن في أذني كتبها القيادي الإخواني البارز الشهيد سيِّد قطب في أوائل عقد الخمسينيات من القرن الماضي، حَذَّر فيها جماعة الإخوان المسلمين من خشيته وهواجسه من أنَّ أميركا وحلفاءَها يريدون لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: «إسلاماً أميركياً» ليس هو الإسلام الأصولي المحمدي الأصيل الذي يناهض الاستعمار.. والاستكبار.. والاستغلال.. والاستعباد..

ومن هنا.. أنا لست من دعاة التشكيك، فقد قرأت الشيء الكثير الكثير من أدبيات جماعة الإخوان المسلمين يعدون أنفسهم وسطيين معتدلين لمجرد أنهم يؤمنون بالتدرج نحو دولة الخلافة وتنفيذ الشريعة الإسلامية الخاتمة، وهذا بخلاف فكر حركة الاسلامين الاحرار، ورأيت حركة حماس ذات النزعة الإخوانية قد صمدت صموداً بطولياً في ميدان المعركة الفاصلة لصد الغزو الصهيوني «الاسرائيلي» على قطاع غزة عام 2008م... من هنا لا «أُصدق» في الجملة ما يشاع من أن الجماعة نسقَتْ بشكل أو بآخر مع الإدارة الأميركية على أن تفسح لها المجال، وألاَّ تضع المطبات والتقاطعات في طريقها لاستلام السلطة، بَيْدَ أنَّ تحذيرات الشهيد قطب تضع الجماعة أمام إِمتحان صعب، وإِختبار رسالي تاريخي من مثل هذه الهواجس.

هذه الخشية والهواجس، أيها الأخوة والأخوات، لها «مسوغات» واقعية وقرائن حالية ومقالية متحركة لإيصال قوى إسلامية وسطية معتدلة إلى دفة الحكم، من خلال ما رأيناه في العراق المذبوح قبل الربيع العربي، وما نراه في ليبيا المؤامرة بعد الربيع العربي!.. واليوم اتجهت كل سهام أميركا وحلفائها إلى سورية لتدمير جيشها، وتجويع شعبها من خلال جماعات تدِّعي انها معارضة، لازالت قياداتها تعيش في الغرب مُنْذُ أَمدٍ طويل، وهي تدعو الى التدخل الخارجي، وتتطالب به جهراً تحت ذرائعَ شتى، كما انَّها تنسِّق مع القوى الاستكبارية في الغرب الامبريالي، ثم كيف تنسق ثورة تحريرية عربية او اسلامية مع الادارة الاميركية وحلفائها؟! في حين أنَّ الثورة الوطنية أَية ثورة وطنية لابدَّ لها أَنْ تنطلق من مبدأ رئيسي هو المناهضة القاطعة للسياسات الامبريالية، ولهذا فان تشدّدَ المعارضة الوطنية التي ترفض الارتباط بالخارج لاسيما القوى الاستكبارية في رفض التدخل العسكري الخارجي هو موقف ينسجم مع الموقف الوطني والإِسلامي الاصيل. ولهذا نرى أَنَّ ما تقدم به هذه الجماعات التي تدعي أَنها «معارضة» لا يخرج ابداً عن المخطط التوراتي الاميركي الذي يرمي الى تقسيم المنطقة الى كيانات عرقية واثنية ومذهبية، لصالح الدولة العبرية في فلسطين المحتلة. من هنا تؤكد لنا التصريحات الأميركية التي تطلقها بين الفينة والأخرى إلى سلطة الاحتلال الصهيوني ألاَّ تخاف من وصول الإسلاميين الوسطيين إلى السلطة في تونس ومصر وغيرهما، لأنَّ هذه الأحزاب الإسلامية يمكن أنْ تتحول بين ليلة وضحاها عبر الترويض من موقف العداوة والبغضاء إلى موقف الصداقة والمودة مع الشعب «الاسرائيلي»، وهذا الرهان مطلوب ضمن الأرشيف الإِستراتيجي طالما يمكنه أن يجعل التطبيع مع سلطة الاحتلال أكثر تجذراً في الوعي الإسلامي، وهو رهان قابل للتحقيق طالما أنَّ التجربة التاريخية تظهر كيف تحولت الحركات البروتستانتية المسيحية في الولايات المتحدة الأميركية في القرن الماضي من موقف العدو اللدود لـــ«اسرائيل» إلى موقف الحليف الاستراتيجي لبقاء هذا الكيان الصهيوني والدفاع عنه، بَيْدَ أنَّ المستشار السياسي لرئيس الوزراء (بنيامين نتنياهو) اللواء إحتياط (يعقوب عميدرور) في مجلس الأمن القومي «الاسرائيلي»، وصف موقف الرئيس (باراك أوباما) وإدارته بالسذاجة، بَيْدَ أنَّ سلطة حكومة الاحتلال غير راضية بل هي مصدومة وقلقة، وتشعر أنَّها تعيش كابوساً مزعجاً، أو خيالاً قد تصحو منه بعد فترة زمنية ليست بطويلة، ولكنها بالتالي أدركت أنَّ ما هي فيه حقيقة واقعة لا خلاص منها، وليست خيالاً أو حلماً، ولم يعد كما كان محالاً، وعليها أنْ تقبل بالأمر الواقع وتخطط مع وزارتها الخارجية وتعطي تعليماتها لسفيرها (يعقوب أميتي) في القاهرة بفتح صفحة حوارية شفافة مع جماعة الإخوان، وحزب النور في مصر في سبيل إقامة علاقات ومصالح متبادلة لا أصدقاء دائمين معهما!.

وللتأكيد أتناول ما صرحت به بالأمس القريب: (فيكتوريا نولاند) باسم وزارة الخارجية الأميركية بأنَّ جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي قدما «ضمانات» و «تعهدات» بعدم إلغاء اتفاقية كامب ديفيد المبرمة مع حكومة «اسرائيل»، بل ألمحوا إلى المزيد من التنازلات! بَيْدَ أنَّ الجماعة والحزب نفيا نفياً قاطعاً ما صرحت به  (نولاند)، علماً أنَّ اللقاءات الأميركية معهما لا تتم عن طريق «السفارة» أو «الخارجية» المصرية، ولكن من خلال الاتصالات المباشرة، كما أدلى بها (سامح شكري) السفير المصري في واشنطن، الذي فسر عدم صدور تقارير رسمية موثقة من الإدارة الأميركية عن تلك اللقاءات، يعني (ربما) أنها حصلت على تطمينات من جماعة الإخوان وحزب النور سواءً بسواء بحجة الأخذ بمقتضى فقه الأولويات والعناوين الثانوية، كتقديم المهم على الأهم، أو الإضطرار أو الضغوط أو التكتيك! وكان (جون كيري) رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في الكونغرس الأميركي قد اجتمع مع مسؤولي حزب الحرية والعدالة، وحزب النور، وصرح أن القيادتين «أكدتا» له حرصهما على العمل مع أميركا والغرب و«اسرائيل»، لاسيما في المجال الاقتصادي. وإذا صدق هذا الزعم الأميركي عن تقديم «ضمانات» و«قطع تعهدات» أو «تطمينات» فإن هذا الفصيل أو ذاك المكون نَسِيَ أو تناسى أَنَّ الثوابت الإسلامية لا تتغير ولا تتبدل من أدلة وجوب حرمة التعاون والتنسيق مع الكافرين والمشركين، وأدلة وجوب نفي سبيل الكافرين على المسلمين، وأدلة وجوب النهي عن المنكر، وأدلة وجوب القتال من أجل صيانة الدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى سرعان ما يجدون أنفسهم في مواجهة ثورية إسلامية عنيدة مع أبناء الأمة الرافضة التطبيعَ مع عدو متكبر مجرم فاقد العاصم، لازال يحتل بلداً إسلامياً لا يجوز احتلال أرضه والاستيطان فيه وتشريد أهله الشرعيين في الشتات والمنافي. هذا ولازال أبناء الأمة يُحَمِّلُونَ أميركا وحلفاءَها المسؤولية عن كلِّ الأوضاع المتردية من دمار وبوار ودماء وضياع التي أصابتهم بسبب رعايتهم اتفاقية كامب ديفيد ومساندة النظام السياسي البائد الذي أفرزته.

وبكلمة: تكاد الأطروحة الوسطية المعتدلة تنقلب على عقبيها اليوم إلى منطقة منزوعة الموقف. وعلى الرغم من اعتقادي أنَّ ذلك «عمالة» مجانية لأعداء تأريخيين، وهذا هو المرتقب من إسلام مشوه صُنِعَ في أميركا عدوة الشعوب ومثيرة الحروب على طول التاريخ.

أيها الأخوة والأخوات: ينبغي التذكير منذ البدء بمسألة أسياسية هي: يرتكب وهماً خطيراً من يتصور أنَّ أميركا والغرب و«اسرائيل» ستدعم الاسلاميين الوسطيين المعتدلين على نجاح تجربتهم وتقرير مصيرهم في تسيير المجتمع واستلام زمام الأمور، وستقدم لهم الدعم التقني والاقتصادي واللوجستي والعسكري بما يحقق لأوطانهم الرخاء والتقدم ولإبنائهم الأمن والأمان، بل أَنَّ هؤلاءِ الجاهلين المتكبرين ليسوا سعداء بنجاح الأطروحة الإسلامية، وهم يلتقون بالإسلاميين مضطرين من أجل مصالحهم الذاتية، وأطماعهم الامبريالية. ولو خيروا في قراراتهم لاختاروا النموذج الطالباني ولو كان دموياً لرجحوا الانقلاب على نتائج الانتخابات، ورفضوا الديمقراطية التي جاءت بالأحزاب الإسلامية إلى السلطة، إذ لا يهمهم تحقيق الحرية والإصلاح والديمقراطية في أوطاننا العربية والإسلامية، وإذا كانت على حساب مصالحهم الآنية والمستقبلية بما يخالف سياساتهم التكتيكية والاستراتيجية وكلّ من ينقلب على خططهم المرسومة المبرمجة، ويسعى لصيانة الهوية الانبعاثية الإسلامية من الانحراف، ويرفض سرقة خيرات الوطن، وهدر كرامة المواطن، وأنْ تكون نهباً للقوى الرأسمالية العولمية بوصفها لا تعرف غير المنفعة وغير اللذة على حساب المحرومين الجياع وكدح الكادحين من العمال والفلاحين، وهي متوحشة في حضارة تجوب الأعالي فتتجاوز الأرض المأمونة وكرامة الإنسان وحريته سواءً بسواء.

بسم الله الرحمن الرحيم: «رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»(4) والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هي مقولة (فوكوياما): أطلقها عام 1989م، ثُمَّ طورها بعد ذلك في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»!...

 (2) مصطلح غربي مقصود!.. وأنا أقول: إسلامييون بوصفهم ملتزمون ويعملون لتطبيق شريعة الإسلام الكونية الخاتمة في هذا الكوكب الأَرضي الصغير.

 (3) أعلن عن هذا الحزب أبان ثورة يناير في 21 شباط (فبراير) 2011م، وهو الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، يضعهم على قدم المساواة الانتخابية فيما يتعلق بوجوب وضع مسودة مشروع برنامج وسياسات محددة لحزب وطني لا يقود حملاته الانتخابية في بعض الأحيان باسم الدين صراحة، وهذا الوضع قاد بيئة سياسية فيها إسلامييون ليبرالييون من دون (إسلامي أصولي) مثال على نموذج أفكار حملة حزب العدالة والتنمية التركي الفاعل على دعم الفضائل والأخلاق الإسلامية العامة، في حين يحارب الفساد المتشري في حزب سياسي كمالي وسيط يساري في تركيا، هو «حزب الشعب الجمهوري». 

 (4) سورة البقرة، الآية: 286.

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha